صدى الساقية المهجورة

صدى الساقية المهجورة
كانت الساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً عندما توقفت سيارة يوسف الرمادية أمام بيت جده القديم في أطراف القرية المهجورة. المكان هنا تفوح منه رائحة الطمي، والرطوبة العفنة، ونبات الحلفاء الذي نما بغزارة وتوحش لدرجة أنه غطى معظم معالم الطريق الضيق. الهدوء في هذه البقعة من العالم ليس مهدئاً للأعصاب كما يظن سكان المدن، بل هو صمت ثقيل، خانق، كأن القرية بأكملها جثة هادئة تحبس أنفاسها الأخيرة تحت وطأة الظلام الدامس.
جاء يوسف لغرض واحد محدد لم يرد تأجيله يوماً آخر: إنهاء إجراءات بيع بيت جده والأرض الزراعية المحيطة به ليتخلص من ديونه وأعبائه المادية التي كادت تخنق حياته في العاصمة. لم يكن يؤمن بخرافات الفلاحين ولا بأساطير العجائز عن "الأرض التي ترفض الغرباء" أو "الساقية التي تسكنها العمار". بالنسبة لشاب متعلم مثله، يعمل مهندساً ويعيش وسط صخب التكنولوجيا، كل هذه الحكايا كانت مجرد خزعبلات قديمة ووسائل بدائية لتخويف الأطفال الصغار ومنعهم من الخروج ليلاً.
ترجل من سيارته، وفتح الحقيبة الخلفية ليخرج حقيبة سفره الصغيرة. وضعها على المقعد الخشبي المتهالك في رواق المنزل الذي غطته أتربة السنين. وقبل أن يستدير ليغلق الباب الخارجي الخشبي الثقيل، اخترق الصمت الساكن صوتٌ غريب جعل شعيرات جسده تقف رعباً.
"صريييير... صريييير..."
كان صوتاً معدنياً خشبياً مألوفاً جداً لسمعه، لكنه مستحيل تماماً في هذا الوقت وفي هذه الظروف. إنه صوت الساقية القديمة الموجودة في أقصى طرف الأرض، خلف أشجار الجميز العتيقة. خرج يوسف ببطء إلى الشرفة الواسعة المطلة على الحقول المظلمة. كانت الرياح ساكنة تماماً، لا تتحرك فيها ورقة شجر واحدة، والأشجار واقفة كالأشباح في الظلام، لكن الساقية البعيدة كانت تدور! لم تكن تهتز فحسب، بل كانت تدور بسرعة منتظمة وقوة مخيفة، وكأن هناك ثوراً ضخماً خفياً يجترها في عتمة الليل، أو كأن هناك يداً غير مرئية تديرها بعنف.
شعر بقشعريرة باردة تسري في عموده الفقري كأنها قطعة ثلج. ضغط على أسنانه محاولاً استجماع شجاعته، وقال لنفسه إنها مجرد رياح علوية لا يشعر بها هنا، أو ربما بعض اللصوص أو المشردين يحاولون العبث بالمكان. أخذ كشافه اليدوي الضخم، وتوجه نحو الحقل بخطوات حذرة، حذاءه يغوص في التراب الناعم.
كلما اقترب يوسف من الساقية، كان صوت صرير الخشب يتصاعد ويزداد حدة، حتى بدا وكأنه ليس احتكاك خشب، بل أشبه بصراخ بشري مكتوم، أو أنين يصدر من حنجرة ممزقة. عندما وقف على بعد خطوات قليلة، وجه ضوء كشافه القوي نحو قلب الساقية، وهنا تجمد الدم في عروقه وتيبّت قدماه في مكانهما كأنه صُب في قالب من الإسمنت.
لم تكن الساقية ترفع ماءً من البئر العميقة. كان السائل الذي يتدفق بغزارة من القواديس الفخارية القديمة ويتسرب إلى قنوات الأرض وجداولها سائلًا لزجاً، داكناً، وله رائحة حديدية نفاذة تزكم الأنوف... كان دماً قانياً يتخثر فوق الطين!
حاول يوسف التراجع خطوة إلى الخلف، لكنه شعر فجأة بأن الطين تحت قدميه لم يعد مجرد تراب ومبتل؛ لقد بدا وكأنه حي، يتحرك، يتمسك بحذائه بقوة ويسحبه ببطء نحو الأسفل. التفت برعب ليعود أدراجه نحو المنزل، فإذا بضوء كشافه المهتز يسقط على ظلال سوداء طويلة تتحرك بسرعة خاطفة ومريبة بين أعواد الذرة العالية المحيطة به. وفي تلك اللحظة، بدأت همسات خافتة ومتداخلة تملأ الفراغ من حوله، أصوات تشبه فحيح الأفاعي، تبدو وكأنها تنبعث من باطن الأرض الخصبة نفسها: “لقد عاد الدم... عاد الوريث... حان وقت السداد...”
فجأة، ودفعة واحدة، توقفت الساقية عن الدوران. حل صمت رهيب ومطبق لثانية واحدة، ثانية بدت كأنها دهر كامل. ثم، وببطء شديد، انبعث من جوف بئر الساقية المظلم وجه مشوه. كانت ملامحه مغطاة بالطين الأسود والدم الجاف، وعيناه لم تكن عيوناً بشرية، بل تجويفان فارغان يشعان بنور أبيض باهت ومخيف.
رغم التشوه والظلام، عرف يوسف هذا الوجه تماماً؛ إنه وجه جده! الجد الذي قيل للعائلة بأكملها منذ عشرين عاماً إنه مات غرقاً في الترعة المجاورة في حادث مأساوي. لكن الملامح الآن لم تكن تعبر عن طيبة الجد المعهودة، بل كانت تقطر بغلٍّ وحقد دفينين، وفمه انفتح عن آخره ليصدر منه نفس صوت الصرير المقبض: “صريييير...”
انطلق يوسف راكضاً برعب لم يختبره بشر من قبل. سقط أرضاً، ونهض، والطين الثقيل يلتصق بملابسه ويحاول إعاقة حركته، والهمسات من حوله تحولت فجأة إلى ضحكات ساخرة صاخبة تتردد أصداؤها في أرجاء المكان. كان يشعر بأنفاس باردة تلاحق عنقه وكأن الموت يركض خلفه مباشرة.
وصل إلى باب المنزل بأعجوبة، ألقى بنفسه في الداخل، وأغلق الباب الخشبي الثقيل وألقى بالمزلاج الحديدي، ثم انهار جالساً خلفه، يتنفس بصعوبة بالغة، وقلبه يدق بعنف لدرجة أنه شعر بأنه سيقفز من صدره. تلمس جسده ليتأكد أنه لا يزال حياً، وظن للحظة وجيزة أنه نجا من ذلك الكابوس.
لكن النجاة كانت وهماً. سمع صوت قطرات منتظمة تسقط فوق رأسه.
تطلع ببطء شديد وبعينين متسعتين إلى سقف الغرفة الخشبي. لم يكن السقف يسرب ماء المطر، فالماء لا يكون بهذا اللون... كان ينضح بدم أحمر قرمزي، يسيل بغزارة على الجدران البيضاء كأنه شرايين ممزقة. ومن بين شقوق الخشب القديم في السقف، بدأت تخرج أصابع طينية سوداء، طويلة ونحيفة، تحاول التشبث والنزول لأسفل.
وفي الركن المظلم تماماً من الصالة، وسط هذا الرعب، رأى يوسف مجسماً صغيراً. كانت الساقية الخشبية المصغرة التي كان جده قد صنعها له بيده كلعبة يسلي بها وقته في طفولته عندما كان يزور القرية. تلك اللعبة القديمة المركونة على الرف منذ عقود، بدأت تدور هي الأخرى بعنف على البلاط، وتتحرك من مكانها مقتربة منه، وهي تصدر ذات الصرير الباعث على الجنون: “صريييير... صريييير... صريييير...”
انطفأ الكشاف اليدوي فجأة، وابتلع الظلام صراخ يوسف الأخير.
مع أول شعاع لشموع الصباح التي بدأت تطرد خفافيش الليل، وصل السمسار المحلي إلى البيت لينهي مع يوسف عقد البيع المتفق عليه. دخل من الباب الذي وجده موارباً، وكانت الأوراق مرتبة وموضوعة بعناية على الطاولة الخشبية في الصالة، لكن يوسف لم يكن له أي أثر في أي مكان. الشيء الوحيد الغريب والمرعب الذي وجده السمسار، وجعل بدنه يقشعر، كانت آثار أقدام عارية، طينية وداكنة مخلوطة بالدم، تبدأ من منتصف صالة البيت، وتتجه بخطوات واسعة ومستقيمة مباشرة نحو الساقية المهجورة في الخارج... لتختفي عند حافة البئر تماماً، وكأن صاحبها قد قفز إلى الهاوية طواعية.