في هذا المقال
الدقيقة التي مُحيت
الجزء الأول والثاني
الجزء الأول: الدقيقة التي لم يعشها أحد
في الليلة التي اختفى فيها اسم الرجل من ذاكرة الجميع، كانت العنود بنت راشد تقف أمام المرآة، تحاول أن تتذكر وجهًا لم تره من قبل.
لم يكن في الغرفة أحد غيرها.
الباب مغلق، والنافذة موصدة، والستائر تتحرك حركة خفيفة رغم أن الهواء ساكن. وعلى طرف المكتب الخشبي، استقر فنجان قهوتها الذي برد منذ أكثر من ساعة، إلى جواره دفتر مفتوح على صفحة بيضاء.
ومع ذلك، كانت العنود متأكدة أن شخصًا ما وقف خلفها منذ لحظات.
لم تره.
لم تسمع صوته.
لكنها شعرت بوجوده، بذلك الإحساس الثقيل الذي يجعل الإنسان يلتفت قبل أن يفكر في السبب.
التفتت.
لا شيء.
ابتسمت لنفسها ابتسامة صغيرة، من النوع الذي يستخدمه المرء ليقنع نفسه بأنه لا يخاف، ثم عادت إلى المرآة.
كانت الساعة المعلقة فوق الباب تشير إلى الحادية عشرة وتسع وخمسين دقيقة.
دقيقة واحدة فقط تفصلها عن منتصف الليل.
لم تكن العنود تؤمن بالخرافات، ولم تكن من أولئك الذين يرون في كل مصادفة علامة على شيء غامض. كانت تحب الأشياء المرتبة، والأجوبة الواضحة، والأسباب التي يمكن فهمها حتى لو احتاج فهمها إلى وقت طويل.
لكنها، في تلك الليلة تحديدًا، كانت تشعر أن شيئًا ما ينتظر أن يحدث.
شيئًا يعرف موعده جيدًا.
أما هي، فلم تكن تعرف حتى ما الذي ينبغي أن تخشاه.
مدت يدها إلى الدفتر وأغلقت صفحته، ثم نهضت لتطفئ المصباح.
وعندها سمعت صوتًا.
دقّة واحدة.
صوت ساعة قديمة، عميق وممتد، جاء من مكان لا تستطيع تحديده.
رفعت رأسها نحو الساعة المعلقة فوق الباب.
كانت عقاربها ثابتة.
الحادية عشرة وتسع وخمسون دقيقة.
لم تتحرك.
انتظرت العنود بضع ثوانٍ، ثم قالت بصوت خافت:
«غريبة…»
اقتربت من الساعة، ورفعت يدها لتتحسس إطارها الخشبي. لم تكن ساعة أثرية، ولا قطعة ثمينة ورثتها عائلتها عن أجدادها. اشترتها أمها منذ سنوات من متجر صغير، وكانت تعمل بصورة طبيعية، ولم تتوقف من قبل إلا عندما نفدت بطاريتها.
لكنها لم تكن قد توقفت هذه المرة.
كانت البطارية جديدة.
والساعة، رغم سكون عقاربها، أصدرت دقّة أخرى.
هذه المرة، لم تأتِ الدقّة من الساعة.
بل من داخل الجدار.
تراجعت العنود خطوة.
وضعت كفها على الجدار، فشعرت ببرودة شديدة، كأنها تلمس حجرًا ظل مدفونًا في الأرض طوال الشتاء.
ثم حدث شيء لم تجد له تفسيرًا.
انطفأ المصباح.
لم تصرخ.
لم تتحرك.
ظلت واقفة في الظلام، تستمع إلى دقات قلبها، حتى سمعت صوتًا ثالثًا.
دقّة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
كانت الدقات تتوالى ببطء، لكنها لم تأتِ من الجدار وحده.
جاءت من الغرفة كلها.
من المكتب.
من المرآة.
من النافذة.
حتى من داخل صدرها، أو هكذا خُيّل إليها.
أغمضت عينيها، وبدأت تعدّ دون أن تدري لماذا.
واحد.
اثنان.
ثلاثة.
أربعة.
خمسة.
ستة.
سبعة.
ثمانية.
تسعة.
عشرة.
أحد عشر.
اثنا عشر.
ثم ساد الصمت.
فتحت عينيها.
عاد المصباح مضاءً.
كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة تمامًا.
ولم يكن هناك ما يثبت أن شيئًا قد حدث.
إلا الدفتر.
كان مفتوحًا على المكتب مرة أخرى.
اقتربت منه بحذر، ونظرت إلى الصفحة البيضاء التي أغلقته عليها قبل دقائق.
لم تعد بيضاء.
كانت هناك جملة مكتوبة في منتصفها، بخط يشبه خطها إلى درجة مخيفة.
«لا تفتحي الباب إذا سمعتِه يناديكِ باسمك.»
حدقت العنود في الكلمات.
لم تتذكر أنها كتبتها.
ولم يكن في الغرفة أحد يستطيع كتابتها بدلًا منها.
رفعت رأسها ببطء نحو الباب.
في اللحظة نفسها، سمعت طرقًا خفيفًا يأتي من الخارج.
ثلاث طرقات.
توقفت أنفاسها.
ثم جاء صوت رجل، هادئ وواضح، ينادي:
«العنود.»
لم يكن صوت أبيها راشد.
ولم يكن صوت أحد تعرفه.
لكن الطريقة التي نطق بها اسمها جعلتها تشعر بأنه يعرفها منذ زمن طويل.
أعادت النظر إلى الدفتر.
لا تفتحي الباب إذا سمعتِه يناديكِ باسمك.
جاءت الطرقات مرة أخرى.
«العنود، افتحي الباب.»
هذه المرة كان الصوت أقرب.
اقتربت من الباب رغم تحذير الكلمات. لم تكن تعرف لماذا تفعل ذلك. ربما لأنها أرادت أن تثبت لنفسها أن الخوف مجرد وهم، وربما لأنها كانت تعرف، في مكان عميق داخلها، أن ما ينتظرها خلف هذا الباب لن يختفي إن تجاهلته.
وضعت يدها على المقبض.
وقبل أن تديره، سمعت صوتًا آخر.
صوت والدها من آخر الممر:
«العنود؟ إنتِ صاحية يا بنتي؟»
تجمدت يدها.
كان أبوها في الطابق الأرضي قبل قليل. سمعت صوته وهو يتحدث في الهاتف، ثم صوت خطواته وهو يتجه إلى مكتبه.
كيف وصل إلى الممر بهذه السرعة؟
سحبت يدها عن المقبض، وفتحت الباب مقدار شبر واحد.
كان الممر خاليًا.
لا رجل يقف أمامها.
ولا والدها في آخره.
فقط ضوء أصفر خافت، وصورة عائلية معلقة على الجدار المقابل.
اقتربت من الصورة.
كانت قد شاهدتها مئات المرات؛ صورة قديمة لوالدها راشد، وأمها، والعنود وهي طفلة صغيرة تقف بينهما.
لكن هذه المرة كان هناك شيء مختلف.
لم تكن الصورة تضم ثلاثة أشخاص.
بل أربعة.
وقف رجل في أقصى اليسار، خلف والدها بقليل. لم يكن واضح الملامح، كأن الضوء وقع على الصورة بطريقة أخفت وجهه.
ومع ذلك، استطاعت العنود أن تلاحظ شيئًا واحدًا.
كان الرجل يرتدي ساعة سوداء في معصمه الأيسر.
رفعت العنود يدها إلى فمها.
لأن الساعة نفسها كانت معلقة الآن على مقبض باب غرفتها.
لم تكن قد رأتها قبل ذلك.
مدت يدها نحوها، وما إن لمستها حتى اهتز الهاتف الموجود في جيبها.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
لم يكن فيها سوى سطر واحد:
«لو لسه فاكرة الدقيقة دي، يبقى هم فشلوا.»
قرأت الرسالة مرة.
ثم ثانية.
ثم شعرت ببرودة تسري في أطرافها.
لأن الوقت المسجل أعلى شاشة الهاتف لم يكن الثانية عشرة ودقيقة واحدة، كما توقعت.
كان الحادية عشرة وتسع وخمسين دقيقة.
فتحت تطبيق الساعة.
ثم نظرت إلى الساعة المعلقة فوق الباب.
ثم إلى هاتفها مرة أخرى.
كل الساعات في الغرفة كانت تشير إلى الوقت نفسه.
الحادية عشرة وتسع وخمسون دقيقة.
لكنها كانت قد سمعت منتصف الليل.
كانت قد قرأت الرسالة.
وكانت قد رأت الرجل في الصورة.
وكانت قد وقفت أمام الباب.
فأين ذهبت الدقيقة التي عاشتها؟
لم تستطع الإجابة.
لكنها أدركت أن هناك سؤالًا آخر أكثر رعبًا.
إذا كانت الدقيقة قد مُحيت من الزمن…
فكيف تذكرتها هي؟
— نهاية الفصل الأول —
الدقيقة التي مُحيت
الجزء الأول: الدقيقة التي لم يعشها أحد
الفصل الثاني: الرجل الذي لم يظهر في الصورة
ظلت العنود تحدق في الصورة، وكأنها تنتظر أن يتحرك الرجل الواقف خلف أبيها، أو أن يرفع وجهه أخيرًا ليكشف لها عن هويته.
لكن الصورة بقيت ساكنة.
الرجل بلا ملامح، والساعة السوداء في معصمه واضحة على نحوٍ غريب، كأن الكاميرا تعمدت إخفاء وجهه وإظهار الساعة وحدها.
عادت تنظر إلى الرسالة على هاتفها:
«لو لسه فاكرة الدقيقة دي، يبقى هم فشلوا.»
كلمة واحدة لم تستطع تجاوزها.
هم.
من هؤلاء؟ ولماذا يريدون منها أن تنسى دقيقة لا يتذكر أحد أنها حدثت؟
سمعت صوت خطوات في الممر، فالتفتت بسرعة وأغلقت دفترها.
كان والدها، راشد، يقف عند الباب. نظر إليها باستغراب، ثم انتقلت عيناه إلى الساعة المعلقة على مقبض الباب.
تغير وجهه.
لم يكن تغيرًا عابرًا؛ بل كان أشبه بوجه رجل رأى شيئًا ظل عمرًا كاملًا يخشى عودته.
قال بصوت منخفض:
«إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي يا عنود؟»
أجابت وهي تحاول أن تبدو طبيعية:
«الساعة وقفت، وصحيت على صوت غريب.»
لم يسألها عن الصوت، ولم ينظر إلى الساعة مرة أخرى. بدلًا من ذلك، اقترب من المكتب ومد يده نحو الصورة.
«مين فتح الصورة دي؟»
تجمدت العنود للحظة.
«لقيتها كده. هو فيها حاجة؟»
رفع أبوها عينيه إليها، وظلت نظرته معلقة بها لثوانٍ طويلة، حتى شعرت أنه لا ينظر إلى وجهها، بل يحاول معرفة ما إذا كانت قد رأت شيئًا لا ينبغي لها رؤيته.
ثم قلب الصورة على وجهها.
«في حاجات يا عنود، الأحسن إننا ما نعرفهاش.»
قالت بإصرار:
«بس أنا عايزة أفهم.»
أجابها وهو يتجه نحو الباب:
«مش كل حاجة بنفهمها بنقدر نرجع بعدها زي الأول.»
خرج وأغلق الباب خلفه.
بقيت العنود مكانها، تشعر للمرة الأولى أن بيتها الذي عاشت فيه عمرها كله يخفي عنها شيئًا أكبر من قدرتها على الفهم.
لم يكن خوفها من الرجل الموجود في الصورة وحده.
كان خوفها الحقيقي من أن يكون أبوها يعرفه.
وأن تكون أمها تعرفه أيضًا.
---
انتظرت العنود حتى هدأ البيت تمامًا، ثم عادت إلى الساعة السوداء.
كانت موضوعة على المكتب، ساكنة، كأنها مجرد قطعة قديمة لا تستحق كل هذا القلق.
مدت يدها إليها بحذر، وفتحت غطاءها الصغير.
لم تكن هناك عقارب تتحرك، ولا أرقام واضحة. فقط سطح زجاجي داكن، تتخلله خدوش دقيقة، وعلى الحافة الداخلية نقش لم تلحظه من قبل.
قربتها من الضوء.
كان مكتوبًا:
«إلى من يتذكر… لا تثقوا بالوقت الذي تتذكرونه.»
وتحت العبارة، رقم صغير:
17
قبل أن تتمكن من التفكير في معنى الرقم، سمعت همسًا خافتًا يخرج من داخل الساعة.
«لسه فاكراني يا عنود؟»
سقطت الساعة من يدها.
تراجعت إلى الخلف، واصطدم ظهرها بحافة المكتب. لم يكن الصوت صوت أبيها، ولا صوت آسر الذي سمعته في الهاتف.
كان صوت رجل تعرفه بطريقة لا تستطيع تفسيرها.
رجل لم ترَ وجهه قط.
التقطت الساعة بحذر، لكنها لم تسمع شيئًا آخر.
نظرت إلى دفترها المفتوح، فوجدت جملة جديدة مكتوبة على الصفحة البيضاء:
«لا تبحثي عن الرجل في الصورة.»
وتحتها، بدأت الحروف تظهر ببطء، حرفًا بعد حرف، كأن يدًا غير مرئية تكتب من الناحية الأخرى للورقة.
«ابحثي عن الشخص الذي التقطها.»
شعرت العنود بقشعريرة تسري في ذراعيها.
لم تعد المسألة مجرد صورة قديمة أو رجل مجهول.
هناك شخص التقط الصورة، وشخص أخفاها، وشخص يحاول الآن منعها من معرفة الحقيقة.
وربما كانوا جميعًا يعرفون بعضهم بعضًا.
أغلقت الدفتر، ثم فتحته مجددًا وبدأت تكتب كل ما حدث منذ الدقيقة التي توقفت فيها الساعة.
كانت تؤمن أن الخوف يصبح أقل حين يتحول إلى كلمات، وأن الألغاز مهما بدت معقدة لا بد أن تترك خلفها أثرًا يمكن تتبعه.
كتبت:
«الساعة السوداء — الرقم 17 — الرجل بلا وجه — الدقيقة المحذوفة — الشخص الذي التقط الصورة.»
ثم أضافت في نهاية الصفحة:
«لماذا أنا؟»
لم يظهر رد.
لكنها لاحظت أن الساعة السوداء تحركت قليلًا فوق المكتب، حتى صار وجهها متجهًا نحوها مباشرة.
كأنها تسمع السؤال.
وكأنها تعرف الإجابة.
---
في صباح اليوم التالي، جلست العنود إلى مائدة الإفطار تحاول أن تتصرف بصورة طبيعية.
كانت أمها تضع الأطباق، بينما يتصفح والدها هاتفه دون أن يرفع عينيه عن الشاشة.
انتظرت حتى جلست أمها، ثم سألتها فجأة:
«ماما، فاكرة صورة العيلة القديمة اللي كانت عند باب أوضتي؟»
توقفت يد أمها للحظة.
«أيوه، مالها؟»
«مين اللي صورها؟»
رفعت أمها عينيها إليها.
«أنا اللي صورتها.»
شعرت العنود أن قلبها انقبض.
«فين؟»
صمتت الأم قليلًا، ثم قالت:
«في بيتنا القديم.»
«بيتكم القديم؟ هو إحنا كان لينا بيت تاني؟»
تبادلت أمها نظرة سريعة مع راشد، الذي ظل صامتًا، لكنه وضع هاتفه على الطاولة ببطء.
قالت الأم:
«يا عنود، مش كل سؤال لازم يكون ليه إجابة دلوقتي.»
لم تستطع العنود إخفاء ضيقها.
«ليه كل ما أسأل عن حاجة، ألاقيكم بتتهربوا مني؟ أنا مش صغيرة.»
تنهدت أمها، ثم مدت يدها وأمسكت بيدها.
«عارفة إنك كبرتي. وعارفة إنك ذكية، ويمكن أذكى مما إحنا متخيلين. بس فيه حاجات لو رجعت تظهر، لازم تعرفي إنك مش هتقدري تتعاملي معاها بنفس الطريقة اللي بتتعاملي بيها مع أي مشكلة.»
«حاجات زي إيه؟»
لم تجب أمها.
اكتفت بالنظر إليها، وفي عينيها خوف لم تره العنود من قبل.
ثم قالت بصوت خافت:
«لو في يوم سمعتي حد بيناديكي من ورا باب مقفول… حتى لو كان صوته صوت حد بتحبيه… ما تفتحيش.»
توقفت العنود عن التنفس للحظة.
كانت تلك الجملة قريبة بصورة مخيفة من الكلمات التي وجدتها مكتوبة في دفترها في الليلة الماضية.
«ليه يا ماما؟»
سحبت أمها يدها، ونهضت من مكانها.
«وعديني إنك مش هتفتحي أي باب لو سمعتي حد بيناديكي من وراه.»
ظلت العنود تنظر إليها.
لم تعد تريد وعدًا أعمى، ولا تحذيرًا بلا تفسير.
كانت تريد الحقيقة.
لكن أمها غادرت المطبخ قبل أن تتمكن من طرح سؤال آخر.
---
بعد الظهر، دخلت العنود مكتب والدها بحجة البحث عن شاحن هاتفها.
لم تكن تعرف ما الذي تبحث عنه تحديدًا، لكنها كانت متأكدة أن الإجابة لن تأتي إليها إذا ظلت تنتظرها.
فتحت الأدراج واحدًا تلو الآخر، حتى وجدت صندوقًا خشبيًا صغيرًا في الجزء السفلي من المكتبة.
كان الصندوق مقفلًا، لكن غطاءه لم يكن محكمًا.
فتحته.
في الداخل أوراق قديمة، وصور باهتة، ومفتاح طويل صدئ، وبطاقة صغيرة كُتب عليها عنوان بخط يدوي.
توقفت أنفاسها عندما قرأت العنوان.
كان عنوان البيت القديم.
وتحته تاريخ واحد:
17 / 11
لا سنة، ولا أي تفاصيل أخرى.
قلبت البطاقة، فوجدت على ظهرها أثرًا دائريًا داكنًا يشبه الأثر الذي تركته الساعة السوداء على يدها عندما سقطت منها.
أعادت البطاقة إلى الصندوق، وأخرجت هاتفها لتبحث عن العنوان على الخريطة.
كتبت اسم الشارع ورقم المنزل.
انتظرت.
ظهرت رسالة على الشاشة:
«هذا المكان غير متاح.»
حاولت مرة أخرى، ثم بحثت باسم الشارع وحده.
لم تجد شيئًا.
كأن الشارع نفسه لم يعد موجودًا.
رن هاتفها برسالة جديدة من الرقم المجهول.
«لو رحتي هناك، ما تدخليش لوحدك.»
حدقت في الشاشة، ثم كتبت بسرعة:
«إنت مين؟»
وصل الرد بعد ثوانٍ:
«الشخص اللي مش هيكون موجود لما تحتاجيه.»
شعرت بالغضب.
«طب إنت بتبعتلي ليه أصلًا؟»
لم يصل رد.
رفعت رأسها نحو النافذة، وهناك رأته.
رجل يقف بجوار سيارة سوداء على الجانب الآخر من الشارع، يرتدي ملابس داكنة، ووجهه متجه نحو منزلها مباشرة.
لم يكن يتحرك.
كان يراقبها.
تراجعت العنود عن النافذة، ثم عادت إليها بعد لحظات.
اختفى الرجل.
واختفت السيارة أيضًا.
لم تسمع صوت محرك، ولم تره يبتعد.
كان الشارع خاليًا تمامًا، كأن أحدًا لم يقف فيه من الأساس.
---
في المساء، رن هاتف العنود برقم غير مسجل.
ترددت قبل أن تجيب.
«ألو؟»
جاءها صوت رجل هادئ:
«لو إنتِ العنود بنت راشد، اسمعيني كويس.»
اعتدلت في جلستها.
«مين معايا؟»
«اسمي آسر.»
«إنت اللي بتبعتلي الرسائل؟»
«أيوه.»
«إنت تعرفني منين؟»
صمت لحظة، ثم قال:
«المهم دلوقتي إنك تعرفي إنك مش أول واحدة تلاقي الساعة دي.»
تسارعت دقات قلبها.
«إنت تعرف الراجل اللي في الصورة؟»
لم يجب.
«آسر، أنا سألتك سؤال.»
«وعارف إنك مش هتبطلي تسألي لحد ما تلاقي إجابة.»
«يبقى جاوبني.»
جاء صوته أكثر جدية:
«معاكي الساعة السوداء؟»
نظرت العنود إلى المكتب، حيث كانت الساعة موضوعة بجوار دفترها.
«إنت عرفت منين؟»
«جاوبيني الأول.»
«أيوه، معايا.»
سمعت أنفاسه تتغير، وكأن الإجابة أخافته.
«خليها معاكي، وما تسيبيهاش لوحدها.»
«يعني إيه ما أسيبهاش لوحدها؟ دي ساعة!»
«العنود، ركزي معايا. لو الساعة بدأت تتحرك، ما تحاوليش توقفيها. ولو سمعتي صوت حد تعرفيه جاي منها، ما ترديش عليه.»
شعرت ببرودة تسري في أطرافها.
«إنت بتتكلم عن إيه؟ وإنت عرفت إني أخدتها إزاي؟»
ساد الصمت للحظات.
ثم قال آسر بصوت منخفض:
«بصي وراكي.»
تجمدت العنود.
التفتت ببطء نحو باب غرفتها.
لم يكن هناك أحد.
الممر خلف الباب كان مظلمًا، والبيت هادئًا، لكن إحساسًا غريبًا أخبرها أن شيئًا ما يقف على الجانب الآخر من الظلام.
«مفيش حد.»
قال آسر، وقد اختفت نبرته الهادئة تمامًا:
«أنا عارف.»
«أمال بتقولي أبص ورايا ليه؟»
جاءها صوته هامسًا:
«عشان اللي وراكي مش لازم يكون شخص.»
انقطع الاتصال.
ظلت العنود تمسك الهاتف، عاجزة عن الحركة.
ثم سمعت صوتًا خافتًا فوق المكتب.
تك.
نظرت إلى الساعة السوداء.
كان عقربها يتحرك.
لأول مرة منذ أن رأتها.
تحرك ببطء حتى استقر عند الرقم 17، ثم ارتجف الزجاج فوق وجهها كأنه سطح ماء لمسه شيء من الداخل.
اقتربت العنود رغم خوفها.
داخل الزجاج لم ترَ انعكاس غرفتها.
رأت ممرًا طويلًا، جدرانه حجرية، وفي نهايته باب خشبي قديم.
كان الباب مغلقًا.
وأمامه يقف رجل بلا وجه.
رفع الرجل يده وأشار إلى الباب.
ثم سمعته العنود، رغم أنها لم تكن تسمع سوى صوت الساعة، يقول:
«اتأخرتي يا عنود.»
تراجعت مذعورة.
تحرك العقرب خطوة واحدة.
واختفت الصورة من الزجاج.
عادت الساعة إلى سكونها، وعاد وجهها يعكس الغرفة كما لو لم يحدث شيء.
لكن العنود كانت تعرف أنها رأت شيئًا حقيقيًا.
لم يكن حلمًا، ولم يكن انعكاسًا عاديًا.
كان هناك مكان ينتظرها، وباب يعرف اسمها، ورجل بلا وجه يريد منها أن تفتحه.
نظرت إلى البطاقة التي أخفتها في درج مكتبها.
17 / 11.
ثم نظرت إلى الساعة السوداء.
للمرة الأولى، فهمت أن الرقم ليس مجرد علامة قديمة.
ربما كان موعدًا.
وربما كان تحذيرًا.
أما الشيء الذي أخافها أكثر، فلم يكن ما رأته داخل الساعة.
بل الفكرة التي تسللت إلى عقلها ببطء:
ماذا لو أن البيت القديم لم يكن ينتظر عودتها… بل كان ينتظر اللحظة التي تتذكر فيها أنه موجود؟

تابع جديد Manar saad
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق