في هذا المقال
قبل ده بتلات أسابيع
جدتي فوزية ماتت يوم خميس، زي ما كانت دايمًا بتقول إنها هتموت. كانت بتقول: "أنا اتولدت يوم خميس، وهمشي يوم خميس، وماحدش يزعل." وفعلًا، صحيت الصبح لقوها نايمة على جنبها اليمين، ماسكة المسبحة، ووشها هادي كإنها بتسمع حد بيحكيلها حكاية حلوة.
في العزا، الكل كان بيعيط ويحكي ذكرياته. الوحيدة اللي كانت قاعدة ساكتة هي مرات عمي نوال، قاعدة في ركن الصالة وإيديها في حجرها، بتبص للباب كل شوية كإنها مستنية حد.
بعد الدفنة بيومين، قابلتني في المطبخ وقالت بصوت واطي:
"جدتك سابتلك حاجة. ده ليك لوحدك، ماتورّيهوش لحد."
مدّتلي ظرف صغير مقفول بشريط لاصق قديم. فتحته في أوضتي وقفلت الباب ورايا.
جوه الظرف مفتاح نحاس تقيل، قديم، حروفه الصغيرة اتمحت من كتر الاستعمال، ومعاه ورقة مطوية أربع طيات بخط جدتي المرتعش:
"ماتفتحش بيه حاجة يا كريم. روح بس."
قعدت أقلّب الورقة على وشها وضهرها. روح فين؟ وماتفتحش إيه؟ جدتي اللي ماكانتش بتقول كلمة من غير معنى، سابتلي لغز في ورقة، وماشيت.
بدأت بالبيت القديم، بيت جدتي اللي اتربيت فيه نص طفولتي. فتشت الدولاب الخشب الكبير، وصندوق الفرح اللي كانت بتحافظ عليه كإنه كنز، والدرج اللي تحت السرير، وحتى صندوق الخياطة اللي كان ممنوع حد يقرب منه.
جربت المفتاح في كل قفل في البيت. ولا واحد قبله.
لكن في صندوق الفرح لقيت حاجة غريبة: صورة قديمة، أبيض وأسود، لطفلين رضّع في سرير واحد، نايمين جنب بعض ووشهم متطابق. على ضهر الصورة بخط جدتي: "تامر وسامر، 1962."
أبويا اسمه تامر. وماكنتش أعرف إن عنده أخ اسمه سامر.
سألت عمي ماهر، الابن التاني لجدتي، وهو بيشرب شاي في البلكونة. بص للصورة وقتًا طويلًا وقال:
"ده... أبوك مع واحد قريبه، ماأعرفش."
كدّاب. عرفت إنه كدّاب من الطريقة اللي إيده شدّت بيها على كباية الشاي.
رحت البنك تاني يوم، قلت يمكن خزنة. قعدت نص ساعة في الطابور، والموظف الشاب اخد المفتاح وقلّبه تحت النور وقال بابتسامة مهذبة:
"ده مش مفتاح خزنة يا أستاذ. ده أقدم من البنك نفسه، وأقدم مني أنا كمان."
كنت هسيب الموضوع كله. قلت لنفسي يمكن جدتي كانت بتهرّج في آخر أيامها. بس وأنا خارج من البنك، سمعت صوت ست عجوزة بتنادي من ورايا:
"إنت حفيد فوزية؟"
التفتّ. كانت أم سيد، جارتنا القديمة، اللي ماشفتهاش من أيام ما كنت في إعدادي. ماسكة عصاية، وعينها مثبتة على المفتاح اللي كنت لسه ماسكه في إيدي من غير ما أحس.
وشها اتغير. قالت جملة واحدة بس:
"كل خميس، سنين طويلة، كانت بتروح عمارة في باب الخلق. وتقف قدام شقة وماتدخلش."
سألتها: "إزاي عرفتي؟"
"لإني كنت بروح معاها أول مرة. وبعد كده قالتلي ماتجيش تاني. قالتلي: ده حمل وحدي."
"وإيه اللي في الشقة؟"
أم سيد بصت لي بعينين مليانين حاجة ماقدرتش أفسرها، وقالت:
"ماأعرفش. عمرها ماقالت. بس كانت بترجع كل مرة وعينيها حمرا."
عمارة باب الخلق لقيتها بعد يومين. عمارة قديمة من أيام الملك، سلمها رخام مكسور، وريحة الرطوبة مالية الدرج. دور تالت، شقة آخر الطرقة، وباب حديد تقيل عليه علامات سنين، ومن تحت الباب خيط رفيع من الضوء.
خبطت. محدش رد.
خبطت تاني بصوت أعلى. سكوت.
نزلت وأنا حاسس إني بتفرج على حد تاني بيعمل كل ده. رجعت الخميس اللي بعده. وكنت بدأت أحس إن المواعيد دي مش صدفة: كل حاجة في اللغز دايمًا بترجع للخميس.
المرة دي لقيت على عتبة الباب كيس قماش فيه رغيفين عيش طازج، وكوباية شاي لسه دافية، البخار طالع منها.
وقفت مصدوم. جدتي ماتت من تلات أسابيع. فمين اللي لسه بيجيب العيش؟
وبعدين فهمت إن الجواب الوحيد المنطقي هو الأسوأ: في حد جوه الشقة بيستنى الأكل ده. وفي حد تاني لسه بيجيبهوله.

قررت أرجع بالليل. مش عارف ليه. يمكن عشان لو حد بيجيب الأكل، فهو بيجيبه في الضلمة. استخبيت في مدخل العمارة وقعدت أراقب.
الساعة اتنين الفجر، سمعت خطوات على السلم. دقّت دقات خفيفة، ماشية كإنها بتحاول ماتصحيش حد. وبعدين شفتها.
ست لابسة طرحة سودا، شايلة كيس، ماشية على أطراف صوابعها. وقفت قدام الباب، حطت الكيس، وهمست بكلمة ماسمعتهاش. ورجعت تنزل.
لما عدّت من جنبي في الضلمة، شفت وشها بالصدفة تحت نور الشارع اللي داخل من شباك السلم.
مرات عمي نوال.
مشيت وراها لحد آخر الشارع، وفي دماغي ألف سؤال. هي اللي سلمتني الظرف. هي اللي قالتلي "ده ليك لوحدك". كانت عارفة كل حاجة من الأول، وسابتني أدور شهر كامل كإنها بتختبرني.
رجعت للعمارة. مش عارف ليه، بس ماقدرتش أمشي. طلعت السلم تاني وأنا عارف إني بعمل حاجة مجنونة، ووقفت قدام الباب في الضلمة، ومسكت المفتاح.
وده اللي رجّعنا لأول المقال.
دلوقتي، الساعة تلاتة الفجر
المفتاح مش راضي يدخل. والخطوات جوه بتقرب.
الباب اتفتح من جوه بالراحة، وصرير المفصلات اتردد في الطرقة كإنه صرخة. وقف قدامي راجل عجوز، متكوّم على نفسه، لابس جلابية رمادي، وفي إيده عصاية. عينه عينين أبويا بالظبط. نفس الحاجب المرفوع شوية، ونفس الندبة الصغيرة جنب الفم اللي أبويا كان دايمًا يقول إنها من وقعة في طفولته.
ماقدرتش أتنفس.
بص للمفتاح في إيدي، ودمعته نزلت من غير ما يحاول يخبيها.
"فوزية كانت بتجيب لي العيش كل خميس. أربعين سنة. عمرها ما دخلت مرة."
"إنت... إنت مين؟"
"أنا سامر. أخو أبوك التوأم."
الدنيا لفّت بيا.
"جدك قال للناس إني مت وأنا رضيع. كنت بتشنج، والدكاترة وقتها ماكانوش بيفهموا الصرع، فقال إنها وصمة عار على العيلة كلها. وخبّاني هنا في الشقة دي، مع ممرضة، وبعدين لوحدي."
مسك المفتاح من إيدي بإيديه المرتعشة، قلّبه، وابتسم ابتسامة حزينة:
"جدتك عرفت الحقيقة بعد سنين، لما جدك مات. جت هنا بمفتاحها الأصلي، المفتاح ده بالظبط، عشان تفتح الباب وتاخدني. لقت جدك كان غيّر القفل قبل ما يموت. عشان ماحدش ينقذني، ولا حد يعرف."
"طيب ليه مادخلتش بأي طريقة؟ كسرت الباب؟ نادت على حد؟"
"سألتني نفس السؤال مرة. قلتلها: يا فوزية، أنا عشت هنا حياتي كلها. الباب ده هو العالم اللي أعرفه. لو دخلتي فجأة هتهدميه. سيبيني أجي لك أنا لما أكون جاهز."
ساد بينا صمت طويل.
"وهي مارضيتش تسيبني لوحدي. فضلت تجيبلي العيش كل خميس، تحطه على العتبة، وتقعد ساعة على السلم من غير ما تخبط، وأنا أسمع نفسها من ورا الباب وأعرف إني مش لوحدي. ولا مرة اتكلمنا. بس كل خميس، كل خميس، كنا موجودين مع بعض."
دموعي كانت نازلة من غير ما أحس.
"ونوال؟" سألت.
"نوال اكتشفت الموضوع قبل جدتك بسنين، لما كانت بتتجسس على عمك ماهر. ماحكتش لحد. وبعد ما جدتك تعبت، جت هي تاخد مكانها. كانت بتجيب العيش وتمشي، لإن فوزية طلبت منها وعد: 'أخلي كريم يجيلك هو بنفسه. مش أنا اللي أوديه.'"
فهمت وقتها ليه الورقة كانت بالشكل ده. جدتي ماكانتش عايزة تدّيني الحقيقة جاهزة، كانت عايزاني أدوّر. كانت عارفة إن اللي بيدوّر هو اللي بيفضل.
سامر مسك المفتاح وحطّه في إيدي تاني:
"ماكنتش ممكن تفتح بيه حاجة يا ابني. القفل اتغير من أربعين سنة. بس هي كانت محتفظة بيه عشان يجي اليوم اللي حد من العيلة يعرف مكان الباب، ويخبط عليه."
دلوقتي بفكر في جملة جدتي: "ماتفتحش بيه حاجة."
كانت بتقصد حاجة أعمق من القفل. فيه أبواب ماتتفتحش بالمفاتيح. بتتفتح بإنك تروح، وتخبط، وتستنى حد يرد.
أخدت عمي سامر لبيت العيلة النهارده الصبح، لأول مرة من ستين سنة. وقف على عتبة الباب شوية قبل ما يدخل، وإيده ماسكة الحيطة، وبعدين دخل بخطوة واحدة. أول حاجة عملها إنه راح لصورة جدتي المعلقة في الصالة، وقعد قدامها من غير ما يتكلم ساعة كاملة.
والمفتاح النحاس؟ بقى معلق على الحيطة جنب صورتين: صورة جدتي، وصورة أبويا وهو صغير. وبينهم مكان فاضل لصورة تالتة، هنتصورها كلنا الخميس الجاي. هو، وأنا، ومرات عمي نوال، وعلى الترابيزة قدامنا رغيفين عيش طازج وكوباية شاي
تابع جديد Mahmad Fettoh
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق