أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
قصص تاريخية

تمثال توت عنخ آمون الأسود والذهبي: لماذا لا يعني اللون الأسود أن صاحبه كان «أفريقيًا أسود» بالمعنى الحديث؟

يُعد تمثال توت عنخ آمون الأسود والذهبي من أبرز روائع الفن الجنائزي في مصر القديمة. عُثر عليه في مقبرة الملك بوادي الملوك، وكان يؤدي وظيفة رمزية كحارس للملك في العالم الآخر. ولا يمثل اللون الأسود فيه بالضرورة لون بشرة الملك، بل يرتبط في الرمزية المصرية القديمة

تمثال توت عنخ آمون الأسود والذهبي: لماذا لا يعني اللون الأسود أن صاحبه كان «أفريقيًا أسود» بالمعنى الحديث؟

التمثال الأسود لتوت عنخ آمون.. رمز للبعث وليس دليلًا على الهوية العرقية

image about تمثال توت عنخ آمون الأسود والذهبي: لماذا لا يعني اللون الأسود أن صاحبه كان «أفريقيًا أسود» بالمعنى الحديث؟

 

من بين أكثر القطع إثارة للجدل في الفن المصري القديم تمثال الملك توت عنخ آمون الذي يظهر فيه واقفًا بجسد أسود لامع، بينما تغطي أجزاء من ملابسه وتاجه طبقة ذهبية براقة. وقد أصبح هذا التباين بين الأسود والذهبي مادة خصبة لتفسيرات حديثة تربط اللون الأسود في التمثال مباشرةً بالعرق، وتذهب أحيانًا إلى أن التمثال يمثل ملكًا «أفريقيًا أسود» بالمعنى الذي تستخدم فيه هذه العبارة اليوم.

لكن قراءة التمثال في سياقه الأثري والديني تكشف شيئًا مختلفًا تمامًا.

فالتمثال ليس مجرد صورة لملك بلون بشرة محدد، وإنما هو تمثال حارس جنائزي ذي وظيفة دينية ورمزية عميقة، ارتبط بمعتقدات المصريين القدماء حول الموت والبعث والخصوبة وتجدد الحياة. والمتحف المصري الكبير يوضح صراحةً أن اللون الأسود في هذا التمثال يستحضر خصوبة الطمي الأسود الذي يترسب على أرض مصر مع فيضان النيل، كما يرمز إلى القيامة والبعث.

وهذه النقطة وحدها تجعل استخدام لون التمثال باعتباره «دليلًا عرقيًا» أمرًا يحتاج إلى مراجعة شديدة.


تمثال حارس يقف على عتبة العالم الآخر

التمثال الموجود في الصورة هو أحد تمثالي الحراسة اللذين عُثر عليهما في مقبرة توت عنخ آمون KV62 في وادي الملوك.

وقد وُضع التمثالان أمام المدخل المؤدي إلى حجرة دفن الملك، وكانا يؤديان وظيفة حارسين رمزيين للقبر. ويصف المتحف المصري الكبير التمثال بأنه واحد من زوج من التماثيل وقفا متقابلين أمام المدخل المختوم لحجرة الدفن.

أما قاعدة البيانات العالمية للمتحف المصري فتصف التمثال بأنه تمثال بالحجم الطبيعي للملك توت عنخ آمون، مصنوع من الخشب ومغطى بالراتنج الأسود، مع أجزاء من الملابس مغطاة بالذهب. وكان التمثال يحمل في الأصل عصا وصلولجانًا، ويرتدي غطاء الرأس الملكي المعروف باسم النمس، مع حية الكوبرا الملكية على الجبهة.

ويبلغ ارتفاع التمثال نحو 195 سنتيمترًا، وهو مصنوع من الخشب والذهب والبرونز والجص، وقد اكتُشف في منطقة وادي الملوك بالأقصر.

إذن نحن أمام قطعة مرتبطة مباشرةً بواحد من أشهر ملوك الأسرة الثامنة عشرة، وليس أمام تمثال مجهول الهوية يمكن الاستدلال على أصله من لون سطحه فقط.


لماذا جعل المصريون القدماء جسد الملك أسود؟

هنا تكمن أهم نقطة لفهم التمثال.

لو نظرنا إلى اللون الأسود بعين الإنسان المعاصر، فقد نفترض فورًا أنه يمثل لون البشرة. لكن المصريين القدماء لم يستخدموا الألوان في الفن بالطريقة نفسها التي نستخدمها اليوم.

كان اللون عند المصري القديم يحمل معاني دينية ورمزية.

فالمتحف المصري الكبير يذكر بوضوح أن السواد الموجود على التمثال مرتبط بخصوبة الطمي الأسود الذي كان يتركه فيضان النيل، كما ارتبط بفكرة البعث والتجدد.

وهذه ليست فكرة معزولة في الفن المصري.

فاللون الأسود ارتبط في مصر القديمة بأرض مصر الخصبة، ولذلك ارتبط اسم مصر القديمة كِمِت (Kemet) بفكرة «الأرض السوداء»، في مقابل المناطق الصحراوية القاحلة.

كما ارتبط الأسود أيضًا بالعالم الآخر وبالإله أوزيريس.

وتشير مصادر المتاحف إلى أن الأسود كان يمكن أن يرمز إلى التربة الغنية بالطمي وإلى العالم الآخر وأوزيريس، بينما كانت الألوان الأخرى تحمل هي أيضًا دلالات دينية ورمزية متعددة.

ولهذا لا يصح أن نقول:

«التمثال أسود، إذن المصريون القدماء كانوا يرسمون الملك بلون أسود لإثبات عرقه».

الأدق هو:

التمثال أسود لأن اللون نفسه يحمل معنى دينيًا مرتبطًا بالتجدد والخصوبة وأوزيريس وأرض مصر السوداء.

وهذا فرق جوهري.


العلاقة بين التمثال وأوزيريس

توت عنخ آمون هنا ليس مجرد ملك يقف بملابس ملكية.

التماثيل الموجودة في المقابر الملكية كانت مرتبطة بعقيدة الموت والبعث.

وفي العقيدة المصرية، كان أوزيريس سيد العالم الآخر ورمزًا للموت والبعث والتجدد. ولذلك كان تمثيل المتوفى بالأسود أو الأخضر في بعض السياقات الفنية يحمل معنى يتجاوز مجرد وصف لون الجلد.

وتوضح مواد المتحف المتروبوليتان للفنون أن اللون الأسود أو الأخضر في الفن المصري القديم يمكن أن يحمل دلالات دينية مرتبطة بالتجدد والبعث والخصوبة، وخصوصًا في تمثيلات أوزيريس.

ومن هنا يصبح من المفهوم لماذا يظهر توت عنخ آمون في هذا التمثال بجسد أسود شديد اللمعان بينما تظهر ملابسه وتفاصيله بالذهب.

إنه تصوير ملكي جنائزي ذي معنى ديني.


الذهب والأسود: رمز الموت والبعث

التباين بين الأسود والذهبي ليس صدفة جمالية.

كان الذهب في مصر القديمة معدنًا مقدسًا ارتبط بالشمس وبالطبيعة الإلهية، لأنه لا يصدأ ولا يتغير بسهولة.

وتشير المصادر المتحفية إلى أن الذهب ارتبط بجسد الآلهة وبالشمس، وكان يُنظر إليه بوصفه مادة ذات طبيعة إلهية.

وهكذا يجتمع في التمثال عنصران بالغَا الأهمية:

الأسود: الأرض، الطمي، أوزيريس، العالم الآخر، التجدد والبعث.

الذهب: الشمس، الخلود، الطبيعة الإلهية وعدم الفناء.

وهذا يجعل التمثال أكثر تعقيدًا بكثير من مجرد صورة لإنسان «أسود البشرة».


هل كان توت عنخ آمون أفريقيًا؟

هنا يجب أن نفرق بين معنيين مختلفين تمامًا لكلمة «أفريقي».

إذا كان المقصود:

هل كان توت عنخ آمون من سكان مصر القديمة، ومصر تقع جغرافيًا في أفريقيا؟

فالجواب نعم، بالطبع.

أما إذا كان المقصود:

هل اللون الأسود في التمثال يثبت أن توت عنخ آمون كان من سكان أفريقيا جنوب الصحراء بالمعنى العرقي الحديث؟

فلا يوجد في هذا التمثال ما يثبت ذلك.

وهذا ليس لأن المصريين القدماء كانوا «غير أفارقة»، فهذا تقسيم حديث لا يتطابق ببساطة مع الطريقة التي كان بها سكان وادي النيل يعرفون أنفسهم.

مصر كانت ولا تزال جزءًا من أفريقيا جغرافيًا، لكنها في الوقت نفسه كانت منطقة اتصال بين أفريقيا والشرق الأدنى والبحر المتوسط.

ولهذا كانت مصر القديمة مجتمعًا له علاقات مع النوبة وليبيا وبلاد الشام والبحر المتوسط وغيرها.

إن تحويل هذا التاريخ المعقد إلى ثنائية:

«أفارقة سود» مقابل «مصريين غير أفارقة»

هو تبسيط شديد لمجتمع قديم كان أكثر تعقيدًا من التصنيفات العرقية الحديثة.


تفنيد قراءة «التمثال الأسود = ملك أفريقي أسود»

توجد بعض القراءات ذات الطابع الأفروسنتري التي تستدل على اللون الأسود لبعض التماثيل المصرية لتأكيد أن المصريين القدماء كانوا مطابقين لمفهوم «السود الأفارقة» المعاصر.

المشكلة أن هذا الاستدلال يتجاهل وظيفة اللون داخل الفن المصري القديم.

في حالة تمثال توت عنخ آمون تحديدًا، لدينا تفسير متحفي مباشر للون الأسود: الطمي الأسود والخصوبة والبعث.

كما أن قاعدة بيانات المتحف المصري تصف التمثال بأنه مصنوع من الخشب ومغطى بـ راتنج أسود، أي أن اللون الذي نراه ليس بالضرورة مجرد تسجيل طبيعي للون بشرة الملك.

وهذه نقطة مهمة جدًا.

فحتى لو كان لدى المصري القديم تصور معين للون بشرة الملك في سياقات أخرى، فإن هذا التمثال بعينه لا يمكن استخدامه كصورة فوتوغرافية للون بشرة توت عنخ آمون.

إنه عمل فني ديني له وظيفة محددة.


المصريون القدماء لم يستخدموا مفهوم «العرق» بالطريقة الحديثة

من الأخطاء الشائعة إسقاط مفهوم العرق الحديث على العالم القديم.

اليوم يمكن أن نستخدم مصطلحات مثل:

  • أفريقي جنوب الصحراء
  • شرق أوسطي
  • أوروبي
  • أسود
  • أبيض

لكن هذه التصنيفات الحديثة لا يمكن إسقاطها بصورة آلية على المصريين في عصر الدولة الحديثة.

كان المصري القديم يعيش في عالم مختلف تمامًا من حيث مفهوم الهوية.

كانت هناك هويات مرتبطة بالمملكة والمدينة والدين واللغة والجماعة السياسية والجوار الجغرافي، وكانت هناك بالطبع تصورات مصرية عن الشعوب المجاورة.

لكن هذا لا يعني أن المصري القديم كان يستخدم مفهوم «العرق» كما نشأ في التصنيفات الأوروبية الحديثة.

ولهذا فإن السؤال:

«هل كان المصريون القدماء سودًا أم بيضًا؟»

ليس أفضل سؤال يمكن طرحه تاريخيًا.

الأفضل هو:

كيف صور المصريون أنفسهم وشعوب العالم المحيط بهم؟ وما المعاني التي أعطوها للألوان في الفن؟

وهنا تصبح الصورة أكثر وضوحًا.


مصر والنوبة: علاقة عميقة لكنها لا تعني أن الشعبين كانا شعبًا واحدًا

ومن المهم كذلك عدم الوقوع في الطرف المقابل.

فرفض التفسير الأفروسنتري لا يعني إنكار العلاقة العميقة بين مصر والنوبة.

كانت هناك علاقات تجارية وسياسية وحربية وزواجية وثقافية طويلة بين المصريين والنوبة.

وفي فترات معينة حكمت أسرة ذات أصول كوشية مصر، وهي الأسرة الخامسة والعشرون.

كما عاش المصريون والنوبة جنبًا إلى جنب على امتداد قرون، وتأثر كل منهما بالآخر بدرجات مختلفة.

وتشير الدراسات الجينية القديمة إلى أن العلاقات بين مصر والنوبة كانت معقدة، وأن هناك أدلة على تزاوج وتداخل بين مجموعات مصرية ونوبية عبر التاريخ.

لكن وجود هذا التداخل لا يعني أن:

المصريون = النوبيون = سكان أفريقيا جنوب الصحراء.

كما لا يعني العكس:

المصريون = سكان الشرق الأدنى فقط.

التاريخ الحقيقي أكثر تركيبًا.


وماذا عن القول إن المصريين الحاليين «ليسوا أصحاب الأرض»؟

هذه من أكثر القضايا التي تحتاج إلى التفريق بين الفتح السياسي واستبدال السكان.

من الصحيح تاريخيًا أن الجيوش العربية دخلت مصر في القرن السابع الميلادي، وأن الفتح العربي لمصر بدأ سنة 639م وانتهى بضم البلاد إلى الدولة العربية الإسلامية في السنوات التالية.

لكن من الخطأ الانتقال من هذه الحقيقة إلى القول:

«إذن المصريون الحاليون هم عرب مهاجرون حلوا بالكامل محل المصريين القدماء».

هذا لا يتفق مع الأدلة التاريخية.

فعندما دخل العرب مصر، كانت البلاد مأهولة أصلًا بسكان مصريين محليين، وكان الأقباط يشكلون الجزء الأساسي من السكان.

وتشير دراسات تاريخ مصر في العصر الإسلامي المبكر إلى أن اللغة القبطية ظلت مستخدمة بعد الفتح العربي، وأن السكان المحليين استمروا في إدارة كثير من جوانب الحياة، بينما كان عدد العرب القادمين في البداية محدودًا مقارنة بالسكان المحليين.

بل إن التحول من القبطية إلى العربية لم يحدث بين ليلة وضحاها.

لقد كان عملية طويلة من التعريب والأسلمة امتدت على قرون.

وتوضح دراسات كامبريدج أن القبطية استمرت بعد الفتح العربي، وأن استخدام العربية اتسع تدريجيًا في الإدارة والحياة اليومية، بينما تراجعت القبطية تدريجيًا.

وهذا مهم جدًا.

فانتشار اللغة العربية لا يعني أن جميع المتحدثين بها أصبحوا فجأة منحدرين من شبه الجزيرة العربية.

اللغة يمكن أن تنتشر عن طريق الإدارة والدين والتجارة والتعليم والاندماج الاجتماعي والهجرة والزواج، وليس فقط عن طريق استبدال السكان.


هل حدثت هجرات عربية إلى مصر؟

نعم.

ولا ينبغي إنكار ذلك.

دخلت مجموعات عربية إلى مصر بعد الفتح، واستمرت الهجرات من الجزيرة العربية وغيرها خلال الفترات الإسلامية المختلفة.

كما حدث تزاوج واختلاط سكاني عبر القرون.

لكن وجود هجرات عربية لا يعني إبادة السكان السابقين أو استبدالهم بالكامل.

وهذه نقطة تؤكدها الدراسات التاريخية الخاصة بمصر في القرون الأولى بعد الفتح.

فقد استمرت مؤسسات ومجتمعات محلية، واستمرت اللغة القبطية، واستمر المجتمع المصري في الوجود، ثم حدثت عملية تدريجية من التعريب والأسلمة.

وبعبارة أخرى:

الفتح العربي غيّر السلطة واللغة والدين تدريجيًا، لكنه لم يمحُ سكان مصر السابقين من الوجود.


وماذا تقول الدراسات الجينية؟

تضيف الدراسات الجينية الحديثة طبقة أخرى مهمة إلى هذه الصورة.

ففي دراسة منشورة في Nature Communications عام 2017، قام باحثون بتحليل 90 جينومًا ميتوكوندريًا من مومياوات مصرية، إلى جانب بيانات جينومية كاملة لثلاثة أفراد، من مجتمع أبوصير الملق في مصر الوسطى، وتمتد العينات زمنيًا من الدولة الحديثة إلى العصر الروماني.

