في هذا المقال

القرية التي تنام مرتين
كانت ليلى تحب السفر إلى الأماكن الهادئة، لذلك لم تعترض عندما اقترح والدها قضاء عطلة في قرية صغيرة بعيدة عن المدينة. قال إن المكان مثالي للاسترخاء، وإن المنزل الذي استأجره يطل على بحيرة جميلة تحيط بها الأشجار.
وصلت العائلة قبل غروب الشمس. بدت القرية كأنها خرجت من صورة قديمة؛ شوارع ضيقة، بيوت حجرية، وأبواب خشبية لا تزال تحمل آثار الزمن. لكن أكثر ما لفت انتباه ليلى هو أن أهل القرية كانوا يتجنبون النظر إلى البحيرة.
عندما سألت صاحب المنزل عن السبب، أجابها بابتسامة غريبة:
«البحيرة جميلة في النهار… لكن لا تقتربي منها بعد منتصف الليل.»
ضحك والدها، وظن أن الرجل يحاول تخويفهم من أجل التسلية. أما ليلى، فلم تنسَ طريقته في قول الجملة.
في الليلة الأولى، نامت العائلة مبكرًا. استيقظت ليلى عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل، بسبب صوت خطوات في الطابق السفلي. نزلت بحذر، لكنها لم تجد أحدًا. كان باب المنزل مفتوحًا، والهواء البارد يدخل من الخارج.
من بعيد، رأت أشخاصًا يسيرون نحو البحيرة. كانوا يمشون ببطء، دون أن يتحدثوا، وكأنهم يتبعون صوتًا لا يسمعه أحد غيرهم.
لاحظت أن بينهم امرأة من القرية، ورجلًا مسنًا، وحتى طفلًا صغيرًا. لم يحمل أي منهم مصباحًا، ومع ذلك كانوا يعرفون طريقهم جيدًا.
عادت ليلى إلى غرفتها وأغلقت الباب. لكنها قبل أن تنام، سمعت صوتًا يأتي من أسفل السرير:
«لسه دورك مجاش.»
قفزت من مكانها، وأضاءت المصباح. لم يكن هناك شيء.
في الصباح، أخبرت والدها بما رأته. قال لها إن الأمر ربما كان حلمًا، لكنه لاحظ أن صاحب المنزل بدا متوترًا عندما سألته ليلى عن الأشخاص الذين يمشون نحو البحيرة.
قال الرجل:
«أهل القرية عندهم عادة قديمة. كل ليلة، ينامون في بيوتهم… ثم يستيقظون في مكان آخر. لكنهم لا يتذكرون ذلك في الصباح.»
سألته ليلى:
«وإيه المكان الآخر؟»
لم يجب. اكتفى بأن طلب منها ألا تسهر.
في الليلة التالية، قررت ليلى أن تبقى مستيقظة. وضعت كرسيًا أمام باب غرفتها، وأمسكت هاتفها لتراقب الوقت. عند منتصف الليل، سمعت صوتًا خافتًا يشبه همهمة بعيدة.
ثم بدأ صوت الساعة يتباطأ.
عندما وصلت إلى الثانية تمامًا، شعرت أن عينيها تثقلان. حاولت مقاومة النعاس، لكن الظلام بدا وكأنه يقترب منها. أغمضت عينيها للحظة واحدة فقط.
وعندما فتحتهما، كانت واقفة أمام البحيرة.
لم تكن ترتدي حذاءها، ولم يكن هاتفها معها. حولها وقف أهل القرية، جميعهم يحدقون في الماء. لم يتحدث أحد.
نظرت ليلى إلى سطح البحيرة، فرأت انعكاس القرية… لكن المنازل كانت مضاءة، والنوافذ مليئة بأشخاص يراقبونهم.
ثم رأت انعكاسها.
كانت تقف في الماء، بينما هي واقفة على الشاطئ.
في الانعكاس، رفعت ليلى يدها، لكن ليلى الحقيقية لم تتحرك.
ابتسم انعكاسها، وفتح فمه ليقول:
«أنتِ اتأخرتِ.»
تراجعت ليلى، لكن الرجل المسن أمسك بذراعها برفق وقال:
«لا تنظري للماء. لو شافكِ، هيعرف إنكِ صحيتي.»
لم تفهم ليلى، لكنها أغمضت عينيها. سمعت خطوات كثيرة تتحرك حولها، ثم صوت جرس بعيد.
وعندما فتحت عينيها مرة أخرى، كانت في سريرها داخل المنزل. كان الصباح قد بدأ، ووالدتها تناديها لتناول الإفطار.
ظنت أن ما حدث مجرد حلم.
لكنها وجدت على معصمها سوارًا من الحجارة السوداء، لم تره من قبل. وعندما سألت صاحب المنزل عنه، تغير وجهه تمامًا.
قال بصوت منخفض:
«إنتِ رجعتي من النوم التاني… وده مش بيحصل لكل الناس.»
قررت العائلة مغادرة القرية في نفس اليوم. أثناء الرحيل، نظرت ليلى من نافذة السيارة إلى البحيرة. كان سطحها هادئًا، كأنه لم يشهد شيئًا.
لكن في اللحظة التي ابتعدت فيها السيارة، رأت فتاة تقف على الشاطئ.
كانت ترتدي ملابس ليلى نفسها.
رفعت الفتاة يدها، ولوّحت لها.
ثم تحركت شفتاها بكلمة واحدة:
«نشوفكِ الليلة.»
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد ليلى تنام بسهولة. ففي كل ليلة، قبل أن تغفو، تسمع صوت ماء يتحرك تحت سريرها.
وأحيانًا، عندما تفتح عينيها فجأة، ترى انعكاس البحيرة على سقف غرفتها.
رغم أن غرفتها لا تحتوي على نافذة.
تابع جديد Hafsa
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق