في هذا المقال
والأغرب من كده، إن فيه شخصًا بيدفع إيجارها بانتظام من خمسة عشر عامًا، رغم إن صاحبها مات قبل ما الشاب يتولد!
بعض الأبواب لا تُغلق لحماية الأسرار، بل لحماية الناس منها.
الإيجار الذي جاء من الموت
كان كريم واقفًا قدام صاحب العمارة، ماسك في إيده ظرفًا بنيًّا قديمًا، وبيحاول يخفي ارتعاشة صوابعه.
قال عم صابر، صاحب العمارة، وهو بيبص له بضيق:
— الإيجار متأخر شهرين يا كريم، وأنا مش فاتح جمعية خيرية. لو مش هتدفع آخر الأسبوع، شوف لك مكان تاني.
خفض كريم عينيه وقال بصوت هادي:
— اديني أسبوع كمان يا عم صابر، أمي تعبانة ومصاريف علاجها كتير.
قاطعه الرجل ببرود:
— كل شهر نفس الحكاية!
ثم استدار ومشي، تاركًا كريم واقفًا في مدخل العمارة، يشعر أن الدنيا أغلقت أبوابها في وجهه.
كان كريم في الخامسة والعشرين من عمره، يعمل نهارًا في محل موبايلات، وفي المساء يوصل طلبات للمطاعم. أبوه مات وهو صغير، وأمه نادية كانت كل ما يسألها عن عيلته القديمة تغيّر الموضوع، كأن السؤال نفسه جريمة.
لكن في الليلة دي، حصل شيء غريب.
رجع كريم البيت بعد منتصف الليل، فوجد أمه جالسة في الصالة، رغم إنها كانت المفروض نايمة بسبب تعبها. قدامها ظرف بني قديم، مطابق تمامًا للظرف اللي كان ماسكه من شوية.
سألها باستغراب:
— إيه ده يا أمي؟
رفعت عينيها إليه، وكان الخوف واضحًا على وشها.
— كنت مستنياك يا كريم. لازم تعرف الحقيقة قبل ما يفوت الأوان.
جلس أمامها، فمدّت إيدها ودفعت الظرف ناحيته.
— لو حصل لي حاجة، افتح الظرف ده، وروح للشقة رقم 17 في الدور الرابع.
عقد كريم حاجبيه.
— شقة رقم 17؟ دي مقفولة من سنين! والناس بتقول إن محدش سكنها أصلًا.
ابتلعت أمه ريقها، ثم قالت:
— الناس بتقول اللي اتطلب منها تقوله.
وقبل ما يقدر يسألها عن معنى كلامها، سمعوا ثلاث خبطات على الباب.
خبطات بطيئة، متباعدة، كأن اللي بره عارف إنهم سامعينه.
نظرت نادية ناحية الباب، وفجأة بدأت ترتعش.
همست:
— مستحيل... هو عرف إنك عرفت؟
اقترب كريم من الباب وسأل:
— مين؟
لم يرد أحد.
فتح الباب بحذر، فوجد أمامه رجلًا مسنًّا يرتدي معطفًا أسود، ويحمل كيسًا ورقيًّا صغيرًا.
قال الرجل:
— الأستاذ كريم؟
— أيوه، مين حضرتك؟
— أنا محاسب المرحوم فؤاد الشناوي. عندي أمانة لازم أسلمها لك.
تجمّد كريم مكانه.
فؤاد الشناوي كان اسمًا سمعه من أمه مرة واحدة فقط، يوم سألها عن سبب احتفاظها بصورة رجل غريب في صندوق خشبي. وقتها خطفت الصورة من إيده وقالت له ألا يسأل عنه مجددًا.
سأله كريم بصوت متوتر:
— هو مين فؤاد الشناوي؟
أجابه الرجل:
— والدك الحقيقي.
شعر كريم أن الأرض تميد تحته.
— إنت بتقول إيه؟ أبويا اسمه محمود، ومات وأنا عندي سبع سنين!
هز الرجل رأسه بأسى.
— محمود كان راجلًا طيبًا، وربّاك كأنك ابنه. لكنه ما كانش أبوك الحقيقي.
ثم أخرج من الكيس مفتاحًا نحاسيًّا صغيرًا وورقة مطوية.
— المرحوم طلب مني أسلّمك المفتاح ده في عيد ميلادك الخامس والعشرين. النهارده آخر يوم في المهلة اللي كتبها.
أخذ كريم الورقة وفتحها بيدين مرتعشتين.
كان مكتوبًا فيها:
«يا كريم، لو وصلت لك الرسالة دي، يبقى أنا مت، وأمك فشلت تحميك من الحقيقة. اطلع للشقة رقم 17. هتلاقي هناك إجابة السؤال اللي دمّر حياتي. لكن إياك تصدق أول شخص يقول لك إنه بيحبك.»
رفع كريم عينيه بسرعة.
— ليه الشقة دي بالذات؟
لكن الرجل كان قد بدأ يبتعد في الممر.
ناداه كريم:
— استنى! مين اللي قتل أبويا؟
توقف الرجل لحظة، من غير ما يلتفت، ثم قال:
— أبوك ما ماتش بسبب حادثة زي ما قالوا لك.
وسكت قليلًا قبل أن يضيف:
— الشخص اللي قتله، لسه عايش في العمارة دي.
ثم رحل.
اندفع كريم إلى الصالة، فوجد أمه تحاول الوصول إلى الهاتف.
صرخ فيها:
— كنتِ عارفة؟ كنتِ عارفة إن أبويا الحقيقي مات مقتول؟
بدأت دموعها تنزل.
— كنت بحاول أحميك يا ابني!
— تحميني من مين؟ من أبويا؟ ولا من القاتل اللي عايش فوق راسنا؟
لم تجبه.
وفي اللحظة دي، انطفأت أنوار الشقة كلها.
سمع كريم صوت أمه تصرخ باسمه، ثم صوت شيء ثقيل يسقط على الأرض.
أضاء هاتفه تلقائيًّا، فركض نحوها.
كانت نادية ملقاة بجوار الأريكة، تتنفس بصعوبة. أمسك بيدها وهو يصرخ طالبًا المساعدة.
فتحت عينيها بصعوبة، وهمست:
— المفتاح... ما تفتحش الشقة لوحدك…
ثم أمسكت بقميصه بقوة، وقالت آخر كلماتها قبل أن تغيب عن الوعي:
— القاتل مش ساكن فوق يا كريم... القاتل هو الشخص اللي بيصرف عليك من يوم ما اتولدت.
توقفت أنفاس كريم للحظة.
هو لم يكن يتلقى أي أموال من أحد، على حد علمه. فمن الذي كان يصرف عليه طوال حياته؟
وفجأة، وصلته رسالة من رقم مجهول:
«لو عايز تعرف مين أبوك الحقيقي، بص وراك.»
استدار ببطء.
كان باب الشقة مفتوحًا.
وفي آخر الممر، وقف عم صابر، صاحب العمارة، ممسكًا بصورة قديمة تجمعه بوالد كريم الحقيقي.
لكن الصدمة لم تكن في الصورة.
بل في التاريخ المكتوب خلفها:
«يوم دفنّا كريم الصغير... 15 أكتوبر 2001.»
نظر كريم إلى الورقة، ثم إلى عم صابر.
كيف يمكن أن يكون قد دُفن وهو طفل، بينما يقف الآن حيًّا أمامه؟
وقبل أن ينطق بكلمة، رفع عم صابر عينيه إليه وقال:
— أخيرًا عرفت إنك متّ من خمسة وعشرين سنة يا ابني.
وقبل أن يخرج الرجل المسن من العمارة، تذكّر كريم شيئًا سمعه من البواب قبل أيام. كانت هناك أظرف إيجار تصل إلى عم صابر في أول كل شهر، باسم فؤاد الشناوي، رغم أن الرجل مات منذ خمسة عشر عامًا.
أسرع كريم خلف المحاسب وسأله:
— استنى! إنت قلت إن أبويا مات، أمال مين اللي بيدفع إيجار الشقة رقم 17 كل شهر؟
تغيّرت ملامح الرجل، ونظر حوله ليتأكد أن لا أحد يسمعه.
— لأن أبوك دفع إيجارها مقدمًا لمدة عشرين سنة، وكتب شرطًا غريبًا في العقد: محدش يفتح الشقة قبل عيد ميلادك الخامس والعشرين.
— وليه أنا بالذات؟
أخرج الرجل ورقة صغيرة من جيبه، ووضعها في يد كريم.
— لأن الشقة مش مجرد مكان يا كريم. دي الدليل الوحيد على اللي حصل ليلة اختفائك.
نظر كريم إلى الورقة، فوجد جملة واحدة بخط أبيه:
«لو وصلت للشقة رقم 17، اعرف إن الشخص اللي أخفاك أول مرة، هو نفسه اللي هيحاول يمنعك من معرفة الحقيقة».
رفع كريم رأسه، لكن الرجل كان قد اختفى من الممر، تاركًا وراءه سؤالًا واحدًا: إذا كان أبوه قد مات منذ سنوات، فمن الذي كان يرسل الإيجار كل شهر؟
نهاية الجزء الأول.
يتبع في الجزء الثاني: الشقة رقم 17.
تابع جديد Mahmoud Ashraf
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق