أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

متحف الوجوه المتناثرة

​طبيب نفسي يمتلك قدرة غريبة: عندما يلمس عيني مريض يحمل تروما (صدمة نفسية)، يستطيع أن يستبدل جزءاً من جسده بجزء من جسد المريض ليأخذ آلامه النفسية عنه.

Mohamed OsamaMohamed Osamaالكاتب 31 د للقراءة 0.00 المراجعات
متحف الوجوه المتناثرة

image about متحف الوجوه المتناثرة

سارق الأجساد

إذا استبدلنا كل جزءٍ فيك، هل تظل أنت نفسك؟

الجزء الأول: الطفولة

الفصل الأول: بيت الشجار

أنا اسمي كريم، وسأحكي لكم حكايتي كما عشتُها، لا كما أتمنى أن تُروى.

كنتُ في التاسعة من عمري، طفلاً عادياً يحب الرسم وكرة القدم وصوت المطر على نافذة غرفته. لكن البيت الذي نشأتُ فيه لم يكن عادياً. كان بيتاً تسكنه الأصوات المرتفعة: صوت أبي عادل حين يعود متأخراً، وصوت أمي سلمى حين تسأله أين كان، ثم صوت الأطباق حين تتحطم في المطبخ.

كانا يتشاجران على كل شيء: على المال، وعلى جدتي، وعلى ثمن حذائي المدرسي. وفي كل مرة كان أحدهما يلتفت إليّ ويقول للآخر: «سآخذ الولد وأرحل»، أو «لن ترى ابنك بعد اليوم». كنتُ أقف عند باب غرفتي أمسك بحافة قميصي، وأعدّ شقوق الجدار حتى ينتهي الصراخ.

حاولتُ مراراً أن أكرههما. كنتُ أجلس في سريري وأقول لنفسي إنني أكرههما، ثم أتذكر يد أبي حين علّمني ركوب الدراجة، ورائحة الخبز في ثياب أمي، فتسقط الكراهية قبل أن تكتمل. كان حبهما عبئاً عليّ، لأنني كنتُ أحبهما ولا أصدّق أن أحداً منهما يحبني بصدق؛ فقد كنتُ في عينيهما ورقةً يلوّح بها كل واحد منهما في وجه الآخر.

لم أكن أعلم أن ذلك الصراخ، على بشاعته، كان آخر ما سيتبقى لي من بيتٍ كامل.

الفصل الثاني: الليلة الأخيرة

في ليلة خريفية من ليالي شهر أكتوبر، اشتعلت المشاجرة أسرع مما اعتدت. لم أعد أذكر سببها، وربما لم يكن هناك سبب أصلاً. أذكر فقط أن أمي صرخت بشيءٍ عن تأخره وعن رائحة غريبة في قميصه، وأن أبي ردّ بكلمة لم يمكن تراجعها.

ساد صمت قصير، ثم انفجر كل شيء. صوت كرسي يُقلب، وصوت أمي تبكي وتشتم، وأبي يصيح: «كفاية! لم أعد أطق هذا البيت!» وقفتُ في الرواق بينهما بقدميّ الحافيتين، ونظر إليّ أبي نظرةً طويلة لم أفهمها حينها. كان فيها شيء أشبه بالاعتذار، وشيء أشبه بالهزيمة.

ثم خرج. أخذ مفاتيحه من على الطاولة وترك الباب مفتوحاً على مصراعيه. ركضتُ إلى نافذة غرفتي فرأيت أضواء سيارته الحمراء تنطلق في الشارع بسرعة جنونية، ثم تتلاشى عند المنعطف. كان بإمكاني أن أناديه. كان بإمكاني أن أصرخ باسمه من النافذة حتى يسمعني. لكنني وقفت صامتاً، أتنفس بصعوبة، كأن صوتي لا ينتمي إليّ.

في الفجر طرق رجلان باب البيت بزيّهما الرسمي. لم يتكلما كثيراً. رأيتُ وجه أمي حين سمعتهما، ولم أنسَ ذلك الوجه ما عشت. ثم انهارت على الأرض وهي تصرخ اسمه، الاسم الذي كنتُ أحبسه في حنجرتي في تلك الليلة.

الفصل الثالث: بعد الجنازة

مات أبي فعلاً، لكن البيت لم يهدأ. كان السكون أثقل من الصراخ، وكانت أمي تجلس ساعات طويلة على الكنبة تحدق في الفراغ، ثم تنظر إليّ نظرةً لا أستطيع تفسيرها: هل هي تلومني؟ أم تلوم نفسها؟ أم ترى في وجهي ملامحه؟

لم تعد أحدً تلوّح بي في وجه أحد، وكم كنتُ أتمنى لو فعلت! اكتشفتُ أن المؤلم أكثر من أن يستخدمك أحد هو ألا يحتاجك أحد.

انعزلتُ عن كل من حولي. كان زملائي ينظرون إليّ بشفقة تجرحني، فكنتُ أجلس وحدي في المقعد الأخير من الصفّ. وكان سؤال واحد يدور في رأسي كالدوامة: هل كل ما يحدث حقيقة، أم أنني أعيش في كابوسٍ وسأستيقظ ذات صباح لأجد أبي يقرأ جريدته في المطبخ؟

ما الوحدة؟ ليست أن تكون وحدك، بل أن تكون وسط حشدٍ غفير من الناس دون أن يشعر بك أحد. كنتُ أعيش في منزل فيه أمٌ حاضرة، ومع ذلك لم يكن أحد يراني.

وفي الليل كنتُ أسمع المفاتيح في الباب، وأنتظر الخطوات الثقيلة، ثم أدرك أنها لن تأتي. وحين نضجت في داخلي فكرة غريبة، أنني لو ناديته من النافذة لعاد، لم أعد أستطيع طردها. استقرت في صدري كحجرٍ لا أعرف كيف أخرجه: لو ناديته.

هكذا تعرفتُ على الشعور بالذنب، قبل أن أعرف أن من يحمله قد لا يكون هو من ارتكب الخطأ.

الفصل الرابع: الفتى والقطة

في أحد الأيام، وأنا عائد من المدرسة، رأيتُ فتىً في مثل عمري تقريباً يجلس على حافة الرصيف ويبكي بحرقة، ودراجته ملقاةٌ على الأرض بجانبه. تملكني الفضول: ما الذي يجعله يبكي بهذه الحرقة؟ أخذتُ أفكر كثيراً، حتى وجدتُ نفسي أتقدم نحوه وأجلس بجواره دون أن أشعر، وسألته: «لماذا تبكي؟»

نظر إليّ بعينين محمرتين وقال بنبرةٍ خائفة: «اسمي يوسف، ولقد ارتكبتُ أمراً سيئاً للغاية، وأشعر بذنبٍ عظيمٍ لا أعرف كيف أتخلص منه!»

اكتشفتُ أنه كان يقود دراجته ولم يكن منتبهاً إلى الطريق، فدهس قطةً صغيرة بالخطأ، وهي ترقد الآن تحت الشجرة بلا نفس. حاولتُ أن أواسيه وأمسح دموعه، فلم يكن عندي ما أقوله، فوضعتُ يدي على عينيه كما تفعل الأمهات. وما إن لامست أصابعي جفنيه، حتى اجتاح جسدي ألمٌ صارخٌ لا يمكن وصفه؛ شعرتُ وكأن شيئاً في داخلي يُقتلع من مكانه ويُعاد تركيبه من جديد!

سقطتُ على ركبتيّ، ولم أعد أرى شيئاً لبضع ثوانٍ. وحين انقشع الضباب، كان يوسف ينظر إليّ بذهول كأنه استيقظ من نوم طويل. قال: «لم أعد أشعر بأي شيء... وكأنني لم أقترف أي ذنب!» ثم ابتسم لأول مرة، ونهض وجمع قطته برفق وهو يبكي بكاءً هادئاً، بكاءَ من عاد إليه قلبه خالياً من الثقل.

أما أنا، فقد وجدتُ ذنبه جاثماً على صدري كأنني أنا من دهس القطة.

الفصل الخامس: ثمن اللمسة

لم أنم تلك الليلة. كنتُ أجلس في سريري وأنظر إلى يدي اليسرى، فقد لاحظتُ عند الغسول خدشاً رفيعاً على راحتي، أشبه بخدش مخالب قطة. لم تخدشني قطة في حياتي قط. لكن الخدش كان هناك، حيّاً ومؤلماً، وكان الذنب يثقل صدري، وكان يوسف في مكانه البعيد ينام بهدوء.

فهمتُ ما حدث ببطء، وكمن يجمع قطع لغز من الظلام. لم يختفِ ذنب يوسف، لكنه انتقل إليّ. ولم تشف جراحه تلقائياً، بل حملتها أنا، حتى العضو الصغير الذي عوّضني به هذا العالم عن أبي: خدشٌ لم أكن أستحقه.

في الأسابيع التالية جرّبتُ هذا السرّ الصغير بحذر شديد. جارتنا العجوز أمّ حسن اشتكت لأمي من ألم في ركبتها، فسألتها أن تغمض عينيها، ولمستهما فشعرتُ بالمزق نفسه ثم بالوجع البارد في ركبتي. وفي الليل لم أستطع النوم. لكنها مشت في الصباح إلى السوق بلا عكاز، وهي تصفّر بهدوء.

تعلمتُ أشياء قليلة في تلك الأشهر: أن يدي لا تفعل شيئاً إلا إذا وضعتها على العينين، وأن الإنسان لا ينتقل إليه ألمٌ إلا إذا قبله، وأن الألم لا يختفي أبداً، بل ينتقل. وحين قلتُ ذلك لنفسي بصوتٍ مسموع في الظلام، شعرتُ لأول مرة منذ موت أبي أن لي مكاناً في هذا العالم. مكاناً أنا وحدي أستطيع شغله.

الفصل السادس: قرار الطب

كبرتُ وأنا أحمل سرّي كما يحمل الآخرون أسماءهم. لم أخبر أحداً. ولا أمي التي شاخت قبل أوانها، ولا الأطباء الذين عرضوني عليهم في صغري حين ظنّوا أن عزلتي مرض. كنتُ أبتسم لهم وأجيب عن أسئلتهم بإجابات مهذبة، وأراقبهم وهم يكتبون ملاحظاتهم في دفاترهم، فأفهم لأول مرة أن أحداً لا يرى ما يجري داخلي.

في السابعة عشرة قررتُ أن أدرس الطب. قلتُ لنفسي إنني أريد فهم ما يحدث في جسدي، وإنني لن أفهمه إلا من يدّعي معرفة الأجساد. وحين اخترتُ بعد التخرج تخصص الطب النفسي، قلتُ إنني أريد أن أعرف كيف يتشكل الألم قبل أن أمتصه. أما السبب الذي لم أقله لأحد، فهو أنني كنتُ أبحث عن إذن؛ إذن من العلم أو من الدين أو من أي سلطة أن أفعل ما أستطيع فعله.

لم أجد ذلك الإذن. ووجدتُ أستاذاً عجوزاً اسمه منصور، علّمني أن المريض لا يحتاج إلى من يحل مشكلته بقدر ما يحتاج إلى من يحتملها معه. وكنتُ أبتسم حين يقول ذلك، لأنني كنتُ الوحيد في القاعة الذي يفهم العبارة حرفياً.

جرّبتُ قدرتي في تلك السنوات على أناس قليلين، وبحذر شديد. رفض أحدهم، وهو غريب في محطة القطار أشفقتُ عليه، أن أمسّ عينيه، فلم يحدث شيء. وقبلت امرأة مسنّة في مستشفى الجامعة، فخرجتُ من عندها أعرج ثلاثة أيام. كنتُ أدوّن كل شيء في دفتر صغير بخط مرتعش: ما أُخذ، وما بقي، وكم احتجتُ من الوقت لأتعافى.

وفي ليلة تخرجي جلستُ في شقتي الخالية، ونظرتُ إلى الشهادة المؤطرة على الجدار، وفهمتُ أنني لم أعد طفلاً يبحث عن أبيه. صرتُ رجلاً يعرف ما يريد، أو هكذا ظننتُ.

الجزء الثاني: العيادة

الفصل السابع: عيادة الأزقة

افتتحتُ عيادتي في الطابق الأول من بناية قديمة في أزقة المدينة المنسية، حيث الإيجار رخيص والجدران تحفظ أسرار ساكنيها. لم أضع لافتة كبيرة. كتبتُ اسمي على نحاسية صغيرة عند الباب، وعلّقتُ في الداخل ستائر ثقيلة تحجب ضوء الشارع، وأصبحت العيادة، بعد أسابيع، مكاناً يعرفه من لا مكان لهم.

في الطابق الثاني كانت تعمل الدكتورة ليلى، أخصائية نفسية في مثل عمري، حادة اللسان، سريعة الضحك، لا تصدّق أي شيء قبل أن تفحصه. جاءت في اليوم الأول تحمل كوبين من الشاي وقالت: «أنت الجار الجديد؟ تبدو كمن لم ينم منذ سنة.» قلتُ لها إنني أنام جيداً. ابتسمت وقالت: «أنت كاذب سيئ يا دكتور كريم، وهذا جيد، فالكاذبون الجيدون مرضى سيئون.»

أحببتُ وجودها منذ ذلك اليوم، وخشيتُ منه في الوقت نفسه.

أما القواعد، فكنتُ قد وضعتُها في دفتري قبل أن أفتح الباب. لا ألمس أحداً إلا بموافقته الصريحة. لا أُجري الانتقال إلا لمن استنفد كل ما عداه. العضو الذي يتبدل هو دائماً ذاك الذي يحمل الجرح؛ إن كان الألم في اليد انتقلت اليد، وإن كان في الصوت انتقلت الحنجرة. وما أمتصه لا يزول، بل أصبح لي أنا.

كنتُ أعالج أغلب مرضاي بالكلام، كما يفعل الأطباء. أستمع وأسجل وأقترح وأطمئن. وكان بعضهم يتحسن، وبعضهم لا. ثم كانت تأتي أحياناً حالة لا يفيد معها الكلام، فأجلس أمام صاحبها وأنظر إلى عينيه، وأسأل نفسي هل أنا مستعد، وهل أنا من أخذ القرار أم أن شيئاً آخر فيّ يقرره.

الفصل الثامن: صالح

جاءني صالح في ليلة باردة من ديسمبر. شاب في الخامسة والعشرين، ضخم الجثة، منكسر النظرة، يمسك يده اليمنى بيده اليسرى كأنه يخشى أن تهرب. جلس أمامي وقال إنه لا ينام، وإن قلبه يخفق كلما سمع صوت محرك سيارة، وإن يده لا تستطيع حمل كوب الماء دون أن ترتجف.

حكى لي بعد جلستين ما لم يحكِه لأحد. كان يقود سيارته في طريق جبلي مع صديقه الوحيد تامر، وكانا يضحكان على نكتة لا يتذكرها الآن. التفت إليه لحظة واحدة، فانحرفت السيارة وانقلبت. نجا هو بخدوش، ومات تامر قبل أن تصل سيارة الإسعاف. وقال: «كنتُ أنا من يقود. أنا من التفت. أنا من قتله.»

لم أستطع الكلام. كانت في عينيه نظرة أعرفها، نظرة ولدٍ يقف عند نافذة ولا ينادي.

عالجته أسابيع بالطرق المعروفة: جلسات منتظمة، وتمارين تنفس، وأدوية خفيفة. ولم ينفعه شيء. وفي كل جلسة كانت يده اليمنى ترتجف وهو يحكي عن المنعطفات والأضواء والصراخ.

قلتُ لنفسي إنني سأفعل ذلك من أجله، لأنه استنفذ كل الطرق الأخرى. ولم أقل لنفسي ما كان يدور في أعماقي: أنني لم أختر صالحاً لأنه الأشد ألماً بين مرضاي، بل لأنني حين نظرتُ إليه رأيتُ أبي، وفي قلبي سؤال قديم لم يجد جواباً: هل كان ثمة من يمكنه إنقاذه؟

الفصل التاسع: الذراع

شرحتُ لصالح ما سأفعله بأبسط ما استطعت، وبطريقة لم أفعلها مع أحد من قبل. لم يصدّقني. لكنه كان يائساً بما يكفي ليقول: «افعل ما تشاء، لا شيء عندي أخسره.» قلتُ له إنه سيخسر ألمه، وإنني سأحمله بدلاً منه. هزّ رأسه كمن يسمع نكتة سخيفة، ثم أغمض عينيه.

مددتُ يدي ولامستُ جفنيه. حدث ذلك التمزق الرهيب في الأنسجة والعظام؛ ذراعي اليمنى ذوت وتلاشت، وحلّت مكانها ذراعه المحطمة والملتوية، تنبض بالخوف والذنب. وسقطتُ على الأرض أتنفس كمن يخرج من ماء عميق، بينما وقف صالح أمامي ينظر إلى يده السليمة، يقلبها في الضوء، ويبكي كطفل.

قال: «لم أعد أسمع الصوت. صوت الارتطام. لم أعد أسمعه.» وعانقني، فشعرتُ بذراعي الجديدة تتشنج على كتفه كأنها تحاول الإفلات.

بعد ثلاثة أيام، جاءني اتصال منه ليقول إنه نام ثماني ساعات متواصلة. كنتُ أبتسم وأنا أستمع إليه. ثم أغلقتُ الهاتف ورأيتُ يدي اليمنى، يد صالح، ترتجف فوق الطاولة وتكتب بخط عنيد، دون أن أحركها، اسماً من أربعة أحرف: «تامر». ثم ترتجف أكثر كلما اقتربتُ بسيارتي من أي منعطف. لقد أخذتُ ذراعه، وأخذتُ معها خوفه الأبدي من الموت على الأسفلت.

الفصل العاشر: مريم

جاءت مريم إلى العيادة برفقة أختها، لأن مريم لم تكن تتكلم. لا كلمة واحدة منذ عشر سنوات. قالت الأخت إنها لم تكن كذلك في صغرها، وإن بيتهم كان فيه رجل لا يحب الأصوات المرتفعة إلا صوته. لم تقل أكثر. ولم تكن بحاجة إلى ذلك.

جلست مريم على الكرسي المقابل لمكتبي، شابة نحيلة في أوائل الثلاثينات، تلف أصابعها في طرف كمّها. وكانت تكتب لي ما تريد قوله على أوراق صغيرة بخط منمق، كأنها تتحدث بقلمها لأن أحداً لم يسمح لها قط بالحديث بلسانها. كتبت: «لم أتوقف عن الكلام. هو من أوقفني.»

ظللتُ أراها أسابيع. كانت تحضر في موعدها بدقة، وتجلس بهدوء، وتترك لي أوراقها كمن يترك هدايا صغيرة. وفي كل زيارة كنتُ أنظر إلى حنجرتها وأرى فيها بيتاً كاملاً مغلقاً بالأقفال.

كان حديثها الحقيقي في عينيها. كانتا تنطقان بكل استغاثات العالم؛ استغاثة الطفلة التي ناجت أمها فلم تُجَب، والمراهقة التي صرخت في ليلة لم يسمعها فيها أحد، والمرأة التي قررت أن الصمت أرحم من الاستجابة. وكنتُ أعرف، وأنا أنظر إليها، أن الكلام لن يصل إلى ما تحت هذا الصمت.

الفصل الحادي عشر: الحبال

لم أطلب من مريم شيئاً. كتبتُ لها على ورقة ما أستطيع فعله، دون تفاصيل، ودون وعود. قرأت الورقة مرتين، ثم نظرت إليّ طويلاً، وكتبت تحتها كلمة واحدة: «نعم». كانت يدها ثابتة، ولم أعرف لحظتها إن كانت شجاعة أم يأساً.

أغلقتُ الستائر، وأطفأتُ المصباح إلا واحداً، وطلبتُ منها أن تغمض عينيها. وضعتُ أصبعي على جفنيها، ففتحتُ بذلك باباً لا أعرف إلى أين يؤدي. حدث الانتقال الكبير. شعرتُ بحنجرتي تتمزق وتُنتزع وتُعاد خياطتها من خيوط غريبة. ثم سمعتُ صوتاً يخرج مني، خشناً ومبحوحاً، يحمل بحّة البكاء المكتوم والخوف المتراكم لعقدٍ من الزمان.

وفي الجهة المقابلة، فتحت مريم عينيها وقالت بصوتٍ لم تسمعه هي نفسها منذ عشر سنين: «أنا... أستطيع.» ثم ضحكت. لم أسمع في حياتي ضحكة كتلك، ضحكة امرأة تكتشف أن لها فماً وأن العالم لا يزال هناك.

جاءت إليّ بعد أسبوع تحمل علبة حلوى وتتحدث بصوت نقي طبيعي، تحكي لي عن أختها وعن عمل جديد وعن رغبتها في الغناء. أصغيتُ إليها بصوتي المبحوح، وأجبتُها بكلمات قليلة، وابتسمتُ حتى خرجت.

لكنني حين كنتُ أنام، كنتُ أستيقظ مفزوعاً على صرخات تخرج من حنجرتي دون إرادتي، صرخات طويلة موجعة لا تنتهي إلا حين أغطي فمي بيدي. وكأن أصداء الجدران التي شهدت عذابها قد استقرت في جوفي.

الفصل الثاني عشر: صاحب الندوب

جاءني حمدي بعد شهرين، يرتدي ثياباً طويلة في عز الصيف. رجل في الخمسين، منحني الكتفين، يتحدث بصوت خافت كأنه يعتذر عن وجوده. لم يستطع أن يخلع قميصه أمامي في أول زيارة. وحين فعل في الثالثة، رأيتُ صدره وظهره: خرائط من الندوب القديمة، وملمس الجلد كالشمع المنصهر.

كان بيته قد احترق قبل عشرين عاماً. ماتت زوجته وابنته الصغيرة في الحريق، ونجا هو لأنه كان في الخارج يشتري علبة سجائر. وقال: «تركتُ الموقد مشتعلاً. هذا ما قاله الجيران، وما قاله المحقق، وما أقوله أنا لنفسي كل ليلة.» وكان ينظر في الأرض وهو يتحدث.

كان ألمه جلداً حرفياً. ما بقي من النار على جسده كان أخف بكثير مما بقي منها في عقله. وحين وضعتُ يدي على عينيه، لم يرتجف. كان رجلاً يعرف أنه تاب من كل شيء إلا الذنب.

أحسستُ بالنار تمشي على صدري، وبجلدي القديم يُسلخ ويُستبدل. ورأيتُ، ورأسي يدور من شدة الألم، وجهي طفلة لم أعرفها قط، تضحك في ضوء مصباح، وصورة زوجة تنادي من وراء باب مغلق. ثم انتهى كل شيء.

خرج حمدي من العيادة بصدر أملس وقلب خفيف، يمشي منتصب الظهر كما لم يمش منذ عقدين. أما أنا فجلستُ على الكرسي أحدق في الجدار، وأخبر نفسي بصوتي المبحوح أنني فعلتُ الصواب. ولأول مرة، لم أصدّق كلامي بالكامل. ولأول مرة، تمنيتُ لو أستطيع أن أتوقف.

الفصل الثالث عشر: الجندي

أتى رائد بعكازين في أواخر الشتاء. جندي سابق في الأربعين، قوي البنية، حاد النظرة، لكن ركبته اليسرى لا تنثني منذ انفجار لغم في أرض لم يذكر لي اسمها. قال إنه لا يشكو من الألم، فهو معتاد عليه، لكنه لا يستطيع الجلوس مرتاحاً لأن ساقه تريد المشي دائماً.

حكى لي عن رفاقه الذين ماتوا في ذلك اليوم وهو الوحيد الذي عاد. عن الأوامر التي نفذها، وعن الأوامر التي لم ينفذها، وعن أمرٍ واحد كان يتمنى لو عصاه. ثم قال: «أنا لا أريد أن أنسى يا دكتور. أريد فقط أن أتوقف عن الركض.»

لم أكن متأكداً هذه المرة. شعرتُ بتردد غريب، كمن يقف على حافة بئر، لكنني تذكرتُ حنجرتي وذراعي وصدري، وقلتُ لنفسي إنني بنيتُ شيئاً لا يجوز أن أتركه ناقصاً. ووافق رائد دون أن أطلب.

انتقلت الساق في ثوانٍ. كانت أخف مما توقعت، لكنها كانت تحمل شيئاً ثقيلاً: عشرين عاماً من التدريب والجرح والاستعداد الدائم للهجوم. وحين أفقتُ، كان رائد واقفاً على قدميه دون عكازين، يبكي بصمت ويضحك كمن عاد إلى جسده.

في الأسبوع التالي لاحظتُ أنني أمشي بخطى عسكرية. لم يكن مشياً بل زحفاً منتظماً، صارماً، يرفض الانحناء. وحين نزلتُ إلى الشارع، رأيتني أحاذي الجدران وأتفقد الزوايا، وأمسح الأسطح بعينيّ كأن قناصاً يتربص خلف كل نافذة.

الفصل الرابع عشر: زيارة الأم

جاءت أمي إلى العيادة في صباح ممطر. لم تزرني من قبل. وقفت عند الباب بمعطفها القديم الذي أعرفه، تنظر حولها بشيء من الحذر، ثم قالت: «أردتُ أن أرى أين تقضي أيامك.»

جلسنا نشرب الشاي. حكتْ لي عن الجيران وعن مفتاح لا تجد له قفلاً، وعن حلم رأت فيه أبي يضحك. وكنتُ أحاول أن أستمع وأنا أتحكم في يدي اليمنى التي لا تكف عن الارتجاف، وفي ساقي اليسرى التي ترفض الجلوس بسكون، وفي صوتي الذي يخرج كالرمل.

نظرتْ إليّ فجأة، وسكتت. ثم قالت بنبرة غريبة: «أنت لا تشبه نفسك يا كريم.»

قلتُ لها إنني متعب فقط. لم تصدق. أمسكتْ بيدي، اليد الأخرى، تلك التي لم أبدلها بعد، وقالت: «أنت تحمل شيئاً ثقيلاً. كنتَ كذلك دائماً، منذ كنتَ صغيراً. وأنا لم أستطع مساعدتك.»

كانت المرة الأولى التي تعترف فيها بشيء من ذلك. أردتُ أن أبكي، وأن أقول لها كل شيء، وأن أسألها لماذا لم تنظر إليّ يوماً. لكنني نظرتُ إلى وجهها، فأصابني ذعر غريب: لم أعد أستطيع تذكر ملامحها حين تكون بعيدة عني. حين خرجت إلى الشارع، حاولتُ أن أستحضر صورتها في ذهني، فلم أجد إلا بقعة ضبابية، وشيئاً من رائحة الخبز.

الفصل الخامس عشر: ليلى تلاحظ

بدأت ليلى تسأل أسئلة صغيرة في البداية. لماذا يتحسن مرضاك بهذه السرعة؟ لماذا لا تسجل أدويتهم؟ لماذا توقفتَ عن الكتابة بيدك اليمنى؟ وكنتُ أجيبها بنكات ومجاملات وتغيير للموضوع، فتبتسم وتتركني ثم تعود في اليوم التالي بسؤال أدق.

ذات مساء وجدتني أحدّق في الجدار في الدور السفلي، فنزلت وجلست بجانبي دون كلمة. بعد دقائق قالت: «زرتُ مريم.» أجفلتُ. «كانت تغني في مطبخها. أخبرتني أنك أعدتَ إليها صوتها. وقالت إنها لا تعرف كيف، وإنك لم تكن تتكلم عندما كانت تتحدث إليك.» ثم نظرت إليّ طويلاً وقالت: «أنت من يتكلم الآن بصوت مبحوح، أليس كذلك؟ ولم يكن صوتك هكذا حين جئتَ إلى هنا.»

لم أقل شيئاً. قالت: «لا أطلب أن تشرح. أريدك أن تعرف أنني لن أسخر منك. وأنني أخاف عليك.»

كانت يدها على الطاولة بالقرب من يدي. أردتُ أن أمسكها، لكن يدي ارتجفت وكتبت على الخشب، دون أن أحركها، اسماً لا ينتمي إليّ. ورأتْ ليلى ذلك. رأتْ كل شيء، ولم تقل كلمة، لكنها وقفت، ووضعتْ يدها على كتفي لحظة، ثم صعدت السلم بهدوء. وتأملتُ الاسم المكتوب على الخشب: «تامر».

الفصل السادس عشر: القلب

في منتصف ليلة عاصفة، رنّ جرس العيادة بإلحاح. وجدتُ على الباب شاباً يحمل بين ذراعيه رجلاً مسناً شاحب الوجه، وقال بصوت مبتل بالمطر: «أبي أصابته نوبة في الطريق، والمستشفى بعيد، وقالوا لي إن عندك...» لم يكمل. لم يكن يعرف ماذا يقول.

كان اسمه فتحي، في الثامنة والسبعين، وقلبه يتخبط تحت أصابعي كطائر يحاول الخروج من صدره. وضعتُه على الأريكة، واتصلتُ بالإسعاف، وجلستُ بجانبه أنتظر. نظر إليّ بعينين واسعتين وهمس: «لا أريد أن أموت.» ثم أغمض عينيه، وراح قلبه يتباطأ.

تذكرتُ أبي وهو يخرج من الباب، وتذكرتُ النافذة التي وقفتُ عندها صامتاً. وقبل أن أفكر في قاعدة واحدة من قواعدي، كانت يدي على جفنيه.

لم يكن يملك أن يقول نعم. لم يكن يملك أن يقول لا. لم أسأله. هذه هي المرة الأولى التي تجاوزتُ فيها الحدّ الذي وضعتُه لنفسي، ولم أشعر بالمقاومة التي كنتُ أشعر بها دائماً، بل بانسياب بارد. انتزعتُ ما في صدره من الموت واستبدلتُه بما في صدري. خرجت شهقة من فمه، ثم استقر نبضه، وبدأ ينظر حوله في دهشة رجل لم يمت.

أما أنا، فسقطتُ على الأرض، وقلبي الجديد ينبض بإيقاع مضطرب، أسرع ثم أبطأ ثم يتوقف لحظة تخيفني. وعرفتُ أن شيئاً قد انكسر. لقد فقدتُ للمرة الأولى السيطرة على قدرتي، وأدركتُ أنني لم أفعل ما فعلتُ من أجل فتحي. فعلتُه كي لا أرى رجلاً آخر يموت وأنا أقف صامتاً.

الجزء الثالث: التمرد

الفصل السابع عشر: بداية الجوقة

بعد تلك الليلة لم أعد أقبل المرضى بحذر. أصبح الأمر أشبه بجوع لا أعرف اسمه. جاءني شاب اسمه ياسر، كان يؤذي نفسه منذ سنوات ويخفي جروحه تحت أكمامه، فأخذتُ يده اليسرى وما حملته من كراهية عميقة لجسده. ثم جاءت أرملة في الستين ترثي ابناً لم تسترجعه، وطفل صغير لا ينام من الكوابيس، وامرأة تخاف من الضوء. كنتُ أقول لنفسي إنني أفعل ذلك من أجلهم، وكنتُ أعلم في أعماقي أنني لا أقدر على التوقف.

وفي صباحٍ عادي سمعتُ أولى الأصوات داخل رأسي.

لم يكن صوتاً واحداً، بل همهمة بعيدة تشبه حديث غرفة مجاورة. ثم تحوّلت إلى كلمات: صوت يوسف يبكي على القطة في ركن جمجمتي، وصوت صالح يتشاجر مع صمت مريم، وصوت حمدي يعدّ ما احترق، وصوت رائد يصدر الأوامر. كانوا يتحدثون معاً، يتشاجرون على مساحة التفكير، ويتقاسمون نبضات قلبي كأنها خبز قليل.

جلستُ على سريري ذات ليلة وسألتُ نفسي سؤال سفينة ثيسيوس، وهو سؤال تعلمتُه في سنوات الدراسة دون أن أتخيل أنه سيصير سؤالي الشخصي: إذا استبدلنا كل لوحٍ خشبيٍّ في السفينة، لوحاً بعد لوح، فهل تبقى هي السفينة نفسها؟ وإن بقيتُ أنا أعيش في هذا الجسد، فهل أبقى أنا كريم؟ لم يجبني أحد. أو ربما أجابني الجميع في وقت واحد.

الفصل الثامن عشر: العجوز

في ليلة مطيرة ومظلمة، بعد ساعة من الإغلاق، سمعتُ طرقاً خفيفاً على باب العيادة. فتحتُ فوجدتُ رجلاً مسناً غريب الأطوار يرتدي معطفاً مهلهلاً، وتبدو في عينيه نظرة شيطانية واعية بكل ما أفعله. دخل بهدوء دون أن أدعوه، وجلس على الكرسي المقابل لمكتبي كما لو كان يجلس عليه منذ سنين.

قال بصوت هادئ يقطع نصل الصمت: «أنت لا تشفيهم يا كريم... أنت تنقل العدوى إلى نفسك، وتظن أنك مُنقِذ.»

تجمدتُ في مكاني، وشعرتُ أن إحدى قطع جسدي الغريبة تكاد تنخلع من مكانها رعباً من كلماته. سألته بصوت مبحوح: «ماذا تقصد؟»

فابتسم وقال: «أنت تجمع نفايات أرواحهم وتريد أن تحمل العالم وحدك. لكن احذر، فالجسد البشري لا يتحمل تعدد الهويات إلى ما لا نهاية. قريباً، سيطردك جسدك من داخله!»

قلتُ: «من أنت؟ وكيف عرفت؟» نظر إليّ بعينين لا تقولان شيئاً، وهمس: «سبقتك إلى هذا الطريق. وأعرف أين ينتهي.» ثم نهض فجأة، وخرج إلى المطر. ركضتُ خلفه إلى الزقاق، فلم أجد له أثراً. وحين عدتُ إلى العيادة وجدتُ على الكرسي ورقة صغيرة مطوية بعناية، فيها عنوان لزقاق قديم في حي الميناء، وتحته سطر واحد بخط مرتعش: «حين تكون مستعداً.»

الفصل التاسع عشر: الساق العسكرية

لم يكن ذلك الصباح كالصباحات الأخرى. استيقظتُ على برد شديد وضجيج غريب، ووجدتُ نفسي واقفاً أمام بوابة حديدية ضخمة، في حذاء لا أذكر أنني ارتديته. كان الفجر يتنفس بصعوبة، وفي الأعلى برج مراقبة عليه ظل جندي يرفع بندقيته نحوي.

لم أكن أذكر كيف وصلتُ. كانت ساقي اليسرى قد حملتني في الليل خمسة عشر كيلومتراً، بخطى عسكرية منتظمة، نحو ثكنة قديمة لا أعرفها، وكأنها تعرف الطريق. وحين حاولتُ العودة، رفضت. حاولتُ أن أرفع قدمي نحو الطريق المعاكس، لكنها ظلت تضغط بإصرار على الأرض، تنتظر أمراً لم يصدر.

صرخ الجندي: «قف! ارفع يديك!» رفعتُ يديّ المرتعشتين، يد صالح اليمنى التي كتبت «تامر» على الأسفلت وأنا لا أدري، ويد ياسر اليسرى التي كانت تنقبض كالمخلب. وجاءني صوت رائد من داخلي، صوت حاد لم أسمعه بهذا الوضوح من قبل: «اركض! نحن في خطر! اركض!»

رنّ هاتفي في جيبي. كانت ليلى. قالت بقلق: «أين أنت؟ طرقتُ بابك صباحاً ولم تفتح.» لم أستطع أن أقول لها الحقيقة. قلتُ: «في نزهة.» ثم بدأتُ أمشي ببطء نحو الجندي الذي يصوّب نحوي، رافعاً يدي، أشرح له بصوتي المبحوح أنني طبيب، وأنني ضللتُ الطريق. وكان في صوتي، رغماً عني، نبرة أمرٍ لا تقبل الجدال.

الفصل العشرون: يدٌ تخنق

كانت الأيام تتوالى، وأنا أتراجع. أصبحتُ أخفي جسدي عن الجميع، وأرتدي قفازين حتى في الصيف، وأنام والأضواء مضاءة. لم يعد النوم راحة، بل ساحة تدور فيها معارك لا أفهمها.

في ليلة من الليالي استيقظتُ وأنا أختنق. كانت يدي اليسرى، يد ياسر، قد أمسكت عنقي في الظلام، وضغطت على حنجرتي المستعارة. كنتُ أقاتلها بيدي اليمنى المرتعشة، وأشعر بأظافر غريبة تحفر لحمي، وبصوت ياسر يهمس في أذني: «لماذا تحتفظ بي؟ أنا لا أستحق أن أعيش.»

انتزعتُ يدي بعد معركة طويلة، وسقطتُ على الأرض أتنفس بصعوبة. رأيتُ في المرآة علامات حمراء على رقبتي، ورأيتُ وجهي، وجهاً غريباً يعتصره الخوف. أدركتُ أن الأجساد التي استعرتُها لم تكن تكتفي بالبقاء. كانت تريد السيطرة، تريد استعادة أصحابها من خلالي.

في الصباح ربطتُ يدي بسلسلة إلى السرير، وفتحتُ دفتري القديم لأقرأ قواعدي. كنتُ قد كتبتُ فيه: ما أمتصه لا يزول، بل أصبح لي أنا. نظرتُ إلى العبارة طويلاً، ثم أخذتُ القلم بيدي الغريبة وأضفتُ تحتها بخط مرتجف: «لكن أي أنا؟»

الفصل الحادي والعشرون: ليلى تقترب

لم تطرق ليلى الباب هذه المرة. استخدمتْ مفتاح الطوارئ الذي تركتُه عندها منذ أشهر، ودخلتْ في الصباح الباكر. وجدتني جالساً على الأرض بجانب السرير، يدي اليسرى مقيدة بالسلسلة، وقد انهكني السهر.

لم تصرخ. لم تنفر. وقفت عند الباب تنظر إليّ بعينين دامعتين وقالت بصوت منخفض: «كنتُ أعلم أن شيئاً ما حدث، لكنني لم أتخيل...» وتقدمت نحوي بخطوات بطيئة.

قلتُ: «لا تقتربي.»

«لن أترك...»

«قلتُ لا تقتربي!» صرختُ بصوت لم أعرفه، صوت عسكري آمر، وفي اللحظة نفسها انتفضت يدي اليسرى، يد ياسر، وشدّت السلسلة بقوة نحوها كأنها تريد إمساك رقبتها. شهقتْ وتراجعت. جثوتُ فوق اليد بجسدي كله أخمدها، وأنا أصرخ بين أنفاسي: «اخرجي! اخرجي قبل أن أؤذيك!»

وقفت ليلى في الباب، والدموع تنزل على وجهها بصمت. قالت: «سأبقى في الطابق العلوي، وسأترك المفتاح على الطاولة. حين تريد أن تتحدث، أنا هنا.» ثم خرجت.

سمعتُ خطواتها تصعد السلم ببطء، وسمعتُ بعدها صوت إغلاق الباب. وبقيتُ على الأرض أتأمل يدي التي حاولت إيذاء الإنسانة الوحيدة التي رأتني حقاً، وأدركتُ أنني لم أعد أخاف من الأجساد التي في داخلي فقط، بل أخاف مني أنا.

الفصل الثاني والعشرون: وجه الأم

أردتُ أن أرى أمي. أردتُ أن أتأكد من أنني لا أزال أستطيع تذكرها. ذهبتُ إلى بيتنا القديم في ظهيرة رمادية، ووقفتُ أمام الباب الذي دخلتُه آلاف المرات. ثم طرقتُه.

فتحتْ امرأة مسنّة. نظرتُ إلى وجهها ولم أعرفها.

كان هناك شعر أبيض، وتجاعيد عميقة حول الفم، وعينان تتأملانني بقلق. لم أجد فيها أيّ ملمح من أمي التي أذكرها. غريبة. امرأة غريبة تقف أمام عتبة بيت غريب. وسألتُها بصوتي المبحوح: «عفواً، هل تعرفين أين...» ثم توقفتُ، لأنني لم أعرف ما كنتُ سأقول.

قالت بصوت متهدج: «كريم؟ يا بني... أنا أمك.»

أمي. كلمة لم تحمل معنى لثوانٍ. ثم، ببطء، بدأ شيء ما يتحرك في ذاكرتي: رائحة خبز، وصوت يغني في المطبخ، ويد تمسح جبيني. لكن الوجه ظل بعيداً. وجه أمي كان ضبابة كبيرة على شاشة بلا إشارة.

قالت وهي تمسك بذراعي: «ادخل. ستشرب الشاي. أنت متعب.» ونظرتُ إلى يدها الصغيرة على ذراعي المستعارة، وانتبهتُ إلى أن ذراعي ارتجفتْ، ورفضت أن تلمس يدها.

قلتُ لها: «آسف. لا أستطيع.» وتراجعتُ عن الباب. سمعتُها تناديني باسمي، ولم ألتفت. وأنا أهبط درجات البناية، حاولتُ أن أتذكر لون سيارة أبي، وأن أتذكر صوته وهو يضحك، فلم أجد إلا فراغاً. بدأتُ أنسى طفولتي. وبدأتُ أفهم أن الأجساد لا تأخذ مكانها فقط، بل تأخذ مكان ما كان فيها.

الفصل الثالث والعشرون: البحث عن العجوز

أخرجتُ الورقة الصغيرة من درج مكتبي، وقرأتُ العنوان للمرة العاشرة. حي الميناء، زقاق الصيادين، البناية الأخيرة. ذهبتُ إليها وحدي في المساء، بساق تمشي بخطى عسكرية ويد ترتجف في جيبي.

كانت بناية مهجورة، نوافذها مكسورة، وعلى بابها نحاسية صدئة، لا يُقرأ منها سوى حرفين. صعدتُ الدرج المتآكل إلى غرفة في الطابق الثالث، وفيها كرسي واحد ومكتب قديم وستائر ثقيلة كستائر عيادتي. وفي الزاوية جلس العجوز، صغيراً ومنكمشاً في معطفه، يحدق في الجدار.

قال دون أن يلتفت: «ظننتُ أنك لن تأتي.»

جلستُ أمامه. وحين التفت أخيراً، رأيتُ في وجهه ما لم أره في المرة الأولى: فراغاً. لم يكن فيه شيء. كانت عيناه كنافذتين لا خلفهما غرفة. قال: «كنتُ طبيباً مثلك. بدأتُ بيد ثم بصوت ثم بقلب. ولم أتوقف حتى لم يبق مني شيء أعرفه. ولا أذكر الآن اسمي.»

سألتُه: «كيف أتوقف؟»

«أن تعيدهم كلهم إلى أصحابهم، ما أخذتَه وما لم تأخذه. ولن يبقى منك شيء، لأنه لم يبق منك شيء أصلاً.» ثم نظر إليّ نظرة طويلة وقال بصوت منخفض: «لكنني لن أعطيك ما تطلبه يا كريم. أنا أحذرك فقط. هل تعرف لماذا بدأتَ؟»

قلتُ: «لأنني أردتُ مساعدتهم.»

ابتسم ابتسامة حزينة، وعاد إلى الجدار. ولم يقل شيئاً بعدها. وخرجتُ من الغرفة، وسؤاله يمشي خلفي على الدرج، يطرق بهدوء على كل خطوة.

الفصل الرابع والعشرون: الانعزال

انعزلتُ تماماً عن العالم الخارجي. أطفأتُ أنوار العيادة وأوصدتُ الأبواب. كنتُ أجلس وحدي في الظلام، بينما كانت الأصوات داخل رأسي تعلو وتصخب كأمواج عاصفة.

«أنا لم أقتل القطة!» كان صوت يوسف يصرخ بمرارة.

«أنا بريء من الحادث!» كان صوت صالح يصرخ في أذني اليسرى.

«أنا لم أستطع الصراخ!» كانت مريم تبكي في حنجرتي.

وكان حمدي يعدّ الغرف المحترقة، ورائد يطلب الإذن بالانسحاب، وياسر يتوسل أن أتركه يموت، وفتحي يتمتم دعاءً لم أفهمه. أمسكتُ برأسي بين يديّ المختلفتين في الشكل والملمس، وصرختُ بأعلى صوتي: «اكفّوا عن الكلام! ارحموني!» لكن لا أحد استجاب. كنتُ سجنهم الأخير، وكانوا جلّادي في آنٍ واحد.

صعدتْ ليلى إلى بابي في إحدى الليالي وطرقته دون أن تقول شيئاً. وقفتْ هناك طويلاً، وسمعتُ أنفاسها خلف الخشب. ثم سمعتُها تضع شيئاً على الأرض وتنصرف. حين فتحتُ الباب وجدتُ صحناً من الأرز الدافئ، وورقة صغيرة: «لا يجب أن تجوع وأنت تفكر.» أكلتُ كله وأنا أبكي، وأنا لا أعرف من منا كان يبكي: أنا أم الأجساد.

الجزء الرابع: التحرير

الفصل الخامس والعشرون: المرآة

وقفتُ أمام مرآة الحمام الكبيرة، ونزعتُ معطفي وقميصي لأرى الحقيقة كاملة. لم يكن هناك أي جزءٍ أصلي يعود لكريم الطفل العادي. الصدر لحمدي، تشقه ندوب النار. الذراع اليمنى لصالح، تحمل ارتجاف الموت على الأسفلت. اليد اليسرى لياسر، مليئة بآثار الكراهية. الساق لرائد، تصر على الركض. والجلد مرقّع بندوب لا تنتهي، وكأن جسدي كتاب كتبه عشرات الكتّاب ولم يقرأه أحد.

نظرتُ إلى وجهي، وجهي الوحيد الذي لم أستبدله، فرأيتُه غريباً أيضاً. عيناي حمراوان من البكاء والسهر، وشفتاي ترتجفان، وفي ملامحي شيء من وجوه كثيرة، كأن كل من أخذتُ منه ألماً ترك على بشرتي بصمة صغيرة.

سألتُ المرآة بدموعٍ حارقة: إذا استبدلنا كل جزءٍ فيك، فهل تظل أنت نفسك؟

جاءني الجواب من انعكاس صورةٍ مشوهة تجمع ملامح عشرات البشر. لم أعرف إن كان صوتاً حقيقياً أم صدى داخلياً، لكنه خرج واضحاً كأنه ينطق من فم واحد: «لم يعد هناك كريم يا كريم... لقد انتهيتَ، وبقينا نحن!»

ولم أرد. أخذتُ أحدّق في الوجه المتعدد، فرأيتُ للحظة، في أعمق نقطة من العينين، طفلاً صغيراً يقف عند نافذة، لا يتكلم، ولا ينادي أحداً. ثم اختفى الطفل، وبقي الوجه الغريب يحدق بي في صمت.

الفصل السادس والعشرون: القلب يتباطأ

في تلك اللحظة، شعر قلبي بتباطؤ شديد. لم يكن قلباً بشرياً عادياً، بل كان مجموعة نبضات مجزأة استعرتُها من فتحي حين كان على وشك الموت. كان ينبض ببطء، ثم يتوقف، ثم يعود فجأة بعنف يهزّ صدري.

جلستُ على حافة حوض الاستحمام، ووضعتُ يدي على صدري. حاولتُ أن أعدّ النبضات، فتعارضت الأرقام في رأسي: صوت رائد يعدّ بإيقاع عسكري، وصوت مريم تهمس بإيقاع أغنية، وصوت حمدي يعدّ الغرف المحترقة. لم أعد أعرف من فيهم يعدّ نبضي.

أدركتُ أن النهاية قد اقتربت. إذا استمر هذا التنافر، فسوف ينفجر جسدي من كثرة الهويات المتصارعة داخله. لم يعد أمامي وقت. وكان عليّ اتخاذ قرارٍ أخير؛ إما أن أستسلم وأتركهم يحتلون كياني بالكامل، فأتحول إلى ذلك العجوز في حي الميناء، فارغاً ينظر إلى جدار. أو أن أجد طريقةً لتحرير الجميع، حتى لو كان الثمن هو فناء هذا الجسد المجمَّع.

تذكرتُ سؤال العجوز: «هل تعرف لماذا بدأتَ؟» وتمنيتُ في تلك اللحظة أن أملك جواباً. لكن جواباً لم يأتِ، وبقي قلبي يضرب في صدري كطرق على باب لا يُفتح.

الفصل السابع والعشرون: القرار

عند أول خيط من الفجر، سمعتُ طرقاً خفيفاً على باب العيادة. كانت ليلى. لم تحمل هذه المرة طعاماً. وقفتْ هناك وقالت بصوتها الذي يعرف كيف يخفي الخوف: «افتح يا كريم. لن أطلب منك شيئاً. أريد أن أراك فقط.»

تحركتُ نحو الباب بساق تمشي كما تشاء، وفتحتُه. نظرتْ إليّ، إلى الجسد المرقع وقد غطيتُه بمعطفي، وإلى العينين المتعبتين. لم تتراجع. سألتني: «هل تريد أن تخبرني؟»

حكيتُ لها كل شيء، ببطء وبصوتي المبحوح. حكيتُ لها عن الفتى والقطة، وعن الليلة الأخيرة، وعن النافذة. وعن الأذرع والحنجرة والقلب، وعن العجوز، وعن الأصوات. لم تقاطعني. وحين انتهيتُ، قالت بهدوء: «أصدقك.» ثم أضافت: «ولا أريدك أن تموت لتصحح خطأ لم ترتكبه.»

قلتُ: «لا يوجد حل آخر. إن بقيتُ فسأتحول إلى شيء لا أعرفه. أريد أن أعيدهم إلى أنفسهم قبل ذلك.»

أمسكتْ بيدي، اليد الغريبة، فلم ترتجف هذه المرة. قالت: «إذن لن أتركك وحدك.» وجلستْ عند عتبة الباب، وقالت: «سأنتظر هنا.» نظرتُ إليها طويلاً، وأردتُ أن أقول شيئاً أكبر من شكر وأصغر من وداع، فلم أجد كلمة واحدة.

الفصل الثامن والعشرون: التحرير العظيم

فتحتُ باب العيادة على مصراعيه مع أول ضوءٍ للفجر. لم أستقبل مريضاً جديداً، بل جلستُ على كرسيّ الفحص وأغلقتُ عينيّ بقوة، وبدأتُ أستحضر كل صدمة، وكل ذنبٍ حملتُه بإرادتي طوال السنين الماضية.

ركّزتُ طاقتي الداخلية وروحي المنهكة، وبدأتُ أدفع تلك الأجزاء المستعارة إلى الخارج. شعرتُ بألمٍ أشد فتكاً من أي وقتٍ مضى، وكأن روحي تُمزَّق إرباً. كنتُ أنادي أصحابها بأسمائهم، واحداً واحداً: يوسف، صالح، مريم، حمدي، رائد، ياسر، فتحي. وكلما ناديتُ اسماً، انفلتت من جسدي قطعة ورقّت كالدخان.

لم تعد الأعضاء تعود إلى أصحابها على هيئتها القديمة، لقد تحولت وهي تفارقني إلى شيء أخف: دمعة تُسكب في مطبخ، ونفَس عميق في ثكنة، وذكرى تعود إلى رجلٍ أمام بيت محترق. وفي كل مكان، في لحظة واحدة، استيقظ ناسٌ تذكروا ما أنكروه، وبكوا ما كتموه، وحملوا من جديد ما سُلب منهم، لكنهم حملوه هذه المرة وهم أقوى.

بدأتْ أجزاء الجسد الغريبة تتساقط وتتوارى. وعاد لكل صاحبٍ ذنبه وألمه، بينما كنتُ أتلاشى ببطء، مفارقاً ذلك العبء الهائل. وسمعتُ من بعيد صوت ليلى تنادي اسمي، ولم أستطع أن أجيب.

الفصل التاسع والعشرون: الفراغ

سقطتُ على أرضية العيادة الباردة. كان السكون تاماً ومطلقاً داخل رأسي لأول مرة منذ سنوات. لم تعد هناك أصوات. لم تعد هناك جوقة صاخبة. ولم يعد هناك شعورٌ ثقيل بالذنب يخنقني.

نظرتُ إلى يدي؛ كانت مجرد طيفٍ شفاف، أو ربما ذكريات خافتة لطفلٍ عادي كان يحب والديه رغم قسوتهما. وسمعتُ خطوات ليلى تقترب، وسمعتُ نَفَسها يتقطع حين رأتني. جلستْ بجانبي على الأرض ووضعت رأسي على ركبتيها، وأنا لا أشعر بجسدي أصلاً.

أدركتُ حينها معنى الوجود الحقيقي: الهوية ليست في اللحم والدم، بل في القدرة على التضحية من أجل إيجاد المعنى. قلتُ لنفسي إن هذا هو الجواب، وإنني بذلتُ كل شيء من أجل شيء له قيمة. وارتحتُ لهذه الفكرة، كما يرتاح من يجد سريراً في ليلة طويلة.

لكن شيئاً صغيراً، في الزاوية الأخيرة من وعيي، لم يرتح. كان يشبه نظرة العجوز، ويشبه ظل الطفل في المرآة، ويشبه سؤالاً لم يُطرح بعد. وحين أحسستُ به، كان قد بدأ يتشكل.

الفصل الثلاثون: من أنا حقاً؟

أغمضتُ عينيّ للمرة الأخيرة وأنا أبتسم في ظلام العيادة الهادئ.

اختفت الأجزاء، وتلاشت الأجساد المستعارة، ولم يبقَ سوى السؤال القديم يتردد في صمت الكون الواسع: إذا استبدلنا كل جزءٍ فيك، هل تظل أنت نفسك؟

وربما، في مكانٍ ما خلف هذا العدم، وُلد كريم من جديد... طفلاً بريئاً ينتظر عودة أبيه، لكنه هذه المرة يعرف تماماً كيف يختار طريقه بنفسه. وربما سيقف عند النافذة، وينادي.

وسمعتُ، وأنا أغيب، صوت ليلى تهمس باسمي، وصوتاً آخر بعيداً يشبه صوت أمي، وصوتاً ثالثاً هو صوتي الأول، الذي لم يعد مبحوحاً ولا مستعاراً، وهو يرتفع من أعماق لا قاع لها.

غير أن سؤالاً أخيراً ظل معلقاً في الفراغ، أشد قسوة من كل ما سبقه، ولا أحد يجيب عنه:

هل كنتُ أحاول مساعدة الناس حقاً، أم كنتُ أبحث عن هويةٍ لنفسي؟

تابع جديد Mohamed Osama

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق