في أزقة مدينة "أورورا" القديمة، حيث تهمس الجدران الحجرية بأسرار الراحلين وتنعكس أضواء المصابيح الزيتية على أرصفتها المبتلة، كان الرسام "إلياس" يقضي أيامه بين رائحة التربنتين وعلب الألوان المبعثرة. تجاوز سبعينه، وتجاوزت معه الحياة صخبها لتتركه حارساً لذكريات منسية في مرسمه العتيق. لم يكن إلياس رساماً عادياً، بل كان يمتلك موهبة فريدة تجعله يرى المشاعر البشرية كألوان تتطاير في الهواء؛ فالخوف يراه كحبر أزرق داكن، والرجاء يلمع أمامه كشعاع ذهبي براق. رسم طوال حياته أربع لوحات خلدت أعمق محطات حياته، وظلت اللوحة الخامسة القابعة على الحامل الخشبي فارغة لأكثر من عقدين، تنتظر شغفاً ظن أنه انطفأ للأبد.
✌✦ اللغز المخبأ بين الطيات ✦
في ليلة مطيرة شديدة العصف، قرع باب مرسمه المتهالك فتى صغير، ملابسه مبللة وعيناه تحملان بريقاً يعبر عن حيرة عميقة. لم ينبس الصبي ببنت شفة، بل وضع على الطاولة الخشبية رقعة مطوية من الورق المصفر وانصرف مسرعاً ليختفي بين طيات العتمة. عندما فتح إلياس الورقة بأصابع ترتجف، وجد خريطة دقيقة لمرسمه، وفي منتصفها دائرة حمراء تشير إلى اللوحة الخامسة الفارغة، وتحتها عبارة مكتوبة بخط يده هو: "اللون الذي تبحث عنه ليس في أنبوب ألوانك، بل في العين التي تتطلع إلى الأمل وسط الظلام." تسمر إلياس في مكانه، وسرت في جسده برودة مفاجئة. كيف لخط يده أن يتجسد على ورقة لم يكتبها قط؟ وكيف يعلم هذا الفتى بوجود هذه اللوحة السرية؟
دفعه الفضول الشديد الذي غاب عنه منذ سنوات طويلة إلى الخروج خلف الصبي. أسرع يلاحق أثره في الأزقة الضيقة المظلمة تحت هطول المطر الغزير، حتى وجده جالساً عند زاوية مبنى مهجور، يحتضن جرواً صغيراً يحميه بعباءته الممزقة من البرد والبلل، وعيناه تفيضان برحمة ودفء غريبين رغم قسوة ظروفه. في تلك اللحظة بالذات، رأى إلياس طيفاً ذهبياً متلألئاً يحيط بالصبي، لوناً لم تشهده ريشته من قبل؛ كان ذلك أصفى تجسيد للإيثار والمحبة النقية. عاد الشيخ إلى مرسمه والشرارة تشتعل في أطراف أصابعه. لم يعبأ بمرور الساعات ولا ببرودة الليل، بل راحت فرشته تداعب اللوحة البيضاء بجرأة وحيوية لم يعرفها في شبابه. مزج الظلال بالنور، واستحضر حرارة الموقف ليصوغ منها درة فنية تشع حياة.
✦ أثرٌ لا يمحوه الزمن ✦
مع تباشير الفجر الأولى وظهور أشعة الشمس الدافئة، وضع إلياس الفرشاة جانباً ونظر إلى عمله. لم تكن اللوحة الخامسة مجرد مشهد لفتى ومطر، بل كانت قصيدة ملموسة تبث الأمل والسلام في نفس كل من يطالعها. أدرك الرسام العجوز أن الفن الحقيقي ليس مجرد المهارة في دمج الألوان، بل هو القدرة على لمس الأرواح وإحياء النور المخبأ في قلوب الآخرين. أشرقت الشمس كاملة لتملأ المرسم بالضوء، وتبدأ معها رحلة جديدة لرسام استعاد روحه من جديد.
Keep up with Abo Zamn
Choose site notifications, email, or both. Guests can subscribe by email without an account.
Enjoyed this article?
Share it with someone who will value it
More
Report this article
Tell our review team about a problem with this content. Your details will not be shown to the author or other readers.
Your report could not be sent. Please try again later.
بعد اللقاء الأول واجتماع أعضاء فريق الاستطلاع الخمسة في مقر منظمة GSA، حان وقت الاستعداد للمهمة الأكثر إثارة في تاريخ البشرية. تبدأ التجهيزات الأخيرة،…
أغرب چـ,ـريمة في المنوفية.. عامل بناء سقط فجأة أمام زملائه والسبب لم يكن أزمة قلبية في مشهد غريب وصاډم، يشبه لقطات الأفلام أكثر مما يشبه الواقع، تحولت…
في عام 2544، يرصد علماء الفضاء كوكباً غامضاً يقترب من المجموعة الشمسية، كوكب يشبه الأرض لكنه يخفي عالماً مليئاً بالأسرار والكائنات الغريبة. تقرر منظمة…
Discussion
comments (0)
Share a perspective. Start a thoughtful conversation.
please login to be able to comment