في هذا المقال

القرية التي تستيقظ بعد منتصف الليل
كان سامر يقود سيارته منذ أكثر من ثلاث ساعات عندما بدأ الضباب يزداد كثافة.
كان يبحث عن قرية صغيرة اسمها وادي السكون، وهي آخر مكان أرسل منه صديقه ياسين رسالة قبل أن يختفي.
كانت الرسالة قصيرة جدًا:
“لو وصلت للقرية، متدخلش الشارع اللي ورا المسجد بعد المغرب.”
بعدها انقطع هاتف ياسين تمامًا.
لم يعرف سامر ماذا حدث، لذلك قرر البحث عنه بنفسه.
وصل إلى القرية قبل غروب الشمس بقليل.
كانت غريبة منذ اللحظة الأولى.
لا أطفال يلعبون.
لا سيارات.
ولا أصوات تقريبًا.
حتى الكلاب كانت مختبئة داخل البيوت.
أوقف سامر سيارته أمام متجر صغير وسأل رجلًا مسنًا عن ياسين.
بمجرد أن سمع الرجل الاسم، تغير وجهه.
قال:
“إنت صاحبه؟”
“أيوه.”
ظل الرجل صامتًا للحظات، ثم قال:
“لو عايز تلاقيه، دور عليه قبل الساعة 12.”
سأله سامر:
“ليه؟”
نظر الرجل إلى الشمس التي كانت تقترب من الأفق.
وقال:
“بعد منتصف الليل، القرية دي مش بتبقى زي ما أنت شايفها دلوقتي.”
ضحك سامر بتوتر.
“يعني إيه؟”
لكن الرجل أغلق المتجر بسرعة.
عاد سامر إلى سيارته.
بحث عن مكان يبيت فيه، فوجد نزلًا صغيرًا في طرف القرية.
استقبلته امرأة عجوز وأعطته غرفة في الطابق الثاني.
قبل أن يصعد، قالت:
“اقفل الباب قبل الساعة 12.”
سألها:
“ليه كل الناس بتقول نفس الكلام؟”
ردت:
“لأنهم عارفين.”
“عارفين إيه؟”
لكنها لم تجب.
حل الليل.
جلس سامر على السرير وهو ينظر إلى هاتفه.
كانت الساعة:
11:47 مساءً.
قرر الخروج والبحث عن ياسين قبل منتصف الليل.
لكن عندما فتح الباب، وجد الممر خاليًا تمامًا.
جميع أبواب الغرف كانت مغلقة.
سمع صوتًا في الأسفل.
نزل.
وجد المرأة العجوز تقف عند المدخل.
قالت:
“ارجع غرفتك.”
“أنا لازم أدور على صاحبي.”
“بعد 12 هتدور على نفسك.”
توقف سامر.
ثم سمع جرسًا بعيدًا.
دونغ.
نظر إلى الساعة.
12:00.
فجأة انطفأت كل الأنوار.
ساد الصمت.
ثم بدأت أبواب البيوت في القرية تُفتح.
واحدًا تلو الآخر.
خرج السكان.
لكنهم لم يتحدثوا.
كانوا جميعًا يسيرون في نفس الاتجاه.
نحو الشارع الخلفي.
الشارع الذي حذره ياسين منه.
خرج سامر من النزل دون أن يشعر.
تبعهم من بعيد.
وصلوا إلى ساحة قديمة في نهاية الشارع.
كان هناك بئر حجري في المنتصف.
وقف السكان حوله في دائرة.
ثم بدأوا يرددون جملة واحدة:
“عاد واحد… وبقي واحد.”
شعر سامر بالخوف.
ثم رأى شخصًا يخرج من خلف البئر.
كان ياسين.
صرخ سامر:
“ياسين!”
التفت الجميع إليه في نفس اللحظة.
نظر ياسين إلى سامر، لكن وجهه كان شاحبًا.
قال:
“إنت ليه جيت؟”
اقترب سامر.
“بدور عليك من أسبوع!”
رد ياسين:
“كان لازم تسيبني.”
قبل أن يسأله سامر، خرج صوت من البئر.
صوت عميق جعل الأرض تهتز.
تراجع السكان جميعًا.
ثم قال ياسين:
“الوقت خلص.”
سأل سامر:
“وقت إيه؟”
أشار ياسين إلى البيوت.
“القرية دي بتصحى كل ليلة.”
“يعني إيه؟”
“الناس اللي شايفهم مش هم نفس الناس اللي بتشوفهم الصبح.”
تراجع سامر.
قال ياسين:
“كل ليلة، القرية بتختار شخصًا جديدًا.”
“وتعمل فيه إيه؟”
لم يجب.
ظهر الرجل العجوز الذي قابل سامر عند المتجر.
قال:
“إحنا مش بنختار.”
نظر إلى البئر.
“هو اللي بيختار.”
ثم ساد صمت طويل.
خرج شيء من الظلام داخل البئر.
لم يرَ سامر شكله بوضوح، لكنه رأى ظلًا طويلًا يمتد على الأرض.
بدأ السكان يتراجعون.
قال ياسين:
“سامر، لما أقولك اجري… اجري.”
اقترب الظل.
ثم توقف أمام ياسين.
سمع سامر صوتًا يأتي من البئر:
“واحد منكم يبقى.”
صرخ ياسين:
“دلوقتي!”
ركض سامر.
ركض ياسين خلفه.
لكن السكان لم يتحركوا.
خرج الاثنان من الساحة ودخلا الشارع.
كان الشارع مختلفًا.
البيوت أصبحت أطول.
والنوافذ كلها مضاءة.
ومن خلف كل نافذة كانت هناك وجوه تراقبهما.
ركض سامر حتى وصل إلى سيارته.
أدخل المفتاح.
لم تعمل.
حاول مرة أخرى.
لا شيء.
قال ياسين:
“سيبها!”
“إيه؟”
“العربية مش هتشتغل هنا.”
ثم سمعا صوت خطوات.
كانت تأتي من خلفهما.
نظر سامر.
لم يكن هناك أحد.
لكن الخطوات كانت تقترب.
أمسك ياسين بيده.
“لا تبص وراك.”
ركضا إلى خارج القرية.
كلما اقتربا من الطريق، كانا يسمعان أصواتًا خلفهما.
أصوات رجال ونساء وأطفال.
كلهم ينادون:
“سامر…”
“ياسين…”
“ارجعوا…”
لكن الاثنين لم يلتفتا.
وأخيرًا وصلا إلى الطريق الرئيسي.
عندها اختفت الأصوات.
توقف ياسين يلهث.
قال سامر:
“خلصنا؟”
لم يجب ياسين.
نظر إلى القرية.
كانت كل الأنوار قد انطفأت.
ثم قال:
“لأ.”
“ليه؟”
أشار إلى الساعة.
كانت:
12:59.
قال:
“لسه دقيقة.”
سأله سامر:
“دقيقة لإيه؟”
بدأت أجراس القرية تدق.
دونغ.
دونغ.
ثم عادت القرية إلى طبيعتها.
البيوت صغيرة.
الشوارع هادئة.
والضباب اختفى.
نظر سامر إلى ياسين.
لكن ياسين لم يكن موجودًا.
صرخ:
“ياسين!”
لا رد.
وجد سامر نفسه واقفًا وحده.
ثم اهتز هاتفه.
وصلته رسالة.
من رقم ياسين.
فتحها.
كانت جملة واحدة:
“أنا خرجت من القرية… لكن إنت لسه جواها.”
رفع سامر رأسه.
كان واقفًا أمام نفس المتجر الذي دخل إليه عند وصوله.
نظر إلى الساعة.
كانت 11:47 مساءً.
فهم فجأة.
لم يكن قد مر وقت.
كل ما حدث كان يعيد نفسه.
دخل الرجل العجوز إلى المتجر.
نظر إليه وقال:
“إنت صاحبه؟”
تجمد سامر.
كان يسمع نفس الكلمات من جديد.
لكن هذه المرة تذكر شيئًا لم يلاحظه في المرة الأولى.
على الحائط خلف الرجل كانت هناك صور قديمة لسكان القرية.
اقترب سامر.
وجد صورة لياسين.
وبجانبها صورة أخرى.
كانت صورته هو.
وتحتها تاريخ:
الليلة القادمة.
ثم سمع صوت الجرس.
دونغ.
رفع سامر عينيه.
بدأت الساعة تقترب من منتصف الليل.
وفي نهاية الشارع، ظهرت امرأة تقف وحدها.
كانت تبتسم له.
ثم رفعت يدها وأشارت إلى البئر.
وفي تلك اللحظة، فهم سامر الحقيقة المرعبة:
لم يكن يبحث عن ياسين.
كان يبحث عن طريقة للخروج قبل أن يصبح هو الشخص الذي تبحث عنه القرية في الليلة التالية.


النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق