حكايات روني | الفصل الثالث: عطرٌ لا يُشترى
حكايات روني | الفصل الثالث: عطرٌ لا يُشترى
إذا فاتك الفصل الأول من "حكايات روني"، أنصحك تبدأ منه أولًا، لأن كل فصل بيبني على اللي قبله، وكل تفصيلة هتلاقيها راجعة في وقتها
كان روني يظن وهو صغير أن كل البيوت تشبه بيتهم.
حتى دخل بيت جده لأمه لأول مرة وهو واعٍ بما يكفي ليرى التفاصيل.
من أول خطوة داخل العمارة،
كان كل شيء مختلفًا.
السلم نظيف.
ريحة المكان مختلفة.
الأبواب كلها متقفلة بهدوء،
كأن الضوضاء ممنوعة هنا.
فتح الباب...
فاستقبله عطر لم يعرف له اسمًا وقتها.
لم تكن رائحة طبخ...
ولا بخور...
ولا صابون.
كانت رائحة بيتٍ مرتب.
دخل بخطوات مترددة.
نظر إلى ملابسه...
ثم إلى أرضية الشقة اللامعة.
رفع قدمه قليلًا قبل أن يضعها،
كأنه خاف أن يترك أثرًا فوق البلاط.
ابتسمت أمه وقالت:
"ادخل يا روني...
إيه اللي موقفك؟"
دخل...
لكن شيئًا داخله وقف مكانه.
بعد دقائق...
دخل خاله.
ولأول مرة في حياته،
رأى شخصًا يبدو وكأنه خرج لتوه من إعلان في التلفزيون.
قميص أبيض مكوي.
بنطلون أنيق.
ساعة تلمع في يده.
حذاء أسود يرى فيه وجهه.
وبرفان ملأ المكان قبل أن يتكلم. اقترب منه...
ربت على رأسه وهو يضحك:
"إيه يا روني... كبرت ولا لسه؟"
لم يسمع روني السؤال.
كان ينظر فقط.
كيف يمكن لإنسان أن يبدو بهذا الشكل؟
ولماذا كل الناس تبتسم له بمجرد دخوله؟
في تلك اللحظة...
زرعت الحياة أول فكرة خطيرة داخل عقل طفل صغير.
"الشكل... مهم." ...
بعد الغداء...
وقف خاله أمام المرآة يعدل ياقة القميص.
ثم رش عطرًا مرة أخرى.
فسأله روني ببراءة:
"هو أنت رايح فرح؟"
ضحك الجميع.
وقال خاله وهو ينظر لنفسه في المرآة:
"الراجل لازم يبقى شيك في أي حتة."
كانت جملة عابرة...
لكنها لم تكن عابرة داخل عقل طفل.
في طريق العودة...
ظل روني ساكتًا.
نظر إلى قميصه القديم.
ثم نظر إلى قميص والده البسيط الذي تغير لونه من كثرة الشغل.
ولأول مرة...
بدأ يقارن.
لم يكن يعرف أن المقارنة أخطر من الفقر نفسه. ...
مرت أيام.
وفي أحد التجمعات العائلية...
كان الأطفال يلعبون.
يجري هذا...
ويضحك ذاك...
أما روني...
فكان منشغلًا بشيء آخر.
كان ينظر إلى خاله.
كيف يمشي؟
كيف يضحك؟
كيف يمسك مفاتيحه؟
حتى طريقة وقوفه كانت تبدو مختلفة.
دون أن يشعر...
بدأ يقلده. ...
لكن الحياة لا تترك الطفل يتعلم شيئًا وحده.
فجأة...
نظر إليه أحد الأقارب من عائلة أمه.
ابتسم ابتسامة ساخرة.
وقال أمام الجميع:
"إيه يا روني؟"
"لابس كده ليه؟"
ثم نظر إلى ملابسه مرة أخرى وقال ضاحكًا:
"إنت مبهدل زي أبوك."
ساد الصمت.
ضحك بعض الكبار...
وسكت البعض الآخر.
أما روني...
فلم يفهم الجملة كلها.
لكنه فهم شيئًا واحدًا.
أنهم ضحكوا...
بعد أن ذكروا والده.
نظر إلى أبيه.
كان يبتسم ابتسامة صغيرة...
وكأنه لم يسمع شيئًا.
أو ربما...
اعتاد أن يسمعه.
أما روني...
فلم يعتد.
شعر بشيء يحترق داخل صدره.
لم يبك.
لكنه منذ تلك اللحظة...
صار ينظر إلى ملابسه كل صباح. ...
في تلك الليلة...
عاد إلى البيت.
وجد والده يخلع حذاءه بعد يوم عمل طويل.
كانت رائحة العرق تملأ القميص...
لكن روني،
لأول مرة...
لم يجرِ ليحضنه.
وقف بعيدًا.
ينظر إلى القميص.
ويتذكر الضحكات.
لاحظ والده ذلك.
ابتسم وقال:
"مالك يا بطل؟"
هز روني رأسه.
"مفيش."
لم يحكِ له.
لأنه لم يعرف كيف يحكي وجعًا لم يفهمه أصلًا. ...
لم يدرك أحد أن جملة خرجت في ثوانٍ...
ستعيش داخل طفل سنوات.
ولم يدرك أحد أيضًا...
أن الطفل لا يحتفظ بالكلمات فقط...
بل يحتفظ بالإحساس الذي صاحبها.
ومن يومها...
كلما رأى شخصًا أنيقًا...
شعر أنه أكبر.
وكلما نظر إلى والده...
صار قلبه ممزقًا بين حبٍ لا ينتهي...
وخوفٍ لا يفهم سببه.
وهكذا...
دون أن يقصد أحد...
بدأ الشرخ الأول في شخصية روني.
شرخٌ صغير...
لن يراه أحد الآن.
لكن بعد سنوات...
سيكون هو السبب في سقوط أشياء كثيرة داخله
يتبع…..