وجد الباحثون استمرارية وراثية بين العينات المصرية القديمة المختلفة التي درسوها، كما خلصوا إلى أن المصريين القدماء في العينات المدروسة كانوا أقرب وراثيًا إلى مجموعات من الشرق الأدنى وبلاد الشام مقارنة بالمصريين المعاصرين، مع وجود مكوّن إضافي من أصول أفريقية جنوب الصحراء في العينات الحديثة.

لكن يجب الانتباه إلى أمر بالغ الأهمية:

هذه الدراسة لا تعني أن المصريين المعاصرين «ليسوا مصريين».

على العكس، الدراسة نفسها تؤكد أن التاريخ السكاني لمصر معقد، وأنه حدثت عمليات اختلاط وتدفق سكاني عبر آلاف السنين، كما أن بيانات الميتوكوندريا أظهرت إمكانية عدم استبعاد الاستمرارية الوراثية بين المصريين القدماء والمصريين المعاصرين.

كما أن الباحثين أنفسهم يحذرون من إطلاق استنتاجات قاطعة اعتمادًا على عدد محدود من العينات، ويؤكدون الحاجة إلى مزيد من الدراسات التي تغطي مناطق وفترات وشرائح اجتماعية أوسع من مصر القديمة.

إذن لا يمكن استخدام علم الوراثة لإثبات شعار:

«المصريون الحاليون عرب ولا علاقة لهم بالمصريين القدماء».

كما لا يمكن استخدامه لإثبات الشعار المعاكس:

«المصريون الحاليون مطابقون وراثيًا للمصريين القدماء دون أي اختلاط».

الحقيقة العلمية تقع بين هذين التبسيطين.


مصر لم تكن جزيرة معزولة

ربما يكون هذا أهم شيء يجب فهمه عند الحديث عن أصل المصريين.

مصر كانت دائمًا منطقة عبور واتصال.

فهي تقع عند ملتقى:

أفريقيا – البحر المتوسط – بلاد الشام – البحر الأحمر.

ولهذا شهد تاريخها هجرات وحروبًا وتجارة وزواجًا واختلاطًا سكانيًا منذ عصور ما قبل التاريخ.

وقد مر بمصر الليبيون والكوشيون والآشوريون والفرس واليونانيون والرومان والعرب وغيرهم، إلى جانب السكان المحليين.

ولهذا فإن البحث عن «عرق مصري نقي» بالمعنى الحديث ليس طريقة دقيقة لفهم التاريخ المصري.

المصري القديم نفسه لم يكن يعيش في مجتمع معزول.


ولكن هل يعني ذلك أن «أفريقيا» لا علاقة لها بمصر القديمة؟

على العكس تمامًا.

مصر دولة أفريقية جغرافيًا وتاريخيًا.

والحضارة المصرية واحدة من أعظم الحضارات التي نشأت على القارة الأفريقية.

لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يستلزم القول إن المصريين القدماء كانوا مطابقين عرقيًا لجميع شعوب أفريقيا جنوب الصحراء.

فالقارة الأفريقية نفسها تحتوي على شعوب ومجتمعات ولغات وتاريخات سكانية شديدة التنوع.

السودان والنوبة وليبيا ومصر وإثيوبيا وشرق أفريقيا وغرب أفريقيا ووسط أفريقيا ليست كتلة سكانية واحدة.

ولهذا فإن استخدام كلمة «أفريقي» لإثبات هوية عرقية محددة للمصريين القدماء لا يحل المشكلة.


المصريون القدماء كانوا مصريين قبل أن تكون هناك «عروبة» بالمعنى الحديث

وهذه نقطة تاريخية بسيطة لكنها شديدة الأهمية.

توت عنخ آمون عاش في القرن الرابع عشر قبل الميلاد.

أي قبل الفتح العربي لمصر بما يزيد على 1900 عام.

وقبل ظهور الهوية العربية الإسلامية التي انتشرت في مصر بعد القرن السابع الميلادي.

لذلك من الخطأ القول إن المصريين القدماء كانوا «عربًا» بالمعنى التاريخي الحديث.

لكن من الخطأ بنفس الدرجة القول إن المصريين المعاصرين ليسوا امتدادًا لسكان مصر السابقين لمجرد أن لغتهم الحالية عربية.

الهوية الثقافية يمكن أن تتغير دون أن يختفي السكان.

وهذا ما حدث في مناطق كثيرة من العالم.

اللغة تتغير.

الدين يتغير.

أنظمة الحكم تتغير.

لكن السكان لا يختفون بالضرورة.


وماذا يخبرنا تمثال توت عنخ آمون؟

يخبرنا التمثال شيئًا أكثر أهمية من لون البشرة.

إنه يخبرنا كيف كان المصري القديم ينظر إلى الملك والموت والبعث.

توت عنخ آمون ليس هنا مجرد شاب يقف أمامنا.

إنه ملك متحول رمزيًا إلى حارس للعالم الآخر، في سياق جنائزي يرتبط بعقيدة البعث.

السواد الذي يغطي جسده يرتبط بالرمزية المصرية للخصوبة والتجدد والبعث، والذهب الذي يحيط به يستحضر الطبيعة الإلهية والخلود، بينما يشير غطاء الرأس والرموز الملكية إلى مكانته كفرعون.

ولهذا فإن التمثال لا ينبغي أن يُقرأ على أنه:

«صورة فوتوغرافية لعرق توت عنخ آمون».

بل باعتباره:

«صورة دينية رمزية لملك مصري في سياق عقيدة الموت والبعث».


الخلاصة

تمثال توت عنخ آمون الأسود والذهبي من القطع التي تكشف مدى خطورة قراءة الفن القديم بمفاهيم حديثة.

فاللون الأسود في هذا التمثال ليس دليلًا قائمًا بذاته على أن الملك كان من أفريقيا جنوب الصحراء؛ فالمتحف المصري الكبير يربطه صراحةً بالطمي الأسود وخصوبة النيل والبعث، كما أن التمثال نفسه مصنوع من الخشب ومغطى بالراتنج الأسود.

وفي الوقت نفسه، فإن كون مصر جزءًا من أفريقيا حقيقة جغرافية وتاريخية لا تحتاج إلى إثبات عن طريق تحويل لون تمثال إلى حجة عرقية.

أما القول إن المصريين الحاليين مجرد «عرب غزاة» لا صلة لهم بالمصريين القدماء، فهو أيضًا تبسيط تاريخي؛ فقد كان الفتح العربي لمصر فتحًا عسكريًا حقيقيًا في القرن السابع، لكن الأدلة التاريخية تشير إلى استمرار السكان المحليين، واستمرار اللغة القبطية، ثم حدوث التعريب والأسلمة بصورة تدريجية عبر قرون.

والدراسات الجينية الحديثة لا تدعم صورة مصر بوصفها مجتمعًا استُبدل سكانه بالكامل، بل تكشف تاريخًا طويلًا من الاستمرارية والاختلاط والهجرات والتدفقات السكانية.

لذلك فإن أفضل طريقة لفهم مصر القديمة ليست أن نسأل:

«هل كان المصريون القدماء سودًا أم بيضًا؟»

ولا:

«هل المصريون الحاليون عرب أم مصريون؟»

بل أن نسأل:

كيف تشكل سكان وادي النيل عبر آلاف السنين، وكيف تغيرت لغتهم وأديانهم وهوياتهم، وما الذي استمر من المجتمع المصري القديم حتى العصر الحديث؟

وهنا تكمن الحقيقة التاريخية الأكثر إثارة: مصر لم تكن حضارة لشعب ظهر فجأة ثم اختفى، ولم تكن أيضًا مجتمعًا معزولًا لم يتغير؛ إنها حضارة وادي النيل التي استمرت عبر آلاف السنين، وتعرضت خلال تاريخها الطويل لتغيرات سياسية ودينية ولغوية وسكانية عميقة، مع بقاء مصر نفسها مركزًا للاستمرارية والتفاعل بين أفريقيا والشرق الأدنى والبحر المتوسط.

 

 

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق