قصة لأننا صعاليك

قصة لأننا صعاليك

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

لأننا صعاليك  : 

 

image about قصة لأننا صعاليك

كانت ليلة باردة إلى الحد الذي يجعل الإنسان يتمنى لو كان حجرًا لا يشعر ولا يرتجف جلسنا نحن الثلاثة في زاوية ضيقة من الشارع، تحاصرنا جدران متسخة وأسفلت مبتل، وأمامنا علبة معدنية صغيرة أشعلنا بداخلها بعض الأوراق القديمة لم تكن النار تكفي لتدفئة أجسادنا، لكنها كانت تمنح أصابعنا المرتعشة شيئًا من الوهم كنت أنا عادل، وإلى جواري سامي، أما الرجل الثالث فكان الشيخ نجيب لم يكن شيخًا بالمعنى الحقيقي للكلمة لكنه كان أكبرنا سنًا وأكثرنا خبرة بالحياة أو ربما كان أكثرنا قدرة على إخفاء انكساره.

رفع سامي يديه نحو النار وقال:

- تفتكر آخر مرة حسينا فيها إننا بني آدمين كانت إمتى؟ .

 

نظرنا إليه، ثم عدنا إلى النار لم يجبه أحد كان السؤال أكبر من قدرتنا على الإجابة في الجهة الأخرى من الشارع  كانت المدينة تعيش حياتها الطبيعية سيارات تمر مقاهٍ مضاءة وبيوت مغلقة خلف أبوابها يعيش أصحابها في دفء لا نعرفه كنت أحيانًا أتخيلهم جالسين حول مائدة يشربون الشاي ويتحدثون عن ارتفاع الأسعار ثم ينظر أحدهم من النافذة، فيرانا ويقول :

- الصعاليك دول يستاهلوا اللي هم فيه.

كنت أكره تلك الكلمة :

- صعاليك .

لكن الشيخ نجيب لم يكن يكرهها قال ذات ليلة، بعدما ظل صامتًا طويلًا :

- إحنا بقينا صعاليك مش عشان اخترنا كده... الحياة هي اللي اختارت لنا.

نظر إليه سامي وسأله:

- وأنت كنت إيه قبل كده يا نجيب؟ .

ابتسم الرجل ابتسامة غامضة :

- كنت بني آدم عادي .... لم نعرف إن كان يمزح أم يتذكر شيئًا مؤلمًا.

أما أنا، فكنت طالبًا في كلية الهندسة كان لدي بيت وأب وأحلام كثيرة ثم مات أبي فجأة ، واكتشفت بعد موته ديونًا لم أعرف عنها شيئًا أخذ البنك البيت ، وتفرّق الأقارب ، وتحول كل شيء كنت أظنه ثابتًا إلى شيء يمكن أن يختفي في يوم واحد.

سامي كان فنانًا كان يرسم الوجوه على الأرصفة مقابل نقود قليلة أخبرنا ذات مرة أنه كان يمتلك لوحات كثيرة، لكنه اضطر إلى بيعها واحدة تلو الأخرى حتى لم يبقَ لديه شيء سوى فرشاة مكسورة ودفتر صغير.

أما نجيب، فلم يخبرنا قصته كاملة ربما لأنه لم يعد يرى فائدة في الماضي في تلك الليلة، كان يسعل كثيرًا اقتربت منه وقلت :

- لازم نلاقي مكان دافي بكرة.

نظر إليّ طويلًا، ثم ابتسم : 

- بكرة؟.

- أيوه، بكرة.

هز رأسه ببطء.

- مش كل الناس ليها بكرة يا عادل... لم أفهم ما يقصده أو ربما فهمت ، لكنني رفضت أن أصدقه.

 

عندما استيقظنا مع أول ضوء للصباح ، كان نجيب قد رحل ظللت أناديه بينما جلس سامي إلى جواره صامتًا لم أعرف ماذا أفعل كان الرجل الذي شاركنا الجوع والبرد والحكايات قد أصبح فجأة جزءًا من الصمت حملناه معنا، وبدأنا نبحث عن مكان يدفن فيه لكن المدينة التي لم تعرفه حيًا لم تكن مهتمة به ميتًا لم يسأل أحد عن اسمه لم يبحث أحد عن أهله لم تتوقف سيارة واحدة لتعرف من هذا الرجل الذي نحمله وفي النهاية، تركناه خلفنا ومضينا شعرت يومها أن شيئًا مني قد دُفن معه.

 

 جلس سامي على الرصيف ، وظل ينظر إلى الشارع الخالي و قال :

- إحنا هنكون زيه؟

لم أجب كان السؤال يعرف إجابته أشعلت لفافة تبغ رخيصة، ونظرت إلى المباني العالية من حولنا. فوقنا كانت هناك مئات النوافذ المضيئة، وخلف كل نافذة حياة كاملة أما نحن ، فكنا ثلاثة رجال يسيرون في مدينة لا تتذكر أسماء من يسقطون على أرصفتها وقف سامي : 

- هنروح فين؟

نظرت إليه وقلت :

- هنكمل.

- لحد إمتى؟

نظرت إلى الطريق أمامنا :

- لحد ما نقدر على الحياة أو هي تقدر علينا .

ثم مشينا لم نكن نبحث عن شفقة، ولا عن أحد ينقذنا كنا نبحث فقط عن يوم آخر نعيشه، وعن ليلة أخرى نحاول فيها الاحتماء من البرد ومنذ ذلك الصباح، كلما مررنا بالشارع الذي تركنا فيه نجيب كنت أشعر أنه ما زال يمشي معنا ربما كان قد رحل، لكن كلماته بقيت :

- إحنا بقينا صعاليك مش عشان اخترنا كده... الحياة هي اللي اختارت لنا.

ومن يومها، لم أعد أكره تلك الكلمة.

صرت أقولها لنفسي كلما ضاقت بنا المدينة:

- لأننا صعاليك... سنكمل .

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Ahmed mahros تقييم 5 من 5.
المقالات

2

متابعهم

0

متابعهم

2

مقالات مشابة
-