في هذا المقال
ما تركته لي أمس
الفصل الخامس والعشرون: صباّح الخير يا ليلى
لم يوقفهما أحد عند البوابة الحديدية.
السلسلة اللامعة نفسها لكن القفل هذه المرة مفتوح كاملاً والمصراعان
مواربان كأن أحداً خرج للتو
همس الأستاذ
«ينتظروننا»
«بالطبع»
مشيا في الممر الطويل القاعة ذات الأسرّة الحديدية خالية الآن من البكاء وعلى طاولة التمريض نفسها التي كانت عليها الدفاتر دفتر جديد وكوبان من قهوة ساخنة يتصاعد منهما بخار حقيقي وبينهما بطاقة صغيرة كتُب عليها بخط أنيق: تفضلا
قال الأستاذ
«لا تلمسيها»
لكن ليلى كانت تنظر إلى الجدار خلف الطاولة الجدار الذي لم تلاحظه من قبل فيه باب حديدي منخفض نصف مفتوح ينحدر منه سلم حلزوني إلى ظلام تفوح منه رائحة معدنية وبرودة مخبأة
نزلا ضخمسة عشر درجة ثم ثلاثون ثم لم تعد ليلى تعدّ حتى بلغا ممرًا طويلاً مضاءً بنيون أبيض، جدرانه مكسوة ببلاط أخضر شاحب وأبواب على الجانبين بلا مقابض ثم قاعة كبيرة في نهاية الممر بابها الزجاجي مفتوح
قاعة الطعام
كانت واسعة، مضاءة نظيفة بشكل مؤلم وفي وسطها طاولات طويلة بيضاء وعلى الطاولات يجلس رجال ونساء في ثياب بيضاء متشابهة كل واحد أمام كوب فارغ وعلى صدر كل منهم رقم مطرز بالأزرق الداكن
١، ٢، ٣…
كانوا يجلسون بصمت وجوههم هادئة عيونهم مفتوحة لا أحد ينظر إلى أحد تسعة وأربعون إنساناً
ينتظرون كوباً من القهوة
في آخر القاعة، بجانب آلة القهوة النحاسية الضخمة، وقفت الدكتورة رانيا حداد، بمعطفها الأبيض، ترتشف بهدوء من فنجان صغير
« قالت »
صباح الخير يا ليلى أو مساء الخير أنا لا أميزّ الأوقات هنا
ثم أشارت بيدها الحرة نحو شاشة معلقة على الجدار
على الشاشة كان رصيف الميناء في الغسق وفي الصورة سيارة التوصيل البيضاء وسامر راكعاً بجانبها ويداه خلف رأسه ورجلٌ في ثياب سوداء يحمل بين ذراعيه كتلة صغيرة ملفوفة ببطانية خضراء زيتية تأخرتِ
بدقائق عن الكاميرا الأولى
«قالت رانيا بلطف»
لكنني سأقول لكِ ما قلته لكِ مئتي مرة.
لا تقلقي لن يتأذى هو في أيدٍ أمينة
الفصل السادس والعشرون: القهوة الأخيرة
لم تصرخ ليلى كان في جسدها هدوء غريب كالذي يسبق السقوط حين يتوقف الخوف لأنه لم يعد له مكان
قالت
ما الذي تريدينه
«أجابت رانيا بصدق»
أريد الراحة أريد أن ينتهي هذا أنتِ تعبتِ وأنا تعبت سنشرب قهوة أخيرة كلنا معاً ثم تنسين ما تشائين وأحتفظ أنا بالطفل في مكان دافئ يحبه لا أحد يتألم
نهاية طبيعية لتجربة طويلة.
« رفعت كتفيها »
لا أستطيع أن أتركهم يخرجون يا ليلى بعضهم رأى ما لا يجب أن يرُى
«وأنا»
أنتِ ستنامين ثم تستيقظين على قهوة جديدة
نظرت ليلى إلى الأستاذ كان قد خطا خطوة نحو الطاولة الطويلة ويده في جيب سترته لم ترَ ما فيه لكنها رأتهْ يبتسم ابتسامة غريبة صغيرة ابتسامة أستاذ يتذكر درسًا نسيه الجميع
«قال»
سامحيني يا رانيا أحتاج دورة المياه في عمري لا أستطيع الانتظار
ضحكت رانيا ضحكة قصيرة حقيقية
أنت لا تتغير يا أستاذ أرسلوا معه رجلا
خرج إلياس يتبعه حارس كان الحارس شاباً في الثلاثين بوجه متعب يحمل على صدره بطاقة صغيرة
ولاحظت ليلى دون أن تعرف لماذا أن الحارس نظر إلى الأستاذ بنظرة جندي أمام ضابط قديم
قال الحارس حين ابتعدا في الممر بنبرة لم يستطع إخفاءها يا دكتور لم نعتد أن
قال إلياس بصوت قصير حاسم صوت الستين سنة الأولى من عمره والباب الأحمر على اليمين
أنا مديرك افتحه
تردد الحارس نصف ثانية
ثم فتحه
كان المخزن صغيرًا ومرتباً تصطف فيه أكياس البن الفاخر بملصقات المعهد وعلب أقراص بيضاء وصندوق خشبي مكتوب عليه المرساة — الإغلاق.
وعلى الرف الأوسط قمع نحاسي ضخم متصل بأنبوب يمتد حتى سقف الغرفة
أخرج الأستاذ من جيب السترة كيسًا صغيرًا من الورق لم تعرف ليلى حينها ولم يعرف هو متى دسّه سامر فيه قبل أن يغادرا السيارة
فتحه رائحة البن الحقيقي الحلو والمحروق قليلاً ملأت المخزن
« همس الحارس»ماذا تفعل
لم يجب إلياس سكب الكيس في القمع حبة بعد حبة كمن يتلو دعاءً ثم أدار المفتاح الأخضر على الجدار
في الأعلى في القاعة هدرت آلة القهوة العملاقة وبدأت تعمل
تابع جديد Mohamed Osama
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق