طيف الحارس القديم
طيف الحارس القديم
بقلم: سمر رمضان

في مساء يومٍ هادئٍ من أيام شهر يوليو الحارة.. لم يكن ذلك اليوم مثل بقية الأيام، بل كان جميلاً ومختلفاً؛ كانت الرياح تحمل نسمةً باردةً محببةً إلى قلبي، وتتلاعب بالأشجار يمنةً ويسرةً كأنها عرائس ماريونيت.
ولحسن حظي، فإن شرفتي تطل على الشارع الرئيسي، وتستقر أمامها ثلاث شجرات «فيكس» كبيرة تحجب عني رؤية الشارع، كما تحجبني عن أعين بعض المتطفلين الذين يفضلون وضع أعينهم داخل بيوتنا بدلاً من إبقائها في رؤوسهم!
كانت الأشجار تصدر حفيفاً خفيفاً مع كل حركة، وكان صوتها بالنسبة لي بمثابة سيمفونية عزف جميلة. جلستُ على سريري الصغير أراقب تمايل الشجر وأنصت لصوت حفيفه.. ولكن فجأة، انحرفت الشجرة عن مسارها لتميل نحو شرفتي، واقتربت حتى كادت أوراقها تلمس باب الشرفة الخشبي!
وهنا تسلل إليّ إحساس غريب لم أفهمه.. حاولتُ تجاهله، ولكن الشجرة لم تكف عن الاقتراب، وشعرتُ وكأنها تناديني بلهفة وتود أن تخبرني شيئاً ما!
حسنًا، أعلم أن ما أقوله يبدو غريباً.. وقد يعتقد البعض أنني غريبة الأطوار! وأحدثكم سراً: لستم الوحيدين الذين يظنونني هكذا.. وهذا يبدو طبيعياً بالنسبة لفتاة لا تشبه الأخريات؛ تخجل من التحدث مع الغرباء، وتحب العزلة.. لا تستهويها التجمعات والأماكن المزدحمة، ولا تضع مساحيق التجميل كبقية الفتيات، ولا تهتم بالموضة التي يقلدها الشباب كالقطيع..
لذلك يراني الكثيرون فتاة مملة ومختلفة، تعيش حياتها كالعجائز الذين يعشقون الهدوء والطبيعة، واحتساء القهوة، وسماع صوت الطيور، والتأمل في السماء والشجر والنجوم..
عفواً.. نسيت أن أعرفكم بنفسي..
أنا «نور» في رواية "أرى ما لا ترون: وهج العتمة".. الفتاة التي تحدت الصعاب وضعف البصر لتجعل من بصيرتها نوراً لكل فتاة فقدت النور في طريقها.. أو ربما أنا «ليال» الكاتبة التي تتلقى "دعوة من مجهول" في رسالة مكتوبة بماء الذهب.. الكاتبة التي لم يلمع نجمها في سماء الشهرة بعد، ولم يُقدر أحد كتاباتها لأنها ما زالت في بداية طريقها الأدبي.. أو ربما أنا «سلمى» في رواية "بيوت وهن".. بل أنا كل هؤلاء! أتنقل بين رواياتي التي كتبتها، أو ما زلت أكتبها، أو حتى تلك التي لم أكتبها بعد!
حسناً، دعكم من هذا ولنعد إلى ذلك المساء الهادئ قبل غروب الشمس بنحو ساعة تقريباً.. في ذلك الوقت كان الهواء يلوح بالشجرة يميناً ويساراً، وأثناء تأملي لها، انحرفت عن مسارها ومالت بفروعها نحو شرفتي.. حدث ذلك مراراً حتى خُيل إليّ أنها تريد أن تهمس لي بشيء ما!
انتفضتُ من سريري وتقدمتُ نحوها بخطوات وئيدة، وفي تلك اللحظة لامست أوراقها يدي، ومع كل صوت كانت تصدره، شعرتُ بها تهمس بشيء لا أفهمه! حتى صرتُ أحدث نفسي كالمجانين:
“ترى.. بمَ تريد أن تخبرني تلك الشجرة؟ آه لو كنت أفهم لغة الشجر!”
وفجأة.. خطر ببالي ذلك الشبح الذي يقطن بقبو (بدروم) البناية العالية المقابلة لي... هناك حيث الأسرار والأقاويل الشائعة التي يرددها بعض الناس: بأن تحت تلك البناية العالية يوجد عالم من الجن يحرسون ذهباً مدفوناً منذ عقود طويلة... هكذا كانت تقول تلك المشعوذة وأنها تراهم وتتحدث معهم! هناك بعض الناس الذين يصدقون تلك الشائعات، ومن وجهة نظري أنها خرافات يضحك بها الدجالون على الأغبياء حتى يسلبوهم أموالهم.
ولكن.. إذا كان عقلي يرفض تماماً ترهات تلك الدجالة، فكيف لي أن أفسر ما تفعله الشجرة الآن؟
أعدتُ نظري إلى تلك الفروع التي ما زالت تميل نحو شرفتي بإصرار غريب، وكأنها جسر ممتد يربط بين غرفتي الهادئة وبين عتمة ذلك البدروم المقابل. هل يمكن أن تكون الطبيعة أكثر صدقاً من البشر؟ هل تحاول الشجرة بجذورها الضاربة في أعماق الأرض أن تكشف لي سراً حقيقياً لا علاقة له بدجل المشعوذين وذهبهم المزعوم؟
اقتربتُ أكثر حتى كادت أوراق الشجرة تلامس وجهي، وفي تلك اللحظة، ومن زاوية رؤيتي الضيقة عبر الشرفة، لمحتُ حركة غريبة عند نافذة القبو…
تُرى هل هناك شبحٌ حقاً.. أم أنني أتوهم؟! يبدو أن ذلك الفيلم المرعب "The Nun" لا يزال يتردد في ذهني حتى خُيّل إليّ أنني أرى شبحاً! ولكن لحظة.. هناك بالفعل شيء يتحرك.. إنه يقترب من…
يا للهول! إنه العم "مصباح" ذو الوجه المستطيل والحاجبين الكثّين، صاحب محل "الأدوات الكهربائية".. لقد أفزعني هذا الرجل! تُرى ماذا يفعل هناك؟ هو أيضاً يُصدق بأن هناك شبحاً بالقبو، ولا يكف عن قول هذا الشيء للأطفال ويحذرهم من دخول ذلك المكان..
حسناً، يحزنني أن أقول لكم إن هذه اللحظة لم تكن لقصة شبح، فقد كان ذلك العم مصباح، وللحظة كنت سأصدق أنا أيضاً ما يرويه ذلك الرجل الخرِف.. إنه دائماً ما يردد تلك الأقاويل ويتحدث عنها بثقة متناهية.. هل يمكن أن يكون قد رآه أيضاً كما تراه تلك الشجرة كل ليلة؟.. هل يعقل أن يكون هذا هو السر الذي تريد أن تخبرني به الشجرة؟
أوه.. ماذا يحدث لي؟.. إنني أشعر بثقل في رأسي، يجب عليّ أن أذهب إلى الفراش وأنسى هذا الهراء كله.. يا إلـٰهي إنني أتثاءبُ كثيراً.. والنعاس يغلبني..
ارتميتُ على السرير كجثة هامدة، وغاص عقلي في عالم آخر.. لم أشعر حتى سمعتُ ذلك الصوت المريب يقول لي:
“استيقظي.. هل تعتقدين حقاً أنه لا وجود لذلك الشبح؟ إذن ماذا ستقولين وأنا أقف أمامكِ الآن؟! هل لا زلتِ لا تصدقين أيضاً؟ العم مصباح لا يكذب على الأطفال كما تعتقدين.. إنه يقول الحقيقة!”
كان صوت ذلك الشيء يهمس في رأسي مثل حفيف الثعبان.. ففتحت عيني ببطء، وشعرت بثقل شديد في جفوني.. لأرى أمامي شبحاً مرعباً.. لا، بل شيطاناً له عينان حمراوان يتلفح بالسواد!
ابتلعت ريقي بصعوبة بعد أن اتسعت حدقتا عيني.. حاولتُ الاستعاذة وقراءة بعض سور القرآن.. فجفت الكلمات في حلقي.. حتى صوتي صار مكتوماً يأبى الخروج! حاولتُ مراراً ولكن دون جدوى.. كان ذلك الشيء يبتسم بخبث وهو يقترب مني شيئاً فشيئاً حتى شعرتُ بأنفاسه الثقيلة بجانب أذني..
وفجأة.. دوى صوت مألوف! التفتُّ حولي أبحث عن مصدره دون أن أعرف من أين يأتي.. وفي تلك اللحظة تبخر الشبح وكأنه لم يكن! ولكن دوي ذلك الصوت لم يتوقف بل صار يقترب أكثر فأكثر حتى شعرت وكأن قلبي سيخرج من صدري.. نظرتُ بجانب سريري فرأيتُ ذلك المنبه يشير للساعة الخامسة صباحاً..
ولكن ما هذا؟ هل كنتُ أحلم؟
يا له من حلم مزعج.. من الآن فصاعداً سأكف عن مشاهدة تلك الأفلام المرعبة، وسأغلق أذني عن سماع تلك الخرافات التي تتحدث عن الأشباح.. لا أدري كيف يحب هؤلاء الناس مشاهدة تلك الأفلام التي تشد الأنفاس! إنهم حقاً مجانين.. أو ربما مرضى نفسيون.. أو أنهم يحتاجون للإثارة أو لشيء يخرجهم من واقعهم المأساوي إلى خيال أشد رعباً ومأساة!.. لا أعرف كيف يفكر هؤلاء البشر؟
مرت الأيام سريعاً وكأنها سويعات.. وهبط المساء بهدوئه المعتاد.. ولكن ذلك المساء كان يحمل مع ظلامه شيئاً ثقيلًا غير مألوف.. حيث كان الشارع الرئيسي يغرق في طقس يوليو الخانق، تلاشت فيه نسمات الليل وحلّ محلها غبار العصر المتطاير.
كانت البنايات العالية تصطف كحراسٍ إسمنتيين يلقون بظلالهم الطويلة على الإسفلت، بينما بدت نافذة ذلك القبو (البدروم) المقابل وكأنها فمٌ أسود مفتوح في جوف الأرض، ينفث رطوبة غريبة تأبى جبهة الصيف الساخنة أن تمحوها. وعلى الرصيف المقابل، كانت شجيرات الفيكس الثلاث تقف ساكنة دون حفيف، كأنها تراقب بصمت ما يوشك أن يحدث..
كنت أراقب بصمت.. أنتظر إشارةً أو أي شيء يدل على وجود ذلك الشبح، ولكن كل شيء كان يمر بخير وسلام.. ليس هناك شيء جديد، أو شيء مرعب ومخيف.. حتى غطى الظلام شوارع المدينة.. تلك المدينة التي لا تُذكر إلا نادراً، حتى على الخريطة تجد اسمها مكتوباً بخط صغير بالكاد يُرى.. يمكنك أن تسميها بـ (المدينة المنسية). تتمتع شوارعها بإضاءة خافتة وأعمدة نور شبه مضاءة.. بعد أن كانت منذ سنوات مضت كقطعة من باريس -هكذا أطلق عليها كل من زارها سابقاً ورآها-. كانت كشافات السيارات المارة تضيء الشارع بين الفينة والأخرى.. وكان صوت الأطفال يأتي بالفرح تارة وهم يصيحون: "جووول!"، وتارة أخرى بالضجيج والعراك..
في تلك الأجواء، اجتمع «باسم» مع صديقه «هيثم» وباقي أطفال الجيران للعب في الشارع كما يفعلون كل مساء.. كانوا يلعبون كرة القدم كعادة الصغار، وفي خطوات وئيدة تقدم عليهم العم مصباح وهو يحذرهم مرة أخرى من الدخول إلى ذلك القبو.. ولكن باسم وأصدقاءه لم يهتموا لكلامه، وأخذوا يكملون لعبهم حتى دخلت الكرة في ذلك القبو المخيف!
تجمد الجميع في مكانهم، وهنا تذكروا كلام العم مصباح الذي كانوا يستهزئون به.. ولم يجرؤ أحد منهم على التقدم ودخول القبو..
في تلك اللحظة تشجع باسم وتقدم نحو القبو وقال بصوت واثق:
«من سيدخل معي لنأتي بالكرة؟»
نظر في أعين أصدقائه ينتظر إجابة.. ولكن لم يجرؤ أحد على التقدم سوى صديقه هيثم الذي تقدم نحوه بجسده الثقيل، وكان خائفاً بعض الشيء.. بينما كانت عينا باسم البنيتان توحيان بثقة وشجاعة لم يعهدها أحد من أصدقائه..
تقدم الاثنان نحو القبو الذي كانت رائحته تشبه رائحة الأموات.. اختلط فيها غبار السنين برطوبة الجدران المتآكلة. خَطَوا خطواتهما الأولى بتوجس، وتلاشت وراءهما إضاءة الشارع الخافتة لتبتلعهما عتمة حالكة لا يمكن اختراقها.
أخذ باسم يتحسس الأرض بقدميه بحثاً عن الكرة، بينما تعلقت يدا هيثم المرتجفتان بقميصه. أدارا أعينهما في كل زاوية، لكن الظلام كان دامساً وثقيلاً لدرجة أنهما لم يعثرا على شيء. شعر هيثم بالاختناق فقال بصوت متقطع:
«باسم، لن نجدها هكذا.. دعنا نخرج!»
لم يتردد باسم هذه المرة، فتراجعا بسرعة إلى الخارج ليتنفسا هواء الشارع الحار بارتياح.
ولكن باسم لم يكن ليتنازل عن كرته بسهولة. وقف للحظات يلتقط أنفاسه، ثم نظر إلى هيثم بصلابة وقرر الدخول مجدداً. وقبل أن تخطو أقدامهما عتبة الظلام هذه المرة، تلا باسم بنبرة خاشعة يملؤها الخوف والرجاء، أوائل آيات سورة الجن.
ومع آخر كلمة نطقت بها شفتاه.. تجسد أمامهما الشبح!
كان واقفاً في نفس المكان الذي وقفا فيه أول مرة، ولم يكن يشبه تلك الأشباح التي نراها في أفلام هوليود، أو التي نسمع عنها في الحكايات والأساطير، بل كان مختلفاً تماماً؛ كان جسده أبيض كالثلج، وشعر كثيف يغطي وجهه بالكامل! لم يصدق باسم وهيثم ما رأياه، وظنا لأوهام مضت أنه ربما يكون امرأة بسبب ذلك الشعر المسترسل، ففركا أعينهما مراراً علّها تكون أوهاماً صوّرها الخوف.. ولكنها كانت الحقيقة المرعبة!
تجمدت الدماء في عروق هيثم حتى كاد شعر رأسه يشيب رعباً، ولكن باسم وقف بشجاعته المعهودة، وأمسك بيد هيثم بقوة وخرج به وهو يتعجب من خوف صديقه. ورغم أن باسم لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، إلا أن شجاعته كانت تتحدث عنه وكأنه شاب خَبِر الحياة؛ فلم تكن هذه المرة الأولى التي يمر فيها بمثل هذه المواقف، بل واجه سابقاً ما هو أشد رعباً.
اتفق الاثنان على ألا يحدّثا أحداً بما رأياه.. ولكن، ماذا عن الكرة الغالية على قلب باسم والتي ما زالت عالقة هناك في القبو؟ هل يتركها تضيع بسبب ذلك الشبح؟
هنا خطرت ببال باسم فكرة ذكية؛ طلب من صديق آخر لهما -لا يعلم شيئاً عن قصص قبو البناية وشبحها- أن يدخل ليأتي بالكرة. وبالفعل، دخل الطفل العفوّ، وأمسك بالكرة، وخرج مبتسماً دون أن يرى شيئاً، أو يحدث له أي سوء!
تلك الحادثة تركت في نفسي أسئلة كثيرة تفرض نفسها بقوة: هل يمكن أن يكون ذلك الشبح مسالماً؟ وهل يوجد حقاً أشباح مسالمون؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يعني هذا أن هناك أشباحاً أشراراً؟ هل توجد حقاً بوابة خفية بين عالم البشر وعالم الأشباح، منهم من يريد العبور عبرها ومنهم من يرفض، تماماً كما كنا نرى في المسلسل الشهير (Ghost Whisperer)؟ وما السبب الحقيقي وراء وجود هذا الشبح بالذات؟
بعد فترة وجيزة، أتى على مسامعي خبر لا أعلم مدى صحته.. ولكن على الأقل فكّ ذلك اللغز؛ أن ذلك الشبح لم يكن سوى روح حارس البناية القديم، الذي سقطت على رأسه (طوبة) في ليلة من الليالي الغابرة، ليسلّم روحه إلى بارئها، تاركاً طيفه يحرس المكان بصمت..
وقبل أن أترككم مع هذه الأسئلة، أريد أن أخبركم سراً.. هل تعلمون أنني رأيتُ في طفولتي شبحاً؟!
إنه «شبح البئر»، هكذا أطلقتُ عليه.. ويبدو لي أن ذلك الشبح كان لامرأة؛ كانت تتلفح بالسواد من رأسها إلى أخمص قدميها، تجلس في وضعٍ منحَنٍ دون أن تتحرك من مكانها أبداً! لا أعلم حتى الآن؛ هل كان طيف تلك المرأة هو ذاته الذي نسج الناس حوله قصة «الراقصة والعسكري» التي قُتلت هناك؟ أم أنه شبحٌ آخر لقصة أخرى طواها النسيان؟
إن قصص الأشباح وعوالم الخفاء لا تنتهي.. هناك ما رأيتُه بأمّ عيني، وهناك ما سمعتُه على لسان أبي وأمي.