عودة إلى الحبر والضوء
عودة إلى الحبر والضوء
كانت "ليلى" تعتصم بغرفتها الهادئة، حيث تتناثر كتب الفلسفة والقصص القديمة على طاولة خشبية عتيقة وسط الكتب هرباً من صخب العالم،
وهناك تعثر على كتاب قديم لجدها يحمل عبارة ملهمة عن خطورة تأجيل الأحلام. تدفعها هذه الكلمات لتجاوز مخاوفها وتبدأ أخيراً في كتابة روايتها الخاصة، لتتحول من فتاة مترددة إلى صانعة لعوالمها

في تلك الليلة، وبينما كانت تقلب صفحات كتاب مغبر وجدته صدفة في مكتبة جدها الراحل، لفت انتباهها سطر غامض بخط يدوي أنيق يقول: "الأحلام التي نؤجلها طويلاً، تتحول إلى أشباح تسكن زوايا غرفتنا المظلمة". توقفت ليلى مطولاً عند هذه العبارة، وشعرت وكأن الكاتب يخاطبها وحدها. لقد كانت تؤجل حلمها الأبدي في كتابة روايتها الأولى، متخذةً من الخوف أغلقت الكتاب ببطء، ووجهت نظرها نحو النافذة حيث كانت النجوم تتلألأ في كبد السماء وكأنها ترسل لها إشارات تشجيع خفية. أدركت في تلك اللحظة أن الوقت قد حان لتواجه مخاوفها؛ فالزمان لا ينتظر المترددين، والعمر يمر سريعاً بين الأماني المؤجلة سحبت ورقة بيضاء ناصعة وقلمها المفضل الذي هجرته طويلاً، ووضعتهم أمامها على الطاولة أخذت نفساً عميقاً، واستشعرت دفئاً غريباً يسري في أناملها كأن طاقة إبداعية جارفة قد تحررت للتو من قيدها.
كتبت السطر الأول: «كان يا ما كان، في فجر يوم تشابهت أيامه...». ومع كل كلمة كانت تخطها، كانت تشعر بأن جدران غرفتها تتسع لتضم أفقاً جديداً بلا حدود. لم تعد تلك الفتاة الخائفة من المجهول، بل أصبحت صانعة لعوالمها الخاصة، متسلحة بالشجاعة وحب الكلمة.
انقطعت غيوم العزلة وحلت محلها إشراقة البدايات الصادقة.مرت الساعات كالأحلام العذبة، ولم تعد ليلى تشعر بمرور الوقت أو ببرودة الليل التي كانت تخشاها سابقاً.
كانت الكلمات تتدفق من قلمها بانسياق مذهل، وكأنها كانت محبوسة في سجن من التردد طوال السنوات الماضية، والآن أُطلق سراحها أخيراً لتتنفس الهواء الطلق في تلك المساحة البيضاء من الورقة، وجدت نفسها تبتكر شخصيات تنبض بالحياة، وتعبر بحوراً ومحيطات لم تزرها من قبل إلا في مخيلتها الواسعة. أدركت حينها أن الإبداع الحقيقي لا يحتاج إلى ظروف مثالية، بل يحتاج فقط إلى شجاعة البداية.