اصنع جميلًا ولو في غير موضعه… فلا يضيع جميلٌ أينما زُرِع.
لستُ ممن يحبون أن يحكوا كل ما يفعلون، ولا ممن يبحثون عن الشهرة بين الناس بما صنعوا؛ فما بين العبد وربه من جميلٍ، أحبُّ أن يبقى في ستره، كزهرةٍ تنبت في الخفاء ولا تنتظر عينًا لتراها.
لكن بعض المواقف لا تمرُّ بنا عبثًا؛ تأتي كرسالةٍ صغيرة، تحمل في طياتها درسًا كبيرًا، فنحب أن نرويها، لعلها تصل إلى قلبٍ يحتاجها، أو توقظ في نفسٍ معنىً كاد أن يُنسى.
كنتُ يومها طالبًا في كلية الطب البيطري، وما زلتُ أؤمن أن العلم الذي لا يُعلَّم لغيرك، كالماء المحبوس خلف سدٍّ؛ لا يروي ظمآن، ولا يُنبت أرضًا.
وكان يوم الجمعة، وقبل الصلاة بدقائق، فإذا بالهاتف يرن.
كان صديقاً لي في محافظة أخري، وصوته يحمل شيئًا من الارتباك:
“الحقني… معايا حالة كذا وكذا، وأنا لم أتعامل معها من قبل.”
كانت الحالة معقدةً بعض الشيء، لكنها من تلك الحالات التي إذا عرفتَ مفتاحها، انفتح لك بابها.
شرحتُ له الـ technique خطوةً بخطوة، وكأنني أضع يده على الطريق حجرًا حجرًا، وبقيتُ معه حتى أتمَّ الأمر على الوجه الصحيح.
وانتهت الحالة، وانتهى معها القلق.
ثم جاء وقت الحساب، فقلت له ما يستحقه.
ولم أكن أعلم أن الأمر لم ينتهِ عند هذا الحد.
بعد صلاة العصر، اتصل بي زميلي، وكان صوته هذه المرة مختلفًا؛ يشكرني تارة، ويدعو لي تارة، ويخبرني أن المبلغ الذي حصل عليه جاءه في وقتٍ كان في أمسّ الحاجة إليه، وأن العيادة بعد تلك الحالة ذاع صيتها، وبدأ الناس يعرفونها ويقصدونها.
فقلت له ببساطة:
“لا تدعُ لي… ادعُ للدكتور فلان، أستاذي؛ فهو الذي علّمني هذا.”
فأنا لم أكن يومها إلا يدًا امتدت بما تعلّمت، أما أصل الخير، فكان قد زُرع فيَّ قبل ذلك بسنوات.
وفي اليوم التالي، ذهبتُ لزيارة أستاذي، وحكيتُ له ما حدث.
فنظر إليَّ وقال:
“منذ متى كان هذا؟”
قلت:
“بالأمس.”
فسكت قليلًا، ثم حلف لي أنه في الليلة نفسها، عند الساعة الثانية عشرة والنصف تقريبًا، كان يقود سيارته في طريقٍ ما، وقد امتد إلى جواره مصرفٌ مائي، أو كما نسميه نحن: ترعة.
كان التعب قد أثقل جفنيه، حتى غلبه النوم للحظات…
غفوةٌ قصيرة.
لكنها كانت كفيلةً بأن تجعل القلب يرتجف لو عرف الإنسان تفاصيلها.
استيقظ ليجد سيارته فوق كومةٍ من الرمال، بعد نهاية الترعة.
توقف.
نظر حوله.
ثم بدأ يسأل نفسه:
كيف عبرتُ كل هذه المسافة وأنا نائم؟
وكيف مرّت السيارة من هذا الطريق الطويل دون أن تنحرف؟
وكيف وصلت إلى هنا، إلى هذه النقطة تحديدًا؟
ثم نظر إلى الطريق أمامه، فإذا به أكثر صعوبةً وخطورة.
فقال لي:
“لا أعرف كيف وصلت إلى هنا… ولا كيف نجوت.”
عندها لم أجد في داخلي كلامًا كثيرًا.
فقط شعرتُ أن شيئًا ما في القلب قد انكسر… أو لعل شيئًا آخر قد استيقظ.
تذكرتُ قول النبي ﷺ:
“صنائعُ المعروفِ تقي مصارعَ السوء.”
وفهمتُ أن بعض أبواب الخير التي نطرقها للناس، قد تكون في الحقيقة أبواب نجاةٍ لنا لا نعلم عنها شيئًا.
ربما تظن أنك حين تعلّم شخصًا معلومةً، قد أعطيته دقائق من وقتك…
ولا تدري أن تلك الدقائق قد تُكتب لك في مكانٍ آخر، وفي وقتٍ آخر، وعلى هيئة نجاةٍ من أمرٍ لم تره، ولم تعرف حتى أنه كان يقترب منك.
وربما تظن أن يدك حين تمتد لمساعدة أحد، هي اليد التي تعطي…
ثم تكتشف بعد حين أن الله كان يمدُّ لك بها طوق نجاة.
فلا تحتقرنَّ معروفًا، ولو كان صغيرًا.
ولا تحبس علمًا علّمك الله إياه، فالعلم إذا خرج من صدرك لم ينقصك، بل ترك لك أثرًا جديدًا في قلبٍ آخر.
قد تعطي إنسانًا معلومةً في دقائق، فيفتح الله بها له باب رزق.
وقد تعلّم شخصًا مهارةً، فينفع بها عشرات الناس.
وقد تفرّج عن إنسان كربةً، فيجعل الله لك من حيث لا تحتسب فرجًا.
فنحن لا نعرف أين تذهب أعمالنا حين نُحسنها…
لكننا نؤمن أن الله لا يضيّع أجر المحسنين.
فبارك الله في كل من تعلّم علمًا فلم يحتكره، وفي كل من حمل جميلًا فلم يمنع وصوله إلى غيره، وفي كل من استطاع أن ينفع إنسانًا ففعل.
اصنع جميلًا ولو في غير موضعه…
فقد تزرع أنت شجرةً في أرضٍ لا تعرفها، ثم يأتي يومٌ تجلس فيه أنت تحت ظلّها.
وقد تشعل شمعةً في طريق أحدهم، ثم لا تدري أن الله جعل لك من نورها طريقًا حين أظلمت عليك الدنيا.
فازرعوا الخير حيث استطعتم…
فما أجمل أن يمضي الإنسان من الدنيا، وقد ترك خلفه أثرًا طيبًا لا يعرفه، ودعوةً صادقةً لا يسمعها، وجميلًا لم ينتظر عليه شكرًا.
فلا يضيع جميلٌ أينما زُرِع.
please login to be able to comment