الهمس المستمر في منزل عائلة القاضي

الهمس المستمر في منزل عائلة القاضي

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الهمس المستمر في منزل عائلة القاضي

في أطراف المدينة القديمة، حيث تتلاحق البيوت الحجرية المهجورة وتتآكل جدرانها بفعل الرطوبة والزمن، يقع منزل "عائلة القاضي". لم يكن المنزل مجرد بناء قديم، بل كان شائعة متحركة بين سكان الحي، يبتعد عنه الصغار في طريق عودتهم من المدارس، ويتجنب الكبار السير بالقرب منه بمجرد أن تسقط الشمس خلف التلال البعيدة.

تبدأ القصة عندما قرر أديب، وهو كاتب متخصص في تتبع التاريخ المحلي والأساطير الشعبية، الانتقال للاقامة في هذا المنزل لمدة شهر كامل. كان يهدف إلى كتابة تحقيقه الصحفي الجديد حول المباني التاريخية المهجورة. لم يكن يملك أي إيمان بالخرافات أو حكايات الأشباح، بل كان يرسم ابتسامة ساخرة كلما حذره أحد الجيران من البقاء هناك بعد الظلام.

الليلة الأولى: البداية الخافتة

وصل أديب إلى المنزل في وقت متاخر من المساء. كانت الرائحة داخل الغرف مزيجاً غريباً من التراب القديم والأوراق التعفة، وكأن الهواء محبوس منذ عقود لم يتحرك. أفرغ حقائبه في الغرفة الرئيسية بالدور الثاني، ووضع آلة التسجيل الصوتية على الطاولة الخشبية، ثم أشعل مصباحاً يدويًا قويًا وبدأ يتفقد أرجاء المكان.

مرت الساعات الأولى هادئة. لم يكن هناك سوى صوت المطر الخفيف الذي يقرع النوافذ الزجاجية المتشققة. ولكن مع حلول منتصف الليل، وتحديداً في الساعة الثانية صباحاً، بدأ كل شيء يتغير.

سمع أديب صوتاً خفيفاً يشبه احتكاك الخشب. استيقظ من جلسته على الكرسي هزاز، وظن في البداية أن الفئران تنشط في السقف. لكن الصوت لم يكن عشوائياً؛ كان أشبه بخرير مياه يجري داخل الجدران، أو ربما... همس بكلمات غير مفهومة.

وقف أديب ورفع المصباح، ووجه الضوء نحو الجدار الشمالي للغرفة. كانت النغمة تتصاعد ببطء، صوتاً خفيضاً يتنقل من زاوية إلى أخرى، كأن هناك شخصاً يقف خلف الطلاء الخشبي مباشرة ويهمس باسمه ببطء شديد: "أديـــب..."

تعمق الرعب

تجمد أديب في مكانه. تسارعت أنفاسه، واشعر بأن برودة قارسة تسري في عموده الفقري. حاول إقناع نفسه بأن الهلوسة هي نتيجة التعب والإرهاق، لكن الصوت امتد ليتحول إلى طلقات خفيفة ومتواترة على أرضية الخشب تحت قدميه، وكأن هناك من يمشى في الدور الأسفل بخطوات حثيثة.

نزل السلم الخشبي ببطء، وكانت درجات السلم تئن تحت وزنه بشكل أعمق من المعتاد. في الدور الأرضي، كانت الصالة واسعة ومظلمة، يغطيها الغبار. عندما سلط ضوء المصباح على الجدار المقابل، رأى شيئاً جعل قلبه يخفق بشدة: كانت هناك ظلال طويلة تتحرك على الجدار، رغم أن مصدر الضوء الوحيد كان المصباح الذي يحمله في يده الثابتة.

لم تكن الظلال تتطابق مع حركته. كانت الظلال تمتد وتنكمش، وكأنها أجساد متعددة تتزاحم في زاوية الغرفة. وفي تلك اللحظة، انطفأ المصباح اليدوي فجأة.

ساد الظلام التام. ظلام كثيف لدرجة أنه لم يستطع رؤية يده أمام وجهه. وفي وسط هذا الفراغ المظلم، لم يعد الهمس خفيضاً، بل أصبح يدوي من كل الاتجاهات حوله، بصوت عشرات الأرواح التي تتنفس في وقت واحد بالقرب من أذنيه.

الليلة الأخيرة والهروب

حاول أديب الهروب نحو الباب الخارجي، لكنه عندما وضع يده على المقبض الحديدي، وجده بارداً كالجليد ومقفولاً بإحكام، رغم أنه تركه مفتوحاً للاحتياط. كانت الأنفاس الباردة تلامس عنقه من الخلف، وشعر بضغط ثقيل يسحب معطفه إلى الأسفل.

تعثر وسقط على الأرضية الخشبية، وأثناء سقوطه، أضاء برق خاطف من الشباك العالي الممتد فوق الباب. في تلك اللحظة القليلة من الضوء، رأى أديب وجوهاً باهتة بلا ملامح محددة، تتدلى من السقف وتنظر إليه بعيون فارغة تماماً.

جمع أديب كل ما تبقى لديه من قوة، ودفن كتفه في الباب الخشبي القديم بكل ما أوتي من عزم، لينكسر القفل الخارجي ويجد نفسه يندفع نحو الشارع تحت المطر الغزير.

لم يلتفت أديب وراءه، واستمر في الركض حتى وصل إلى أول شارع مأهول بالإضاءة والسيارات. في اليوم التالي، عندما عادت الشرطة برفقة بعض الجيران لتفقد المنزل بناءً على بلاغه، وجدوا أمتعته كما هي في الغرفة العلوية، وآلة التسجيل الصوتية ما زالت تعمل.

عندما قاموا بتشغيل الشريط، لم يكن هناك أي صوت لأديب وهو يتجول، بل كان الشريط بأكمله يحتوي على تسجيل واضح لصوت همس جماعي يتردد بكلمة واحدة طوال الساعات الماضية: "لقد وجدنا واحداً آخر..."

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
المقالات

2

متابعهم

6

متابعهم

9

مقالات مشابة
-