في هذا المقال

المحطة التي لا تظهر على الخرائط: نداء استغاثة من وسط العاصفة
كانت الساعة تقترب من الثانية صباحًا عندما انقطعت الاتصالات مع فريق الأبحاث القطبي المكوّن من أربعة أشخاص. لم يكن ذلك أمرًا غريبًا في تلك المنطقة، فالعواصف الثلجية كانت قادرة على تعطيل أجهزة الاتصال لساعات طويلة.
لكن الغريب أن جهاز الطوارئ استقبل رسالة قصيرة من مصدر مجهول:
"لا ترسلوا أحدًا لإنقاذنا... نحن لسنا وحدنا هنا."
كان قائد الفريق، يوسف، قد سمع الرسالة قبل اختفاء الإشارة بدقائق. حاول الاتصال بالمحطة الرئيسية، لكن لم يتلقَّ سوى صوت تشويش متقطع.
كان الفريق قد ضل طريقه بعد أن غطت الثلوج علامات المسار، ولم يعد أمامهم سوى البحث عن مكان يحتمون فيه حتى تهدأ العاصفة.
وبعد ساعة من السير، لمحوا مبنى معدنيًا ضخمًا وسط البياض.
كانت فوق بابه لافتة صدئة كُتب عليها: "محطة الشمال - 04".
دخل الأربعة بسرعة، وأغلقوا الباب خلفهم. كان المكان باردًا، لكنه أكثر دفئًا من الخارج. وجدوا طاولة عليها أكواب قهوة قديمة، ودفتر ملاحظات مفتوحًا، وجهاز راديو يعمل رغم أن الكهرباء مقطوعة.
قال أحدهم مازحًا:
"واضح إن حد كان هنا من شوية."
لكن يوسف لم يضحك.
فتح دفتر الملاحظات، فوجد صفحات مليئة بالتواريخ والأسماء. وفي آخر صفحة كانت هناك جملة مكتوبة بخط مرتجف:
"إذا سمعت صوت زميلك يناديك من الخارج، لا تفتح الباب. حتى لو رأيته بعينيك."
في تلك اللحظة، سمعوا طرقًا على الباب.
ثلاث طرقات بطيئة.
ثم جاء صوت من الخارج:
"يوسف... افتح، أنا سامح."
نظر يوسف إلى سامح الواقف بجواره.
كان وجهه قد تحول إلى اللون الأبيض.
همس سامح:
"ده مش أنا."
تراجع الجميع عن الباب. وبعد ثوانٍ، جاء الصوت مرة أخرى، لكن هذه المرة كان صوت يوسف نفسه:
"افتحوا الباب... أنا واقف في الخارج."
لم يتحرك أحد.
فجأة اشتغل جهاز الراديو، وخرج منه صوت رجل مسن يقول:
"لقد وصلتم إلى المحطة الخطأ. هذه ليست محطة أبحاث."
سأله يوسف بصوت مرتجف:
"إنت مين؟"
أجاب الصوت:
"أنا آخر شخص خرج منها... منذ سبعة عشر عامًا."
ثم انقطع الاتصال.
قرر الفريق البحث عن مخرج خلفي، لكنهم اكتشفوا أن الممرات أطول بكثير مما تبدو عليه من الخارج. كل باب يفتحونه كان يقود إلى غرفة مختلفة، والغريب أن بعض الغرف كانت تحتوي على صور لهم وهم نائمون داخل المحطة.
في إحدى الغرف، وجد يوسف شاشة مراقبة تعرض الممر الرئيسي.
ظهر الأربعة على الشاشة واقفين أمام الباب.
لكن الصورة كانت مختلفة.
في الشاشة، كان هناك خمسة أشخاص.
الشخص الخامس كان يقف خلفهم مباشرة، طويلًا بشكل غير طبيعي، ورأسه مائل إلى الجانب.
استدار يوسف بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
عندما عاد إلى الشاشة، وجد الشخص الخامس يقترب من الكاميرا، حتى ملأ وجهه الشاشة بالكامل.
ثم ظهرت رسالة مكتوبة:
"لقد عرفتم الآن أنكم لستم أول من وصل."
بدأت الأنوار تنطفئ واحدة تلو الأخرى. ركض الفريق نحو الباب الرئيسي، لكنهم وجدوا الثلج قد اختفى من الخارج.
لم يكن هناك عاصفة.
ولم تكن هناك أرض بيضاء.
كان أمامهم ممر طويل مظلم، وعلى جانبيه أبواب تحمل أسماء أفراد الفريق وتواريخ ميلادهم.
فتح سامح أحد الأبواب دون تفكير.
صرخ عندما رأى نفسه جالسًا في الداخل، أكبر بعشرات السنين، يحدق فيه ويقول:
"أخيرًا رجعت... كنت مستنيك."
أغلق الباب بقوة، لكن صوت الطرق بدأ يأتي من جميع الأبواب في الوقت نفسه.
ثم سمعوا صوت يوسف من جهاز الراديو:
"لو حد استقبل الرسالة دي... متدورش علينا."
وفي صباح اليوم التالي، وصلت بعثة إنقاذ إلى الإحداثيات التي أرسلها الفريق قبل اختفائه.
لم يجدوا محطة، ولا مبنى، ولا حتى آثار أقدام.
وجدوا جهاز راديو صغيرًا مدفونًا تحت الثلج.
وعندما شغّلوه، خرجت منه أصوات أربعة أشخاص يصرخون طلبًا للمساعدة.
كان آخر صوت هو صوت يوسف، يقول بهدوء:
"إحنا خرجنا خلاص... بس في حد رجع مكاننا."
ومنذ ذلك اليوم، كلما ضربت عاصفة ثلجية المنطقة، تلتقط أجهزة الرادار إشارة من مكان المحطة المفقودة.
والرسالة دائمًا واحدة:
"الليلة الجو برد... افتحوا الباب."
تابع جديد Ahmed Naser
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق