In this article
ما تركته لي أمس
الفصل السابع والعشرون: خمسون كوب
سمعت ليلى صوت الآلة قبل أن تراها تعمل هدير نحاسي عميق كأن في جوف الجدار حيواناً يستيقظ
«رفعت رانيا حاجبها »
لم آمر بالتشغيل
قالت ليلى
«أنا طلبتُ»
أخبرتكِ أنني أريد صنع القهوة الأخيرة بنفسي
«لم تقولي ذلك»
«لقد قلته الآن»
تقدمت إلى الآلة و أمسكت الإبريق الأول رأت بخارًا أبيض يتصاعد وسمعت صوت قطرات داكنة تسقط في الوعاء بدأت تصب في الأكواب كوباً بعد كوب أمام وجه بعد وجه وهؤلاء الذين لم يسألوها عن شيء ولم ينظروا إليها صبت
لرقم ١
للرقم ٢
للرقم ٣
عند الرقم ٩ لاحظت أن إحدى النساء تحدق في الكوب بتجهم غريب كأنها تتذكر أنها لم تحب القهوة قط
قالت رانيا بنبرة تغيرت
«ليلى لا تتصرفي بحماقة»
وصلت ليلى إلى الرقم ٣٥ رجل عجوز بشارب أبيض يمدّ يده المرتعشة نحو الكوب قبل أن يصُب رفع عينيه إليها فرأت فيهما عينين ابنة تبحث عن أمها
قالت
اشرب يا عمّ
شرب الرقم ٣٥
لم يحدث شيء لثلاث ثوانٍ طويلة
ثم أسقط الكوب تحطم على الأرض البيضاء بصوت كالجرس وانفجر الرجل في صرخة طويلة صرخة من يستيقظ على ما نزُع منه ثم ركع ثم بكى بصوت عالٍ ثم قال اسمًا «سلمى»
وانفتحت القاعة كلها كالجرح
واحد بعد آخر رأت ليلى الوجوه تنكسر صرخة امرأة وتمتمة رجل بأسماء أطفاله وصوت كوب آخر يسقط وثالث ورابع
كلهم يتذكرون في آن واحد بعضهم ينهض بعضهم يتشبث بالطاولة بعضهم يحدقّ في اللا شيء
«صرخت رانيا للحارسين»
الإنذار أطفئوا القهوة
لكن الحارس الذي في الباب لم يتحرك الحارس الذي وقف إلى جانبه الشاب بوجه الجندي المتعب دخل القاعة للتو مرتجفًا ويده على صدره
نظرت ليلى إلى بطاقته الصغيرة فرأت الرقم ٤٢ مطرزًا تحتها بخيط أزرق
«قال الحارس بصوت مبحوح»
«أنا أيضًا كنت في الصف»
ورفع المسدس لا نحو ليلى نحو رانيا
الفصل الثامن والعشرون: السلم الحلزوني
لم تقف رانيا لتتفاوض في لحظة الفوضى حين ارتفعت أصوات الناس وتشابكت الأيدي ركضت نحو سلم الطوارئ في الجدار الخلفي ودفعت الباب الحديدي وصعدت
« صاح الأستاذ حين عاد من الممر وقد بدا أكبر بعشر سنوات وأقوى بعشرين»
اللحاق بها هي ذاهبة إلى الأعلى إلى الطفل
ركضت ليلى خلفها ركض الخمسون لم تدرِ متى انضموا أصوات خطواتهم على الدرج الحلزوني كانت كالمطر على صفيح وفوقهم كلهم نور خافت من جهة الأعلى وصلت إلى القاعة العليا أولاً
قاعة الأسرّة الحديدية النوافذ المحطمة والمطر يدخل من خلالها.
رجلان في السواد يقفان قرب الباب وبينهما رجل ثالث يمسك سامر من ذراعه وسامر ينزف من حاجبه
وعند النافذة الأخيرة نظرت رانيا إلى البحر المظلم وفي ذراعيها طفل ملفوف ببطانية خضراء
كان يوسف مستيقظاً صامتاً عيناه واسعتان
«قالت رانيا من دون أن تلتفت»
لا تقتربي أعرف الحارس الذي في السقف
توقفت ليلى خلفها على السلم سمعت الخمسين يتوقفون أيضًا ينتظرون رانيا
الدم يا ليلى فيه كل ما أردتهُ فيه ما يجعلني أنام بلا أحلام استدارت فرأت ليلى وجهها لأول مرة بلا ابتسامة وجه امرأة مرهقة جداً أرهقها الحلم الذي لم تنمه أتعرفين لماذا أنا هنا ابنتي ماتت وكان في دماغها أجمل ما ورثته عني وفقدتهُ كله لم أستطع أن أنسى وهذا… هذا وعدني بالنسيان
ما يعدك بالنسيان هو ما يأخذ منك ما تحبين
«أعرف»
«ثم لماذا»
بكى الطفل بصوت خافت هو الذي لم يبكِ منذ الصباح
نظرت رانيا إلى الوجه الصغير الذي بين ذراعيها وتجمدت كأن أحداً كشف لها شيئاً
ثم رفعته ببطء ومدتّه إلى ليلى
Keep up with Mohamed Osama
Choose site notifications, email, or both. Guests can subscribe by email without an account.
Report this article
Tell our review team about a problem with this content. Your details will not be shown to the author or other readers.
Your report could not be sent. Please try again later.
Sign in to report an article


Discussion
comments (0)
Share a perspective. Start a thoughtful conversation.
please login to be able to comment