في هذا المقال
الفصل الأول: الاسم الذي لا يجب أن يكون موجودًا
لم ينم آدم طوال الليل.
ظل جالسًا أمام مكتبه في قسم الشرطة، يحدق في صورة الدكتور نادر التي التقطها قبل مقتله. كان الرجل قد حاول إخباره بحقيقة الطفل الثاني، لكنه مات قبل أن يكشف التفاصيل.
فتح آدم دفتر والده القديم، وراح يقلب صفحاته حتى وصل إلى ورقة مطوية بعناية، لم ينتبه إليها من قبل.
كانت تحمل تاريخ اختفاء ياسين، وتحته ثلاثة أسماء:
محمود منصور.
نادر فوزي.
وحسام البدري.
بجوار اسم حسام كُتبت عبارة قصيرة:
«الطفل الذي عاد لم يكن هو الطفل الذي خرج.»
شعر آدم بقشعريرة تسري في جسده.
ماذا تعني هذه الجملة؟ هل كان هناك طفلان في المستشفى؟ وهل أخطأ أحدهم في التعرف على ياسين، أم أن ما حدث كان مخططًا له منذ البداية؟
أخرج هاتفه واتصل بحسام.
— محتاجك في القسم حالًا.
جاءه صوت زميله متوترًا:
— فيه إيه يا آدم؟
— هنتكلم عن ليلة اختفاء ياسين.
صمت حسام لثوانٍ.
— أنا مش فاكر حاجة من الليلة دي.
— غريبة. أنا لسه ما قلتلكش أنهي ليلة أقصد.
أغلق آدم الهاتف قبل أن يسمع الرد.
الفصل الثاني: سجل المستشفى
في التاسعة صباحًا، ذهب آدم إلى المستشفى الجديد، وطلب الاطلاع على السجلات القديمة الخاصة بحالات الأطفال التي استقبلها مستشفى الروابي ليلة اختفاء ياسين.
استقبله مدير الأرشيف، رجل يُدعى سامح عبدالعزيز، وبعد مراجعة طويلة، أحضر سجلًا قديمًا.
كانت الصفحة الخاصة بتلك الليلة ممزقة من المنتصف، لكن بقيت بعض البيانات واضحة.
الحالة الأولى: طفل مجهول الهوية، أُصيب في حادث قرب محطة القطار.
الحالة الثانية: طفل أُدخل بعد منتصف الليل، برفقة ضابط شرطة.
لم يكن هناك اسم للضابط، لكن رقم البلاغ المكتوب بجانب الحالة الثانية تطابق مع رقم بلاغ اختفاء ياسين.
سأل آدم مدير الأرشيف:
— مين اللي وقّع على خروج الطفلين؟
أجاب سامح:
— للأسف، صفحة الخروج مش موجودة. لكن فيه حاجة غريبة.
فتح درجًا جانبيًا وأخرج ورقة منفصلة.
— الورقة دي اتوجدت داخل غلاف السجل من سنين. محدش عرف يربطها بأي حالة.
كانت الورقة تحمل اسمًا واحدًا:
آدم محمود منصور.
وتحته تاريخ ميلاده، ثم ملاحظة مكتوبة بخط اليد:
«تم تسليم الطفل إلى ولي أمره بعد التأكد من الهوية.»
تجمد آدم.
— أنا عمري ما دخلت المستشفى ده وأنا طفل.
قال سامح بهدوء:
— أنا مش بقول إنك دخلته، يا فندم. أنا بقول إن الورقة دي موجودة في الملف.
وقبل أن يغادر آدم، أضاف الرجل:
— فيه حد سأل عن الورقة دي من أسبوع. كان معاه تصريح رسمي، وطلب يشوف السجل كاملًا.
— مين؟
تردد سامح قليلًا، ثم قال:
— النقيب حسام البدري.
الفصل الثالث: شهادة لا يصدقها أحد
خرج آدم من المستشفى واتصل بليلى.
التقيا في مقهى صغير بعيد عن وسط المدينة، ووضع أمامها صورة الورقة.
قرأت الاسم، ثم رفعت عينيها إليه.
— فيه احتمال إن والدك سجّلك باسم أخوك؟
— ليه يعمل كده؟ وإزاي أكون أنا الطفل اللي خرج من المستشفى، وأنا فاكر طفولتي في البيت؟
قالت ليلى:
— الذاكرة مش دايمًا بتحتفظ بكل حاجة، خصوصًا لو حصلت صدمة وإنت صغير. لكن ده مش معناه إننا نقدر نستنتج إنك كنت هناك فعلًا.
أومأ آدم. كان يعرف أن الدليل لا يكفي، وأن عليه العثور على سجلات أصلية وشهود يمكن التحقق من أقوالهم.
أخرجت ليلى من حقيبتها صورة أخرى.
— فيه حاجة ما قلتهاش لك. قبل ما الدكتور نادر يموت، بعتلي رسالة قصيرة. قال فيها إنه محتاج يقابلني عشان يسلّمني اسم شخص كان حاضر ليلة اختفاء ياسين.
— مين الشخص ده؟
— ما كتبش الاسم. كتب عنوان بيت قديم في أطراف المدينة، وقال إن صاحبه لسه عايش.
قادت ليلى آدم إلى العنوان. كان منزلًا صغيرًا تحيط به أشجار كثيفة، وعلى بابه لافتة باهتة تشير إلى ورشة ساعات قديمة.
فتح لهما رجل مسن يُدعى عم جابر.
عندما رأى آدم، سقطت الساعة التي كان يحملها من يده.
— إنت رجعت تاني؟
اقترب آدم بحذر.
— حضرتك تعرفني؟
لم يجب الرجل. ظل يحدق في وجهه، ثم أغلق الباب نصف إغلاق.
قالت ليلى بسرعة:
— إحنا مش جايين نأذيك. بندور على حقيقة اللي حصل لياسين.
عند سماع الاسم، فتح عم جابر الباب بالكامل، وأدخلهما إلى غرفة مليئة بالساعات المتوقفة.
جلس الرجل، ثم قال:
— أبوك جه هنا قبل موته بأسبوع. كان عايز يصلح ساعة قديمة، لكنه سابها ومشي بعد ما قال جملة عمري ما نسيتها.
سأله آدم:
— قال إيه؟
نظر عم جابر إلى الساعة المعلقة خلفه.
— قال: «لو ابني عرف مين فيهم اللي رجع البيت الليلة دي، مش هيقدر يعيش يوم واحد بنفس الاسم.»
شعر آدم أن الهواء أصبح أثقل.
— مين فيهم يا عم جابر؟
نهض الرجل ببطء، وفتح صندوقًا خشبيًا تحت المنضدة. أخرج منه صورة قديمة لطفلين متشابهين في الملامح، يقفان أمام محطة القطار.
كان أحدهما ياسين.
أما الطفل الآخر، فكان يشبه آدم إلى حد مخيف.
قلب عم جابر الصورة، فظهرت كتابة على ظهرها:
«ياسين وآدم — قبل الليلة الأخيرة.»
لكن عم جابر أشار إلى الطفل الموجود على اليمين وقال:
— ده ياسين.
ثم أشار إلى الطفل الآخر.
— وده مش آدم.
الفصل الرابع: المكالمة الأخيرة
لم يستطع آدم إخفاء صدمته.
— أمال مين الطفل ده؟
أجاب عم جابر:
— معرفش اسمه الحقيقي. كل اللي أعرفه إن أبوك طلب مني أخفي الصورة، وقال إن ظهورها هيعرّض طفلًا بريئًا للخطر.
سألته ليلى:
— وليه احتفظت بيها كل السنين دي؟
خفض الرجل عينيه.
— عشان وعدت أبوك إني ما أسلمهاش لحد إلا لو جه ابنه بنفسه.
وقبل أن يتمكن آدم من طرح سؤال آخر، رن هاتفه.
كان الاتصال من قسم الشرطة.
أجابه، فجاءه صوت أحد الضباط:
— يا فندم، لازم ترجع فورًا. لقينا حاجة في مكتب النقيب حسام.
— إيه هي؟
— ملف قديم خاص بقضية ياسين. والأخطر إن فيه صورة حديثة ليك، متصورة من قدام بيت عم جابر.
انقطع الاتصال.
نظر آدم إلى ليلى، ثم إلى الرجل المسن.
كان هناك شخص يعرف أنه سيأتي إلى هذا المنزل، ويراقبه منذ وصوله إلى المدينة.
وإذا كان حسام يملك ملف القضية، فهل كان يساعد آدم فعلًا، أم يقوده إلى الحقيقة التي يريدها شخص آخر؟
خرج آدم مسرعًا، لكنه قبل أن يصل إلى سيارته، سمع عم جابر يناديه من خلف الباب:
— يا آدم!
التفت إليه.
كان الرجل يمسك بساعة قديمة، فتح غطاءها الخلفي وأخرج ورقة صغيرة مطوية.
— أبوك قال لي أديك دي لو سألت عن الطفل التاني.
فتح آدم الورقة.
كانت تحتوي على اسم واحد، مكتوب بحبر أزرق:
«يوسف البدري».
وتحته جملة جعلت الدم يتجمد في عروقه:
«اسأل حسام ليه أخوه مات مرتين... وليه محدش دفنه في المرتين.»
رفع آدم رأسه، لكن عم جابر كان قد أغلق الباب.
وفي اللحظة نفسها، وصلت رسالة إلى هاتفه من رقم مجهول:
«مبروك يا نقيب. أخيرًا وصلت لأول اسم صحيح. لكن لو سألت عن يوسف، هتكتشف إن القاتل مش الشخص اللي بتدور عليه... بل الشخص اللي بيحميك.»
تابع جديد Mahmoud Ashraf
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق