في هذا المقال
مقعد بجوار النافذة
كانت نورا تستقل القطار نفسه كل صباح.
في السابعة وعشر دقائق تحديدًا، تصل إلى المحطة، تشتري قهوتها، ثم تبحث عن المقعد القريب من النافذة.
لم تكن تحب الحديث مع أحد أثناء الرحلة.
كانت تضع سماعاتها، تفتح كتابًا، وتنظر أحيانًا إلى المباني التي تمر خلف الزجاج.
حتى ظهر هو.
في البداية لم تنتبه إليه.
جلس أمامها في أحد الأيام، وكان يحمل دفترًا أسود صغيرًا ويكتب فيه طوال الطريق.
وفي اليوم التالي جلس في المكان نفسه.
ثم اليوم الذي يليه.
وبعد أسبوع كامل، رفع عينيه عن الدفتر وسألها:
«هو القطر ده بيتأخر دايمًا ولا إحنا اللي بقينا بنستنى؟»
نزعت سماعة واحدة وقالت:
«الاتنين غالبًا.»
ضحك.
ومن هنا بدأ كل شيء.
حديث لا يستغرق سوى نصف ساعة
لم تكن لقاءاتهما طويلة.
ثلاثون دقيقة فقط، هي مدة الرحلة.
لكن نصف الساعة تلك أصبحت الجزء المفضل من يوم نورا.
تحدثا عن الكتب، والأفلام، والعمل، والأماكن التي يتمنيان زيارتها.
كان اسمه ياسين.
وكان يكتب في دفتره أشياء لا يسمح لها بقراءتها.
ذات صباح، حاولت نورا أن تختلس نظرة إلى الصفحة، فأغلق الدفتر بسرعة.
قالت ضاحكة:
«أكيد بتكتب عني.»
رد:
«لو بكتب عنك، مش هخليكي تشوفي.»
قالت:
«ليه؟»
ابتسم:
«عشان بعض الحاجات لما تتقال بتفقد معناها.»
لم تفهم الجملة وقتها.
لكنها تذكرتها كثيرًا بعد ذلك.
عندما أصبح الغياب واضحًا
في صباح أحد الأيام، لم يأتِ ياسين.
انتظرته نورا طوال الرحلة.
قالت لنفسها إنه ربما تأخر.
وفي اليوم التالي لم يأتِ أيضًا.
ثم مر أسبوع.
لم يكن لديها رقمه.
ولم تعرف اسمه الكامل.
كل ما تعرفه أنه يركب القطار نفسه، ويجلس في المقعد المقابل، ويحمل دفترًا أسود.
شعرت للمرة الأولى أن نصف ساعة من يومها أصبحت طويلة جدًا.
عودة مفاجئة
بعد ثلاثة أسابيع، ظهر.
دخل العربة، نظر إليها، ثم ابتسم.
قالت بغضب حاولت إخفاءه:
«اختفيت ليه؟»
جلس أمامها وقال:
«كان لازم أسافر.»
«طب ما كنت تقول.»
صمت للحظات.
ثم قال:
«كنت خايف أقول، فتزعلي.»
ردت:
«أنا زعلت أكتر عشان اختفيت.»
نظر إليها طويلًا، ثم قال:
«أنا مسافر بشكل نهائي تقريبًا.»
لم تعرف ماذا تقول.
كان قد حصل على فرصة للعمل في مدينة بعيدة، وكان عليه أن يبدأ حياة جديدة.
كانت المسافة بينهما أكبر من مجرد مدينتين.
ومع ذلك، للمرة الأولى، قررا أن يحاولا.
حب بين محطتين
تبادل الاثنان أرقام الهاتف.
بدأت الرسائل.
في البداية كانت طويلة.
ثم أصبحت مكالمات.
ثم صورًا لأيامهما العادية.
كان يرسل لها صورة السماء من نافذته.
وترسل له صورة القهوة التي أصبحت تشربها من دونه.
لكن شيئًا فشيئًا، بدأت الحياة تتدخل.
عمله أصبح أكثر صعوبة.
وهي بدأت تتحمل مسؤوليات جديدة.
لم يتوقف الحب فجأة.
بل أصبح أكثر هدوءًا.
ثم أكثر بُعدًا.
حتى جاء اليوم الذي لم يتحدثا فيه.
ثم يومان.
ثم أسبوع.
ولم يحدث شجار.
فقط لم يعرف أي منهما كيف يعيد المسافة إلى مكانها القديم.
بعد سنوات
مرت أربع سنوات.
تزوجت نورا.
لم تكن حياتها سيئة.
على العكس، كانت سعيدة بطريقتها الخاصة.
لكنها كلما ركبت القطار القديم، كانت تنظر إلى المقعد المقابل دون قصد.
كان دائمًا فارغًا.
وفي أحد الأيام، جلست في مكانها المعتاد، وفتحت حقيبتها.
وجدت شيئًا لم تره منذ سنوات.
ورقة صغيرة كانت قد سقطت من دفتر ياسين في إحدى الرحلات.
كانت قد احتفظت بها دون أن تعرف لماذا.
فتحتها.
وكان مكتوبًا عليها:
«لو في يوم مشيت من غير ما أقولك، اعرفي إني مشيت عشان أخاف أخسرك… مش عشان مبقتش عايزك.»
ظلت تنظر إلى الكلمات طويلًا.
ثم ابتسمت.
ليس لأنها تريد العودة إلى الماضي.
بل لأنها أخيرًا فهمت ما لم تستطع فهمه وقتها.
المقعد الفارغ
في صباح اليوم التالي، ركبت نورا القطار مرة أخرى.
جلست بجوار النافذة.
وبعد دقائق، جاء شخص غريب وجلس في المقعد المقابل.
فتح دفترًا أسود صغيرًا.
نظرت إليه نورا للحظة، ثم ضحكت في سرها.
لكنها هذه المرة لم تنتظر أن تبدأ قصة جديدة.
فبعض الذكريات لا تحتاج إلى أن تتحول إلى حياة كاملة.
يكفي أنها كانت حقيقية في الوقت الذي حدثت فيه.
ومع وصول القطار إلى المحطة الأخيرة، أغلقت نورا كتابها ونزلت.
أما المقعد المقابل، فظل فارغًا.
ليس انتظارًا لياسين…
بل لأن بعض الأماكن تحتفظ بذكريات أصحابها، حتى بعد أن يمضوا بعيدًا.

الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق