الفصل الاول من رواية عندما سقط القمر
عندما سقط القمر
الجزء الأول: المدينة التي كانت في السماء
---
الفصل الأول — ليلة مختلفة
لا أحد في فالين كان يعرف الكثير عن العالم خارج حدودها، ولا أحد كان يريد أن يعرف. القرية تقع في جيب ضيق بين سفوح الجبال وغابة إيراف، كأن الطبيعة نفسها اختارت أن تُخفيها عن أعين الممالك الكبرى وتتركها تعيش على وقعها الخاص: أصوات الباعة في النهار، حفيف الأشجار، وقع أقدام الماشية فوق طرق ترابية لم تتغير منذ أجيال.
لكن آدم كان يريد أن يعرف. كان هذا هو الفرق الوحيد بينه وبين بقية فالين؛ لم يكن أكثر شجاعة من غيره، ولا أكثر ذكاءً مما يظن نفسه، لكنه كان الوحيد الذي ينظر إلى الطريق الجنوبي المؤدي خارج القرية ويتساءل إلى أين يفضي، بينما يكتفي الآخرون بالنظر إليه على أنه مجرد طريق. عادة قديمة فيه، ربما ورثها عن أمه دون أن يعرف، تجعله يفتح كل باب مغلق يجده، ويسأل كل سؤال يُقال له إنه لا يستحق أن يُسأل.
الليل كان شيئًا آخر تمامًا. هدوء كثيف، من النوع الذي يجعل أي صوت غريب يبدو وكأنه تسلل من عالم مختلف كليًا.
في تلك الليلة، جلس وحيدًا أمام طاولة خشبية صغيرة في غرفة والده، وشمعة واحدة تتصارع مع الظلام حولها. الأوراق القديمة والخرائط الملفوفة كانت متناثرة على السطح كأن أحدًا بحث فيها على عجل ولم يُعِد ترتيبها. لم يكن يفترض أن يكون هنا؛ غرفة والده كانت من الأماكن القليلة في البيت التي تحمل قاعدة غير مكتوبة: يُطرق الباب قبل الدخول، ولا يُفتح شيء دون إذن. لكن والده كان لا يزال في الساحة الكبرى مع رجال القرية، وآدم أقنع نفسه أنه لن يلمس شيئًا، فقط سينظر.
مدّ يده نحو إحدى الأوراق وسحبها ببطء. الحواف تحولت إلى بني داكن، وبعض الأجزاء تمزقت من كثرة الطي. فتحها فوق الطاولة: خريطة للمنطقة المحيطة بفالين، الجبال في الشمال، الغابة في الشرق، والطرق المؤدية جنوبًا إلى مدن لم يزرها قط. كل هذا يعرفه عن ظهر قلب؛ كان قد رسم نسخة منها بنفسه وهو في العاشرة، معجبًا بدقة الخطوط أكثر مما فهم معناها.
لكن شيئًا لم يكن في النسخة التي تعرفها ذاكرته: رمز صغير في الزاوية، دائرة يتوسطها خط منحنٍ، محفور بدقة تكاد لا تُرى، وكأن يدًا حريصة أرادت أن تخفيه لا أن تُظهره.
حدّق فيه طويلًا قبل أن يلمسه بإصبعه، فسرت في يده وخزة باردة صعدت حتى كتفه. سحب يده كأنه لُدغ، ثم ضحك من نفسه بصوت خافت.
“يبدو أنني متعب حقًّا.”
لكنه عاد ينظر إلى الرمز. كان مألوفًا بطريقة لا يستطيع تفسيرها، كصوت سمعه في طفولته ونسي أين قد يكون سمعه. حاول أن يستدعي الذكرى فجاءته صورة واحدة، باهتة كضباب: أمه، جالسة أمام هذه الطاولة نفسها منذ سنوات، تمسك قلمًا رفيعًا وترسم شيئًا على خريطة أخرى، وهو طفل يراقبها من الباب دون أن يفهم، ورائحة حبر ممزوجة بشيء يشبه المعدن.
لم يكن يتذكر الرسم بالضبط. لكنه يتذكر الرمز.
كان موجودًا دائمًا، أو هكذا خُيّل إليه، على الخرائط التي كانت ميرا تخفيها في ذلك الصندوق الذي لم يعد أحد يفتحه منذ اختفائها. كان عمره حينها ست سنوات، عمر لا يكفي لفهم الغياب، لكنه يكفي لتذكّر ثقله. تعلّم لاحقًا ألا يسأل، لا لأن الفضول غادره، بل لأن كل سؤال كان يُقابَل بصمت يشبه بابًا يُغلق بهدوء لا بصوت.
ابتلع ريقه. طرق أحدهم الباب. طوى الخريطة على عجل وأخفاها تحت ذراعه، حركة غريزية أكثر منها مدروسة، وكأن جزءًا منه قرر أن يحمي هذا السر قبل أن يعرف لماذا يستحق الحماية أصلًا.
دخل والده يحمل مصباحًا صغيرًا، ونظر إليه للحظة قبل أن تقع عيناه على الأوراق فوق الطاولة.
“ألم تنم بعد؟”
"كنت أنهي النظر في الخريطة." لم يكن يكذب تمامًا، ولم يكن صادقًا تمامًا أيضًا؛ مهارة تعلّمها من أبيه نفسه دون أن يقصد.
اقترب الرجل، ومدّ يده وأخذها منه دون أن يطلب.
“هذه لا ينبغي أن تكون هنا.”
“لماذا؟”
لم يجب فورًا. بدأ يلفّها بحركات يديه المعتادة، حركات رجل يحاول أن يبدو هادئًا أكثر مما هو عليه، أصابعه تتحرك أسرع قليلًا من اللازم.
“إنها قديمة. لا شيء فيها يستحق الاهتمام.”
راقبه آدم. كان يعرف والده جيدًا بما يكفي ليعرف أن هذه النبرة ليست نبرة رجل يقول الحقيقة، بل نبرة رجل يحاول أن يُقنع نفسه بها قبل أن يُقنع غيره. كان هذا هو النمط الذي عاش معه طوال حياته: أب يحب بصمت أكثر مما يتكلم، ويحمي بإخفاء المعلومة بدل مشاركتها، وكأنه يظن أن الجهل نوع من الدرع.
“هذا الرمز...”
توقفت يد والده عن اللف. ثانية واحدة، لا أكثر. لكن آدم رآها، كما يرى المرء شرارة تنطفئ بسرعة لكنها تكفي لتؤكد وجود النار.
“أتعرفه؟”
رفع الرجل عينيه، ولأول مرة منذ زمن طويل رأى آدم شيئًا في وجهه لم يعتد رؤيته فيه: خوفًا حقيقيًا، غير مقنّع، من النوع الذي لا يستطيع رجل بحجم أبيه أن يخفيه مهما حاول.
لم يُجب. أنهى لفّ الخريطة ووضعها في صندوق خشبي، ثم أغلقه بحركة أشبه بإغلاق باب على شيء يحاول الخروج.
“انسَ الأمر.”
“لكن يا أبي—”
"قلت لك: انسَ." نبرته ارتفعت قليلًا، ثم عاد فخفضها كأنه ندم على ارتفاعها. مدّ يده ولمس كتف آدم، لمسة قصيرة، أقرب إلى اعتذار لم يُقل بالكلمات.
خرج، وترك آدم وحده مع صندوق مغلق وسؤال معلّق في الهواء.
جلس ينظر إلى الباب، ثم إلى الصندوق، متيقنًا أن شيئًا في تلك الخريطة يخيف والده أكثر مما يستطيع الاعتراف به. لم يكن هذا خوفًا من ورقة قديمة؛ كان خوفًا من ذكرى، ومن احتمال أن يعيد التاريخ نفسه بطريقة ما. وقبل أن يمنح نفسه وقتًا ليفكر أبعد من ذلك، سمع صراخ امرأة من الخارج، ثم وقع أقدام تركض.
اقترب من النافذة وفتحها. كانت فالين مغسولة بضوء القمر، والناس يخرجون من بيوتهم واحدًا بعد آخر، كلهم ينظرون إلى جهة واحدة: السماء.
رفع رأسه. في البداية لم يرَ شيئًا خارجًا عن المعتاد؛ القمر في مكانه، دائرة بيضاء معلقة فوق الجبال كما كانت البارحة وقبلها بعام. ثم لاحظ الفرق: كان أكبر. أكبر بكثير مما ينبغي.
تراجع خطوة بلا وعي منه. الناس بدأوا يتجمعون في الطريق، وسمع أحدهم يسأل بصوت مرتجف: "هل اقترب القمر؟" فرد آخر بثقة زائفة لا تخدع أحدًا حتى صاحبها: “مستحيل. القمر لا يقترب.”
ثم تحرك القمر. لا كما يتحرك كل ليلة عبر قوس السماء البطيء، بل نحوهم مباشرة، ببطء أولًا، ثم بسرعة تتزايد بلا منطق يفهمه أحد. توقفت الأصوات في القرية دفعة واحدة، حتى الكلاب صمتت، وكأن شيئًا أمر الليل كله أن يحبس أنفاسه في اللحظة نفسها.
كبر القمر أكثر. ثم أكثر، حتى بدا وكأنه يبتلع السماء كلها، وظهرت على سطحه شقوق مظلمة كجرح يتسع بلا توقف.
شهقت امرأة في الشارع. سقط رجل على ركبتيه دون أن يدري لماذا سقط بالضبط، كأن جسده فهم قبل عقله أن شيئًا في نظام الأشياء قد انكسر.
أما آدم فبقي واقفًا أمام النافذة، عيناه مسمّرتان، يداه تقبضان على حافة الخشب بقوة تركت أثرًا أبيض في أصابعه، حتى انفصل جزء هائل من القمر — لم ينفجر، لم يتفتت، بل انفصل ببساطة رهيبة، كأن يدًا غير مرئية قطعته بحدّ واحد، وبدأ بالسقوط.
خرجت الكلمة من فمه بصعوبة، كأنه يقرأها من مكان بعيد داخله:
“القمر... يسقط.”
اهتزت الأرض. وانطلقت في السماء موجة ضوء لم ير مثلها من قبل، ولن يرى، ثم ابتلع البياض كل شيء.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق