بين التاريخ والفلسفة؛ كيف نشأت الحضارة:
كيف بدأت الحضارة؟
قبل أن تظهر المدن والكتابة والقوانين والعلوم، كان هناك إنسان. فكيف انتقل هذا الإنسان من مجرد الوجود إلى الاجتماع، ومن الاجتماع إلى النظام، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن المعرفة المتفرقة إلى العلوم والصناعات التي قامت عليها الحضارات؟
يقول ويل ديورانت في قصة الحضارة:
«إن الكاهن لم يخلق الدين خلقاً، لكن استخدمه لأغراضه فقط، كما يستخدم السياسي ما للإنسان من دوافع فطرية وعادات؛ فلم تنشأ العقيدة الدينية عن تلفيقات أو ألاعيب كهنوتية، إنما نشأت عن فطرة الإنسان بما فيها من تساؤل لا ينقطع وخوف وقلق وأمل وشعور بالعزلة؛ نعم إن الكاهن قد أضر الناس بإبقائه على الخرافة وباحتكاره لضروب معينة من المعرفة، لكنه مع ذلك عمل على حصر الخرافة في نطاق ضيق، وكثيراً ما كان يحمل الناس على إهمال شأنها، وهو الذي لقن الناس بداية التعليم والتهذيب، وكان بمثابة المستودع وأداة التوصيل بالنسبة للتراث الثقافي الإنساني المتزايد.»
ويقول د. عبد المنعم الصدي في أصول القانون، تحت عنوان «القانون ضرورة اجتماعية»:
«الإنسان كائن اجتماعي، فهو بدافع غريزته وبداعي طبيعته لا يستطيع أن يعيش منفردا... ولكنه يعجز عن أن يشبع بمفرده كل حاجاته، فلابد له من أن يفيد من مجهودات غيره في هذا السبيل...»
ثم يقول:
«فوجود المجتمع إذا أمر حتمي، ما دام أن الإنسان لا يعيش إلا في جماعة. وفي هذا المجتمع تنشأ علاقات بين الأفراد مختلفة أنواعها... والفرد في سعيه لإشباع حاجاته وتحقيق رغباته تتعارض مصالحه مع مصالح غيره من الأفراد. ولو ترك له أمر تسوية علاقاته مع غيره وفقا لهواه لغلب مصلحته.»
حسنًا، إذا كان الاجتماع حتميًا:
فهل يستقيم الاجتماع بمجرد اجتماع الناس؟
لكل إنسان مصلحة، ولكل إنسان حق، وما في يد أحد قد يرغبه آخر. فإذا تعارضت المصالح، فمن الذي يفصل؟ وإذا ادعى كل واحد أن الحق معه، فمن الذي يضع معيارًا يحكم به بينهما؟
لا بد من تشريع.
لكن التشريع نفسه لا ينشأ من الفراغ. فالحاجة إلى القانون تفسر ضرورة وجوده، ولا تجيب عن سؤال مصدره: من أين جاء الإنسان بالقواعد التي جعلها قانونًا؟ ومن الذي يحدد له ما له وما عليه، وما يجوز وما لا يجوز؟
ويستحيل أن نقول أن الإنسان الذي يحتاج لاجتماع والاجتماع يحتاج لتشريع أن الإنسان هو الذي أنشأ ذلك التشريع لا بد من مصدر خارجي يخرجنا من هذه الدائرة المغلقة.
وفي ضوء هاتين العبارتين يمكن أن نبني تفسيرًا لم ننشئه من تلقاء أنفسنا، بل نحن مجرد منظمين وحاملين له:
الأنبياء الأوائل هم حملة المعرفة الدنيوية:
والدليل على هذا:
1- افتقار البشر للاجتماع = افتقارهم لتشريع لأن الإنسان كما هو اجتماعي بنفسه هو تمتد أطماعه لما في يد غيره والاجتماع لا ينصلح بدون تشريع
2- لا يوجد علم بلا معلم والجهل لا ينتج إلا جهلا فيفتقر الإنسان إلى
1- أسس أولية وقواعد أكثر المعارف
2- أسس النظر في العلوم
والآن انظر إلى العلم نفسه.
إذا كان الإنسان جاهلًا، فمن أين يبدأ؟ لا يمكن أن يستخرج من الجهل علمًا مكتملًا، ولا أن يضع قواعد النظر وهو لا يملك أصول النظر.
خذ الطب مثالًا.
الإنسان يعرف الألم والمرض، لكنه لا يعرف بمجرد ذلك طبيعة المرض، ولا سببه، ولا أن هذا المرض يقبل العلاج، ولا أن هذه المادة دواء له، ولا أن تلك سبب للهلاك، ولا مقدار الدواء ولا كيفية استعماله.
يمكن أن تقول: بالتجربة.
لكن التجربة نفسها تحتاج إلى معرفة، كيف يعرف الإنسان أن جسده أصلا يحتاج لدواء؛ وأن هناك دواء يمكن أن يعالجه،، ثم إن الإنسان بطبعه يحافظ على نفسه فهل سيجرب ما سيودي بحياته وأكثر عناصر الطبيعة ضررها أكثر من نفعها أو على الأقل نسب هذه المواد وهذه متقاربة؟
ولهذا يقول ابن حزم في الفصل في الملل والنحل:
«بيقين نَدْرِي أَن الْعُلُوم والصناعات لَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يَهْتَدِي أحد إِلَيْهَا بطبعه فِيمَا بَيْننَا دون تَعْلِيم كالطب وَمَعْرِفَة الطبائع والأمراض وسببها على كَثْرَة اختلافها وَوُجُود العلاج لَهَا بالعقاقير الَّتِي لَا سَبِيل إِلَى تجريبها كلهَا أبدا...»
فإذا كانت التجربة لا تستقل بهذا، فمن أين يأتي البيان الأول؟
يقول الإمام اللامشي في التمهيد لقواعد التوحيد:
«ولأن من أجزاء العالم ما هو غذاءٌ ومنها ما هو دواءٌ ومنها ما هو سببٌ للفناء. ولا وَجْهَ للمخلوقين إلى تجربة ذلك بأنفسهم لما فيه من خَوْفِ الهلاك. فلو لم يَرِدِ البيانُ ممّن هو عالِمٌ بطبائعها على لسان نَبِيٍّ من أنبيائه ـ عليه السلام ـ! لم يكن لتخليقها على ما فيه من المنفعة والمضرة عاقبة حميدة. ومثله خارجٌ عن الحكمة.»
ولهذا يقول الفارابي في آراء أهل المدينة الفاضلة، في وصف الرئيس الأول بحسب تصوره:
«هذا الانسان هو الذي يوحى إليه. فيكون اللّه، عز وجل، يوحي إليه بتوسّط العقل الفعّال.»
والعقل الفعال في حسب التصور اليوناني الذي الفارابي أحد أبنائه المخلصين هو الملك الواسطة بين النبي والرسول، وهذا الدليل يقال أن أرسطو استدل به كذلك.
وما يقال في الطب يقال في غيره، وإنما هو أوضح الأمثلة بل وأقلها تعقيدًا.
ثم نعود إلى التاريخ.
يقول ديورانت:
«الكتابة كانت في مراحلها الأولى شيئاً غامضاً مقدساً، ولفظة "هيروغليف" معناها نقش مقدس.»
ثم ينقل عن المصريين القدماء أن:
«العلوم قد اخترعها من 18000 سنة قبل الميلاد تحوت إله الحكمة المصري في خلال حكمه على ظهر الأرض البالغ ثلاثة آلاف من الأعوام، وإن أقدم الكتب في كل علم من العلوم كانت من بين العشرين ألف مجلد التي وضعها هذا الإله.»
والقصة في ظاهرها أسطورة، ولا نقول إن تحوت اخترع العلوم فعلًا. لكن لماذا نسبت الحضارة المصرية العلم والكتابة والحكمة إلى إله؟
هذه النقطة هي التي تستحق النظر.
ديورانت نفسه يقرر أن الكهنة كانوا حملة العلم، وأنهم لقنوا الناس بداية التعليم والتهذيب، وكانوا مستودعًا وأداة توصيل للتراث الثقافي. ثم نجد في مصر القديمة أن الكتابة نفسها كانت ذات طابع مقدس، وأن الحكمة والعلوم تنسب إلى شخصية إلهية.
وليس هذا مقصورًا على المصريين. بل في مواضع أخرى في قصة الحضارة يصرح ديورانت بأن أكثر الشعوب كانت ترد العلوم والمعارف إلى أصول دينية، لأن الإنسان عجز عن تفسير نشأة هذه المعارف من تلقاء نفسه.
ونحن لا نذكر هذا لأن ديورانت يتبنى هذا التفسير؛ فهو لا يتبناه. وإنما نذكره استئناسًا بما انتهى إليه من وصف التاريخ. ولسنا مقلدين له في نتيجته الفلسفية، وإنما نأخذ من مادته ما يوافق الحق.

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق