في هذا المقال

الفصل الأول: الاسم الذي غيّر كل شيء
ظل آدم يقرأ الاسم المكتوب على الورقة التي أعطاها له عم جابر.
يوسف البدري.
أخ حسام الذي مات مرتين.
كيف يمكن لشخص أن يُدفن مرتين؟ وهل كانت هناك جريمتان، أم أن أحدهم زوّر الأوراق ليخفي حقيقة واحدة؟
عاد آدم إلى قسم الشرطة، ووضع الورقة داخل ملف التحقيق. لم يكن يريد اتهام حسام قبل أن يمتلك دليلًا واضحًا، لكن اكتشاف أن زميله دخل الأرشيف قبل اختفاء الصفحة جعله يشك في كل كلمة قالها له.
عندما وصل إلى المكتب، وجد حسام جالسًا أمام الحاسوب، يتحدث في الهاتف بصوت منخفض. أنهى المكالمة فور رؤيته.
قال آدم بهدوء:
— تعرف يوسف البدري؟
تغيّر وجه حسام في لحظة.
— إنت جبت الاسم ده منين؟
— يعني تعرفه؟
نهض حسام وأغلق باب المكتب.
— يوسف كان أخويا الصغير. مات من سنين، ومش عايز أتكلم عنه.
— مات إمتى؟
— سنة 2009.
أخرج آدم صورة شهادة الوفاة التي حصل عليها من الأرشيف.
— طيب، تفسر إزاي إن فيه شهادة تانية باسمه سنة 2016؟
ظل حسام ينظر إلى الورقة، ثم جلس ببطء.
— مين اللي ادّاك دي؟
— ده مش موضوعنا. موضوعنا إن اسم أخوك مرتبط بقضية ياسين منصور، وإنك كنت بتدور على ملفها من أسبوع.
رفع حسام عينيه، وكان فيهما خوف لم يره آدم من قبل.
— اسمعني كويس. لو عايز تحافظ على نفسك، ابعد عن اسم يوسف.
— أنا مش هبعد عن قضية فيها ناس اتقتلت عشان تخفي الحقيقة.
رد حسام بصوت خافت:
— يبقى جهز نفسك تعرف إن أبوك ماكانش الضابط اللي إنت فاكره.
الفصل الثاني: المقبرة الخالية
في المساء، ذهب آدم إلى المقابر القديمة في أطراف الروابي. كان عنوان الدفن الأول مكتوبًا على شهادة وفاة يوسف، بينما أشارت الوثيقة الثانية إلى مقبرة مختلفة تمامًا.
اصطحب معه ليلى، التي أصرت على مساعدته بعد أن أخبرها بما اكتشفه.
وصل الاثنان إلى المقبرة الأولى، ووجدا الحارس العجوز جالسًا داخل غرفة صغيرة بجوار البوابة.
عرض آدم عليه صورة شهادة الوفاة.
— تعرف القبر ده فين؟
فحص الحارس الورقة، ثم أشار إلى صف بعيد من القبور.
— لو الاسم صحيح، يبقى في الناحية دي.
بحثا طويلًا حتى وجدا شاهدًا حجريًا يحمل اسم يوسف البدري وتاريخ وفاة عام 2009.
لكن آدم لاحظ شيئًا غريبًا: التراب المحيط بالقبر بدا أحدث من القبور المجاورة، ولم تكن هناك آثار واضحة لاسم العائلة على الشاهد.
طلب من الحارس سجل الدفن، وبعد مراجعة الصفحات القديمة، ظهرت المفاجأة.
يوسف دُفن بالفعل في ذلك المكان، لكن رقم تصريح الدفن كان مطابقًا لتصريح آخر باسم شخص مجهول، في اليوم نفسه.
قالت ليلى:
— يعني ممكن يكون فيه تلاعب في الأوراق؟
أجاب آدم:
— ممكن، لكن لسه ما نقدرش نجزم. لازم نعرف مين وقّع التصريح.
قلب صفحات السجل حتى وجد التوقيع.
محمود منصور.
والده.
شعر آدم أن الأرض تميد تحته.
لم يكن اسم أبيه يظهر في القضية مصادفة. لقد وقّع على وثيقة دفن يوسف، الطفل الذي أخفى حسام قصته، في السنة نفسها التي بدأ فيها التحقيق حول اختفاء ياسين.
وقبل أن يغلق السجل، لاحظ ملاحظة صغيرة في الهامش:
«تم نقل الجثمان بناءً على طلب رسمي.»
لكن خانة الجهة التي استلمت الجثمان كانت فارغة.
الفصل الثالث: الرجل الذي يعرف الحقيقة
في طريق العودة، تلقت ليلى اتصالًا من رقم مجهول.
استمعت لثوانٍ، ثم شحب وجهها.
— آدم، لازم نرجع القسم.
— حصل إيه؟
— فيه حد بعت تسجيلًا لحسام. بيقول إنه مستعد يعترف بكل حاجة الليلة.
عادا مسرعين، لكن حسام لم يكن في مكتبه. كان هاتفه مغلقًا، وسيارته غير موجودة.
على مكتبه وجد آدم ظرفًا أبيض مكتوبًا عليه اسمه.
فتحه، فوجد صورة قديمة لرجل يقف أمام مستشفى الروابي، وإلى جواره طفل يحمل حقيبة مدرسية.
على ظهر الصورة كُتب:
«يوسف لم يمت في 2009.»
وتحتها عنوان منزل في شارع جانبي بالمدينة.
تحرك آدم إلى العنوان برفقة ليلى. كان المنزل مهجورًا، لكن ضوءًا خافتًا ظهر خلف نافذة في الطابق الأرضي.
طرق الباب.
لم يجبه أحد.
دفعه بحذر، فانفتح.
في الداخل، وجد كرسيًا مقلوبًا وكوب ماء لم يجف بعد. وعلى الطاولة جهاز تسجيل صغير يعمل.
ضغط زر التشغيل.
جاء صوت حسام، متقطعًا كأنه يتحدث تحت ضغط شديد:
«أنا ما قتلتش أخويا. أنا بس ساعدت في إخفاء هويته، لأن أبوك قال إن ده السبيل الوحيد لحمايته. لكن لما اكتشفت الحقيقة، كان الأوان فات.»
توقف التسجيل لحظات، ثم عاد الصوت:
«يوسف كان عارف مين أخد ياسين من المستشفى. وعشان كده، الشخص اللي أمر بإخفائه قرر يتخلص منه. لكن الجثة اللي دفناها ما كانتش جثته.»
نظر آدم إلى ليلى بذهول.
إذا لم يكن الجثمان المدفون هو يوسف، فمن كان؟
ومن الذي مات بالفعل في عام 2009؟
وقبل أن يجد إجابة، سمع صوت باب يُغلق خلفه.
استدار بسرعة.
كان حسام واقفًا عند المدخل، وجهه شاحب وملابسه ملطخة بالطين.
قال آدم:
— فين يوسف يا حسام؟
لم يرد حسام مباشرة. نظر إلى جهاز التسجيل، ثم أغلقه.
— يوسف عايش.
تراجعت ليلى خطوة.
أما آدم فشعر أن كل الأدلة التي جمعها خلال الأيام الماضية تتهاوى أمام حقيقة جديدة.
— عايش فين؟
اقترب حسام منه وهمس:
— في مكان محدش هيفكر يدور فيه.
— فين؟
أخرج حسام ورقة صغيرة من جيبه، ووضعها في يد آدم.
كانت تحمل اسم مستشفى، ورقم غرفة، وتاريخ دخول يعود إلى سبعة عشر عامًا.
لكن ما جعل آدم يفقد القدرة على الكلام لم يكن اسم المستشفى.
بل الاسم المسجل للمريض:
آدم محمود منصور.
رفع رأسه ببطء.
— إيه معنى ده؟
أجاب حسام وعيناه تملؤهما الدموع:
— لأن الطفل اللي خرج من المستشفى ليلة اختفاء ياسين... ما كانش إنت.
وفي اللحظة نفسها، انطفأت أنوار المنزل.
سمع آدم حركة سريعة في الظلام، ثم صوت ليلى تصرخ.
وعندما عادت الإضاءة بعد ثوانٍ، كانت الورقة قد اختفت من يده.
واختفى حسام معها.
على الطاولة بقي هاتفه، وشاشته مضاءة برسالة جديدة:
«لو عايز تعرف مين أنت فعلًا، روح للمكان اللي بدأت فيه كل حاجة. المرة دي، ما تثقش في أي حد.»
وتحت الرسالة عنوان لم يره آدم منذ طفولته.
بيت عائلته القديم.
تابع جديد Mahmoud Ashraf
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق