في هذا المقال
الفصل الأول: مكالمة منتصف الليل
في تمام الثانية وثلاث عشرة دقيقة بعد منتصف الليل، رنّ هاتف النقيب آدم منصور.
كان يجلس وحده في شقته الجديدة، يحاول ترتيب الأوراق التي تركها والده قبل وفاته بشهرين. رفع الهاتف بملل، لكن الرقم الظاهر على الشاشة لم يكن مسجلًا لديه.
— أيوه، مين معايا؟
لم يأته رد في البداية، فقط أنفاس متقطعة، كأن المتصل يجري منذ وقت طويل.
ثم جاءه صوت رجل خافت:
— لو عايز تعرف أبوك مات وهو شايل سر إيه، روح مكتبُه القديم في القسم.
اعتدل آدم في جلسته.
— إنت مين؟ وإزاي تعرف أبويا؟
ضحك الرجل ضحكة قصيرة خالية من الفرح.
— افتح الدرج رقم سبعتاشر... بس خلي بالك، اللي فتحه قبلك مات.
انقطع الاتصال.
ظل آدم ينظر إلى الهاتف عدة ثوانٍ. كان والده، محمود منصور، ضابطًا محترمًا قضى أكثر من ثلاثين عامًا في الخدمة. لم يكن آدم يعرف عنه سوى أنه كان قليل الكلام، شديد الالتزام، وأنه ترك وراءه أوراقًا كثيرة لم يسمح لأحد بقراءتها.
ارتدى ملابسه، وأخذ مفاتيحه، وانطلق إلى قسم الشرطة.
الفصل الثاني: الدرج المغلق
كان القسم شبه خالٍ عندما وصل. استقبله زميله حسام البدري باستغراب.
— إنت جاي في الوقت ده ليه؟
— نسيت ورق مهم في مكتب أبويا القديم.
تغير وجه حسام للحظة، ثم ابتسم ابتسامة باهتة.
— المكتب ده مقفول من يوم ما مات. محدش دخله.
— عارف.
فتح آدم الباب بالمفتاح القديم الذي احتفظ به والده. استقبله هواء راكد ورائحة الورق المتعفن. كانت الملفات مرتبة بعناية، باستثناء مكتب خشبي في الزاوية، تعلوه طبقة من الغبار.
وجد سبعة عشر درجًا صغيرًا في خزانة جانبية.
كانت الأدراج الستة عشر الأولى فارغة.
أما الدرج الأخير، فكان مقفلًا بقفل صغير.
استخدم آدم مفتاحًا معدنيًا وجده داخل ساعة والده القديمة، فانفتح القفل بسهولة مخيفة.
في الداخل، وجد ملفًا أسود وصورة قديمة لخمسة أشخاص يقفون أمام مبنى المدرسة الإعدادية بالمدينة. تعرّف إلى والده، وإلى رجل الأعمال فؤاد السيوفي، وإلى ضابط متقاعد آخر.
أما الشخصان الباقيان فلم يعرفهما.
على ظهر الصورة كتب والده بخط يده:
«قضية الطفل ياسين — أُغلقت بأمر من جهة عليا. لا تثق في التقرير النهائي.»
شعر آدم ببرودة تسري في جسده.
كان يتذكر اسم ياسين. طفل اختفى من الروابي قبل سبعة عشر عامًا، وانتهت القضية بعد العثور على ملابسه قرب الترعة. لم يُعثر على جثته قط.
وقبل أن يفتح الملف، سمع صوت حسام خلفه:
— آدم... سيب الملف مكانه.
استدار آدم ببطء.
— إنت تعرف القضية دي؟
لم يجب حسام، لكنه نظر إلى الصورة وكأنه رأى شبحًا.
ثم قال بصوت مرتجف:
— اقفل الدرج، وانسى إنك شفته. فيه ناس ماتت بسبب الملف ده.
الفصل الثالث: الجثة
في السابعة صباحًا، دوّى صوت هاتف آدم من جديد.
كان حسام على الطرف الآخر، لكن صوته هذه المرة بدا مختلفًا تمامًا.
— تعالى بسرعة. عندنا جثة في المخزن القديم جنب محطة القطر.
وصل آدم إلى المكان ليجد رجال الشرطة يحيطون بمبنى مهجور. في الداخل، جلس رجل في الخمسينيات على كرسي خشبي، ورأسه مائل إلى الجانب. لم تكن هناك آثار واضحة لمعركة، وعلى الطاولة أمامه كوب شاي بارد وصورة قديمة ممزقة.
اقترب آدم من الجثة، ثم توقف.
كان الرجل هو أحد الأشخاص الموجودين في صورة الملف.
فؤاد السيوفي.
لكن ما جعله يتراجع خطوة لم يكن وجه القتيل.
بل الورقة الموضوعة في جيب سترته.
أخرجها بحذر، فوجد عليها رقمًا واحدًا مكتوبًا بالحبر الأسود:
17
وتحت الرقم، جملة قصيرة:
«الأول سكت... والباقي لسه بيتكلموا.»
رفع آدم عينيه نحو حسام.
— مين عرف إننا فتحنا الملف؟
لم يرد حسام.
في تلك اللحظة، وصلت ليلى عادل، الصحفية المحلية التي يعرفها آدم منذ أيام المدرسة. اقتربت منه وهي تحمل ظرفًا بنيًا.
— لازم تشوف ده قبل ما تسلّم أي حاجة للنيابة.
— إنتِ إيه اللي جابك هنا؟
وضعت الظرف في يده وقالت:
— وصلني من شخص مجهول من ساعة. جواه دليل إن فؤاد السيوفي ماكانش أول واحد يموت في القضية دي.
فتح آدم الظرف.
كانت بداخله شهادة وفاة قديمة، تعود إلى سبعة عشر عامًا، باسم طفل يدعى ياسين محمود منصور.
تجمّد آدم في مكانه.
محمود منصور... اسم والده.
وقبل أن ينطق بكلمة، اقتربت ليلى وهمست:
— آدم، فيه حاجة لازم تعرفها. ياسين ماكانش مجرد طفل مختفي.
ثم نظرت إلى الجثة، وعادت بعينيها إليه.
— ياسين كان أخوك.
تابع جديد Mahmoud Ashraf
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ


النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق