معاناة ابنة مع أمٍّ ذكورية
ابنة في مواجهة أمٍّ ذكورية
البداية لم تكن في التاسعة عشرة
لم تبدأ الحكاية عندما بلغتُ التاسعة عشرة، ولم تكن نتيجة موقفٍ عابر أو خلافٍ بسيط. كانت الحكاية أقدم من ذلك بكثير؛ بدأت منذ طفولتي، حين لم أكن أفهم لماذا تختلف القواعد بيني وبين أخي، ولماذا كان يكفي أن أكون فتاة لأصبح المخطئة دائمًا.
أول درس في التفرقة
أتذكر يومًا كنا نلعب فيه أنا وأخي، فاختلفنا على شيء بسيط، كما يحدث بين أي طفلين، ثم تطور الخلاف إلى شجار. لم تسأل أمي عمّا حدث، ولم تحاول أن تعرف من بدأ. كان أول ما فعلته أن ضربتني وهي تصرخ:
«كيف تضربين أخاك؟»
وقفنا للحظة في صمتٍ غريب. كنت أنظر إليها ووجهي يؤلمني من ضربة أخي، بينما لم يكن يهمها إلا سؤال واحد: لماذا ضربتُه أنا؟ ثم قالت:
«هو أخوك، لو ضربك عادي، لكن أنتِ تضربينه لماذا؟ أتجننتِ؟»
ضحك أخي، وكأن ذلك الموقف منحه انتصارًا أكبر من مجرد الفوز في شجار طفولي. ومنذ ذلك اليوم، بدأ يتعلم أن هناك فرقًا بيننا، وأنه مهما فعل، سيجد من يقف في صفه.
كبرنا... لكن الفرق بقي
مرت السنوات، وكبرنا؛ أصبح هو في السابعة عشرة، وأنا في التاسعة عشرة. كانت أمي تمدحه باستمرار، بينما كنت أسمع التقليل من تعليمي، ومن جهدي، وحتى من إنجازاتي الصغيرة.
وفي أحد الأيام، عدت من الجامعة جائعة، ووجدت أمي تعد الغداء. لاحظت أنها وضعت لأخي طعامًا أكثر مني، كعادتها. هذه المرة لم أستطع الصمت، فقلت:
«هذا ليس عدلًا يا أمي، ضعي لنا بالتساوي».
أجابت ببساطة:
«أخوك لازم يأكل أكثر عشان يكون قوي».
أخذت طبقي ورحلت، وكأنني اعتدت ابتلاع اعتراضاتي كما أبتلع الطعام.
حين بدأ يشعر بأنه أفضل مني
ومع الوقت، لم يعد أخي يحتاج إلى أمي كي يشعر بأنه أفضل مني؛ فقد أصبح يقول لي:
«أنتِ ملكيش لازمة، أنتِ فاشلة».
وكلما حاولت الرد، كانت أمي تتحول إلى محاميته، فأصمت وأرحل وأترك كل شيء يتراكم بداخلي.
المواجهة التي تأخرت طويلًا
وفي آخر مرة، بدأ أخي بإزعاجي كعادته، لكنني قررت ألا أتجاهل الأمر. تطور الخلاف إلى شجار، وكانت أمي تشاهد بينما يضربني. وحين حاولت الدفاع عن نفسي، أمسكت بيدي وضربتني قائلة:
«عايزة تعملي عقلك بعقل أخوك؟»
عندها انفجرت بالبكاء. لم أبكِ بسبب ذلك الموقف فقط، بل بسبب طفلةٍ قديمة بداخلي لم يفهم أحد لماذا كانت تُعاقب دائمًا. 
ثمن أن تكون فتاة
فالمؤلم في الأم الذكورية ليس أنها تختلف بين أبنائها فحسب، بل إنها قد تجعل ابنتها تشعر أن كونها فتاة هو ذنبٌ يجب أن تدفع ثمنه طوال حياتها. وفي هذه الحكاية، لم يكن البكاء بسبب موقفٍ واحد، بل كان نتيجة سنوات من الصمت ومواقف صغيرة تراكمت حتى أصبحت أثقل من أن تُخفى. وربما كان أكثر ما يؤلم تلك الابنة أنها لم تكن تنتظر من أمها أن تقف ضد أخيها، بل كانت تتمنى فقط أن تنظر إليها بالعدل نفسه، وأن تسمعها قبل أن تحكم عليها.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق