ما وراء المرآة
الفصل الأول: الفتاة التي تسكن الزجاج
“لا تنظري في المرآة بعد منتصف الليل…”
كانت الجملة مكتوبة بخط باهت على ظهر المرآة القديمة التي ورثتها آسيا عن جدتها.
ضحكت يومها.
ظنتها واحدة من خرافات الكبار التي يخيفون بها الأطفال.
لكنها لم تكن طفلة…
ولم تكن المرآة عادية.

في الساعة الثانية عشرة تمامًا…
كانت شقتها صامتة.
المدينة بالخارج ما زالت مستيقظة، لكن داخل غرفتها كان كل شيء ساكنًا.
وضعت كوب الشاي على المكتب، ومرت أمام المرآة دون اهتمام.
ثم…
سمعت صوتًا.
صوتًا خافتًا يشبه الهمس.
“آسيا…”
التفتت بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
ابتسمت لنفسها.
“أكيد من قلة النوم.”
لكن عندما نظرت إلى المرآة مرة أخرى…
تجمد الدم في عروقها.
انعكاسها…
لم يكن يقلدها.
كانت آسيا ثابتة.
أما الفتاة داخل المرآة…
فابتسمت.
تراجعت خطوة.
ثم خطوتين.
وقلبها يكاد يقفز من صدرها.
الفتاة التي في الداخل كانت تشبهها في كل شيء.
نفس العينين.
نفس الشعر.
حتى نفس الندبة الصغيرة بجانب الحاجب.
لكن…
كانت مختلفة.
كانت تنظر بثقة لم تعرفها آسيا يومًا.
وكانت تبتسم بابتسامة لا تستطيع آسيا رسمها حتى في أسعد أيامها.
رفعت آسيا يدها.
لكن انعكاسها لم يرفع يده.
بل قال بهدوء:
“أخيرًا… نظرتِ إلي.”

هربت آسيا من الغرفة.
أغلقت الباب.
وظلت طوال الليل تقنع نفسها أنها تتخيل.
وفي الصباح…
استيقظت.
ذهبت إلى عملها.
ضحكت مع الجميع.
أجابت: “أنا بخير.”
كما تفعل دائمًا.
لكنها حين عادت مساءً…
كانت المرآة تنتظرها.
والفتاة التي بداخلها أيضًا.
“مين إنتِ؟”
سألت آسيا.
ابتسمت الفتاة.
وقالت:
“أنا أنتِ.”
هزت آسيا رأسها.
“أنا مش بالشجاعة دي.”
ردت الفتاة:
“لأنكِ تركتِني هنا.”
منذ تلك الليلة…
تحولت المرآة إلى موعد يومي.
كل مساء…
كانت آسيا تتحدث مع نفسها الأخرى.
النسخة التي لم تسمح للخوف أن يقتلها.
النسخة التي لم تعتذر عن أحلامها.
النسخة التي كانت تعرف كيف تقول “لا”.
النسخة التي كانت تواجه الناس دون أن ترتجف.
قالت لها ذات ليلة:
“ليه أنا ضعيفة وإنتِ قوية؟”
ابتسمت فتاة المرآة.
وقالت:
“أنتِ فاكرة إن القوة معناها إنك ما تبكيش.”
سكتت لحظة.
ثم أكملت:
“لكن القوة الحقيقية…
إنك تبكي…
وبعدها تقومي.”
مرت الأيام.
وبدأت آسيا تتغير.
في البداية…
قالت رأيها لأول مرة.
ثم اعتذرت لنفسها عن سنوات كانت تظلمها فيها.
ثم رفضت أن تكمل علاقة كانت تؤذيها.
ثم واجهت مديرها.
ثم عادت لتحقيق حلم دفنته منذ سنوات.
وفي كل مرة…
كانت تذهب إلى المرآة.
فتجد الفتاة بداخلها…
تبتسم أكثر.
لكن مع كل ابتسامة، كانت آسيا تلاحظ شيئًا غريبًا.
كان انعكاس الفتاة يبهت قليلًا.
في البداية ظنت أن السبب هو ضوء الغرفة.
ثم لاحظت أن أطراف أصابعها أصبحت شفافة، وأن الندبة الصغيرة بجانب حاجبها لم تعد واضحة كما كانت.
وحين سألتها عن ذلك، لم تجبها الفتاة.
اكتفت بأن وضعت كفها على الزجاج.
وفي الموضع نفسه، ظهرت على ظهر المرآة جملة جديدة، كأنها كُتبت للتو:
“حين تستعيدين ما تركتِه هنا… لن يبقى لي مكان.”

وفي الليلة الأربعين…
استيقظت آسيا قبل منتصف الليل بقليل.
لم تعرف لماذا شعرت بالخوف.
كانت المرآة مغطاة بطبقة رقيقة من البخار، رغم أن الغرفة باردة.
اقتربت منها، فوجدت على سطحها أثر كفّين من الداخل.
كفّان صغيران، ملتصقان بالزجاج.
ثم ظهر خط باهت يرسم الكلمات نفسها التي قرأتها على ظهر المرآة في أول ليلة:
“لا تنظري في المرآة بعد منتصف الليل…”
لكن هذه المرة، كانت هناك جملة أخرى أسفلها:
“إلا إذا كنتِ مستعدة لأن تنظري إلى نفسك كاملة.”
دقت الساعة الثانية عشرة.
رفعت آسيا عينيها.
كانت الفتاة واقفة في الجهة الأخرى من الزجاج.
لم تبتسم.
بدت هادئة، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل.
قالت آسيا:
“إنتِ هتمشي؟”
أومأت الفتاة.
“مش همشي.”
اقتربت أكثر، حتى التصق جبينها بالمرآة.
“أنا هرجع.”
“فين؟”
وضعت الفتاة يدها على الزجاج.
“مكان ما كنتِ فيه قبل ما تسيبيني.”
ثم أضافت بصوت خافت:
“جواكِ.”
مدت آسيا يدها ولمست كفها من الجهة الأخرى.
كان الزجاج باردًا، لكن شيئًا دافئًا انتقل إلى أصابعها.
في اللحظة نفسها، انطفأ المصباح.
وحين عاد الضوء…
اختفت الفتاة.
لم يعد في المرآة إلا انعكاس آسيا.
صرخت:
“ارجعي… أنا لسه محتاجاك.”
لكن لم يجبها أحد.
لأول مرة…
كانت المرآة تعكس الحقيقة فقط.
اقتربت آسيا منها.
فنظرت إلى نفسها.
واكتشفت شيئًا لم تنتبه إليه من قبل.
الابتسامة…
هي نفسها.
النظرة…
هي نفسها.
الثقة…
هي نفسها.
وعلى سطح المرآة، في المكان الذي كانت فيه كفّ الفتاة، بقي أثر ضبابي صغير لم يختفِ.
رفعت آسيا يدها ومسحته.

فوجدت خلفه خدشًا قديمًا على الزجاج، يشبه تمامًا الندبة الصغيرة بجانب حاجبها.
حينها فقط…
فهمت.
لم تكن هناك فتاة تسكن المرآة.
كانت المرآة تحتفظ بالنسخة التي تخلت عنها آسيا منذ سنوات…
حتى جاء اليوم الذي أصبحت فيه قادرة على استعادتها.
لم تختفِ فتاة المرآة لأنها ماتت أو هربت.
اختفت لأنها لم تعد منفصلة عنها.
لقد عادت إلى المكان الذي خرجت منه أول مرة.
إلى داخل آسيا.
أحيانًا…
لا نحتاج إلى أن نصبح شخصًا آخر.
كل ما نحتاجه…
أن نتوقف عن الهروب من الشخص الذي كنا نستحق أن نكونه منذ البداية.
ومنذ ذلك اليوم…
كلما وقفت آسيا أمام المرآة…
لم تعد تبحث عمن يقف خلف الزجاج.
لكنها، في بعض الليالي، حين تدق الساعة الثانية عشرة تمامًا، كانت ترى على سطح المرآة ابتسامة خاطفة تظهر قبل ابتسامتها بلحظة.
فتبتسم.
لأنها تعرف أن الفتاة لم تختفِ حقًا.
لقد أصبحت هي.

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق