في هذا المقال

البيت الذي أخفى السر
ظل كريم واقفًا أمام بطاقة الهوية القديمة، غير قادر على تصديق ما يراه.
الاسم: آدم فؤاد الشناوي.
الحالة: متوفى منذ خمسة وعشرين عامًا.
رفع عينيه نحو الطفل الواقف بجواره.
— إنت قلت إن اسمك كريم الشناوي؟
هز الطفل رأسه.
— أيوه.
— ومين قال لك إن ده اسمك؟
— أمي.
— فين أمك؟
صمت الطفل للحظات، ثم قال:
— ماتت من خمس سنين.
شعر كريم بوخزة في صدره.
— طب مين كان بيعتني بيك؟
نظر الطفل ناحية بوابة المدرسة.
— عيلة بتعيش في العمارة اللي إنت ساكن فيها.
تجمد كريم.
— مين؟
لكن قبل أن يجيبه الطفل، سمعا صوت سيارة تتوقف أمام المدرسة.
ظهر رجل في منتصف الأربعينيات، يحمل هاتفًا في يده، ويتلفت حوله بتوتر.
بمجرد أن رآه الطفل، أمسك بيد كريم.
— ده هو.
— مين؟
— الراجل اللي كان بيجيب لي الأكل والفلوس.
اقترب الرجل منهما، وما إن رأى كريم حتى توقف.
كانت الصدمة واضحة على وجهه.
قال بصوت منخفض:
— إنت المفروض ما تعرفش إن الولد موجود.
تقدم كريم نحوه.
— وإنت المفروض ما تكونش عارفه أصلًا.
لم يرد الرجل.
أخرج كريم الصورة التي وجدها في المدرسة.
— الصورة دي جبتها منين؟
نظر الرجل إليها، ثم قال:
— من نادية.
شعر كريم بالارتباك.
— أمي؟
— أيوه.
— إمتى؟
ابتسم الرجل بسخرية.
— قبل خمسة عشر سنة.
— يعني إيه؟
اقترب الرجل منه وهمس:
— أمك كانت عارفة إنك هتدور على الطفل يومًا ما.
ثم استدار محاولًا الرحيل.
أمسكه كريم من ذراعه.
— استنى! الطفل ده مين؟
التفت الرجل إليه وقال:
— اسأله هو.
ثم نظر إلى الطفل وأضاف:
— قول له الحقيقة.
ارتجف الطفل.
— الحقيقة إن أنا مش آدم.
ثم نظر إلى كريم مباشرة.
— أنا اسمي محمود.
اتسعت عينا كريم.
محمود.
اسم الرجل الذي رباه طوال طفولته، والذي كان يظنه والده الحقيقي.
— إيه علاقة اسم محمود بيك؟
قال الطفل:
— أمي قالت لي إن الراجل اللي رباني اسمه محمود، وإنه أخدني من المستشفى وأنا صغير.
شعر كريم بدوار.
كل شيء بدأ يعود إلى نقطة واحدة: المستشفى.
الليلة التي وُلد فيها.
الأطفال الثلاثة.
الدكتور سامح.
فؤاد.
نادية.
ومحمود.
فجأة، أدرك كريم شيئًا.
— استنى... إنت قلت إن أمك ماتت من خمس سنين. طب مين كان بيقول لك إنك لازم تفضل مستخبي؟
أشار الطفل إلى الرجل الذي كان يقف بجوارهم.
لكن الرجل لم يكن هناك.
اختفى دون أن يشعر به أحد.
في تلك اللحظة، رن هاتف كريم.
رقم مجهول.
رد بسرعة:
— ألو؟
جاءه صوت أمه.
— كريم... ما تثقش في الطفل.
تجمد مكانه.
— أمي؟ إنتِ فين؟
— أنا في الشقة رقم 17.
— إزاي؟ إنتِ قلتي إنك في خطر!
— أنا في خطر فعلًا، لكن الخطر مش من الشخص اللي فاكره.
صمت كريم.
— قولي الحقيقة يا أمي. مين الطفل ده؟
سمع نادية تبكي.
— الطفل ده هو السبب في كل اللي حصل.
— يعني ابني؟
— لأ.
— أخويا؟
صمتت.
ثم قالت:
— ده ابن محمود.
شعر كريم أن الكلمات فقدت معناها.
— محمود؟ أبويا اللي رباني؟
— أيوه.
— بس إزاي؟
— لأن محمود ما كانش مجرد راجل أخدك ورباك. هو كان جزءًا من الخطة من البداية.
توقف كريم عن التنفس تقريبًا.
— أي خطة؟
لكن الخط انقطع.
حاول الاتصال مرة أخرى، فلم يرد أحد.
نظر إلى الطفل.
— إنت عارف الشقة رقم 17؟
أومأ.
— أيوه.
— خدتني ليها قبل كده؟
— لأ.
— طب مين قال لك إن نادية موجودة هناك؟
قال الطفل:
— الراجل اللي كان بيزورني.
— مين هو؟
رفع الطفل عينيه نحو كريم وقال:
— فؤاد.
تجمد كريم.
— فؤاد الشناوي؟
— أيوه.
— بس فؤاد مات!
هز الطفل رأسه.
— هو قال لي إنه مات عشان يقدر يعيش.
عاد كريم إلى العمارة بأقصى سرعة، والطفل معه.
عندما دخلا، كان المكان هادئًا بشكل غريب.
لا يوجد عم صابر عند المدخل.
لا صوت للجيران.
حتى المصعد كان مفتوحًا، وكأنه ينتظرهم.
صعد كريم إلى الدور الرابع.
وقف أمام الشقة رقم 17.
أخرج المفتاح النحاسي.
لكن الباب كان مفتوحًا.
دفعه ببطء.
وجد أمه جالسة على الكرسي في منتصف الغرفة.
كانت حية.
لكن يديها كانتا مربوطتين.
اندفع كريم نحوها.
— أمي!
قالت بصوت ضعيف:
— متقربش!
توقف.
في الجهة الأخرى من الغرفة، خرج رجل من الظلام.
كان أكبر سنًا، شعره أبيض، ووجهه يحمل آثار السنوات.
نظر كريم إليه، وشعر أن قلبه توقف.
الرجل قال:
— اتأخرت يا ابني.
لم يستطع كريم الكلام.
كانت هناك صورة قديمة في ذهنه لرجل شاب يحمل طفلًا صغيرًا.
الصورة نفسها التي رآها منذ بداية الحكاية.
فؤاد.
والده الحقيقي.
الرجل اقترب خطوة.
— كنت عارف إنك هتوصل هنا في يوم.
صرخ كريم:
— إنت فؤاد؟
ابتسم الرجل.
— الاسم ده مات من خمسة وعشرين سنة.
— إنت عايش؟
— عايش... لكن مش بالشخصية اللي تعرفها.
نظر كريم إلى أمه.
— إنتِ كنتِ عارفة؟
بدأت نادية تبكي.
— كنت خايفة عليك.
قال فؤاد:
— نادية ما كانتش تقدر تقول لك الحقيقة. لأن الشخص اللي كان بيحميك كان هو نفسه الشخص اللي بيهدد حياتك.
فجأة، سمعوا صوت خطوات في السلم.
اقتربت الخطوات من الباب.
ثم ظهر عم صابر.
لكن هذه المرة كان يحمل مسدسًا.
قال بصوت هادئ:
— انتهت اللعبة يا فؤاد.
وقف كريم أمام أمه.
— إنت مين بقى؟
ابتسم الرجل.
— السؤال ده كان لازم تسأله من أول يوم.
ثم رفع سلاحه ناحية فؤاد.
— لأن عم صابر الحقيقي مات قبل خمسة عشر سنة.
نظر كريم إلى الرجل الذي عاش بجواره طوال حياته.
ثم إلى فؤاد.
ثم إلى أمه.
وفي تلك اللحظة، قال فؤاد جملة جعلت كريم يشعر أن كل ما عرفه عن حياته كان كذبة:
— كريم... الراجل اللي قدامك مش عم صابر، ومش القاتل اللي قتلني... ده أخوك الحقيقي.
انطلقت رصاصة.
وسقط أحدهم على الأرض.
لكن كريم لم يعرف من أصابته الرصاصة.
نهاية الجزء الخامس.
يتبع في الجزء السادس: الرصاصة التي كشفت الحقيقة.
تابع جديد Mahmoud Ashraf
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق