تفكيك أسطورة «عصمة التاريخ»: حين يتحول التاريخ إلى «دليل إيمان» مزيف
هل عظمة الحضارة دليل على صحة ما تؤمن به؟
وهل كون أمة ما قدّمت للبشرية حضارة عظيمة يعني بالضرورة أن ما كانت عليه من عقائد وأفكار وقيم كان حقًّا؟
هنا ينبغي أن نميّز بين أمرين: الحضارة نسبية، والحق ثابت. فالحضارة في النهاية تجربة بشرية تتفاوت في جوانبها، وتتقدم في مجال وتتأخر في آخر، أما الحق فلا تتغير حقيقته بعظمة أصحابه أو ضعفهم، ولا يصبح الشيء حقًّا لأن أمة عظيمة آمنت به.
ومن هنا تأتي مغالطة جعل التاريخ، بدل أن يكون وسيلةً لمعرفة الحاضر من خلال الماضي، أداةً لتدعيم أركان الدين.
وهذه مغالطة يقع فيها الكثير جدًا من المثقفين على اختلاف المشارب، سواء ممن يتبنون الأفكار الغربية الحديثة، أم ممن يدافعون عن الإسلام.
فهؤلاء يقولون: كل من كانت حضارته عظيمة فهو بالضرورة على حق، والغرب لديه أعظم حضارة = الغرب على حق، والآخرون يقولون: كل من كانت حضارته عظيمة فهو على حق، والمسلمون أبناء أعظم حضارة = المسلمون على حق.
وكلا القياسين باطل؛ لا نسلّم بالمقدمة الأولى منه مطلقًا، وأما الثانية فتحتاج إلى نظر في المقدمتين.
نعم، في التاريخ الإسلامي عظماء، وحضارة قدّمت للبشرية الكثير، ولا ينكر هذا إلا غالط أو مغالِط، لكنّها – يا سيدي – تجربة بشرية وُجد فيها كثير من الأخطاء والسلبيات، ولم يكن صُنّاعها ملائكةً ذوي أجنحةٍ بيضاء، بل بشرًا يخطئون ويصيبون.
ومثل هذا يقال في الحضارة الغربية المعاصرة.
والتاريخ – بالجملة والتفصيل – ليس محلَّه الدرس العقدي، بل السياسي والاقتصادي.
وإنما لجأ البعض إلى هذه الطريقة لسببين:
1- أنّ القصص والحكايات عن الآباء والأجداد، وحديث «أننا أبناء ملائكة»، يُرضي الجماهير.
2- وأنها وسيلة سهلة لتثبيت العقائد في النفوس دون خوضٍ في المشكلات والخلافات مع أذكياء كل أمة، ويجنب آخرين الخوض في علوم يرونها هي الزندقة بعينها.
وباعتبارنا من أبناء الإسلام – ولله الحمد – فنوضح ما يترتب على هذا الطريق وخطة الخسف هذه:
إن في هذا الطريق يجب عليك إثبات أمرين:
1- أن كل رموز هذه الحضارة على مدار تاريخ يزيد على 1400 عامًا، يجب عليك إثبات أن هؤلاء جميعًا كانوا ملائكة، فهذا مطعن كبير ولا شك.
2- يجب عليك إثبات أن هذه بالفعل الحضارة الأعظم، وليس من الأعظم فقط.
وهاتان القضيتان دونهما خرط القتاد؛ إذ إن إثبات عصمة التاريخ الإسلامي من الأخطاء والانحرافات والصراعات أمر لا يمكن أن يقوم عليه دليل تاريخي، ولا هو مما يطلب أصلًا من تاريخ أي أمة. كما أن إثبات أن حضارة ما هي «الأعظم» على الإطلاق ليس قضية تاريخية بسيطة، بل يتوقف على المعايير التي نختارها للحكم على الحضارات: أفي العلوم؟ أم في الفلسفة؟ أم في العمران؟ أم في النظام السياسي؟ أم في الأخلاق؟ أم في مجموع ذلك كله؟
ثم إننا إذا جعلنا عظمة الحضارة دليلًا على صحة ما تؤمن به؛
ألزمنا أنفسنا بنتيجة خطيرة؛ إذ سيكون علينا أن نفسر كل ما في تاريخنا من ضعف وصراع وخطأ بوصفه استثناءً، وأن ندافع عن كل شخصية تاريخية لمجرد انتسابها إلى الحضارة، وكأن بطلان ذلك يهدد أصل الدين نفسه.
وهذا قلبٌ للعلاقة بين الدين والتاريخ؛
فبدل أن يكون الدين معيارًا ننظر به إلى التاريخ، نجعل التاريخ معيارًا نحاكم به الدين.
والحق أن الإسلام لا يحتاج إلى تاريخ ملائكي حتى يكون حقًّا، كما أن الحضارة الإسلامية لا تحتاج إلى أن يكون جميع رجالها معصومين حتى تثبت عظمتها. يكفي أن ندرسها كما ندرس غيرها من الحضارات: نعرف ما أنجزته، وما أخفقت فيه، وما تركته من علوم ومعارف، وما وقع فيها من صراعات وأخطاء، ثم نعطي كل ذلك حكمه الذي يستحقه.
فالعظمة الحضارية لا تساوي العصمة، والعصمة ليست شرطًا للعظمة، والحضارة مهما بلغت لا تتحول إلى برهان على الحق بمجرد بلوغها درجة عالية من القوة أو العلم أو العمران.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق