سرقة حارة خان خليلي
سر الحارة: صندوق خان الخليلي
الليل يسدل أستاره الثقيلة على أزقة
خان الخليلي العريقة، والضوء الخافت يتراقص على قطع النحاس المعلقة أمام الدكاكين المغلقة. كان الهدوء يعم المكان حتى انقطعت الأنفاس فجأة! شائعةٌ مسمومة هزت أرجاء الحارة كالزلزال ووصلت لكل بيت: “تحت ورشة النحاس القديمة، صندوقٌ أثري مدفون من أيام المملوك يشبك، يضم مجوهراتٍ وسكك ذهب بمليارات الجنيهات!”
خلال ساعات معدودة، تغيرت نفوس الجيران. النظرات الدافئة التي كانت تبدأ بـ "صباح الخير يا جاري" تحولت إلى شكٍّ وريب، واشتعلت القلوب بالطمع والخوف.
في عتمة الأزقة الضيقة، تحرك "الريس خليل"، أعتى بلطجية المنطقة، والذي رأى في هذه الشائعة فرصة العمر للسيطرة على الحارة بأكملها. جمع خليل رجاله المدججين بالسلاح الأبيض والشوم، ونزلوا كالجراد. أغلقوا مداخل الحارة تماماً ومنعوا الخروج والدخول، متوعدين بإحراق الدكاكين على رؤوس أصحابها لو لم يسلموهم موقع الصندوق.
وسط هذا الرعب، كان "حسن" يقف في ورشته الصغيرة يتأمل المشهد. حسن شاب ثلاثيني، ورث ورشة النحاس عن أبيه، معروف بذكائه وهدوئه الشديد. لم يكن يملك عضلات خليل ولا عدد رجاله، لكنه كان يحفظ خان الخليلي بممراته السرية وأسراره العتيقة عن ظهر قلب.
علم حسن أن المواجهة المباشرة بالسلاح تعني بحراً من الدماء وخسران الحارة للأبد. أغلق باب ورشته بالترباس، واستغل ساعتين قبل اقتحام البلطجية. بخطة شيطانية، نزل إلى سرداب قديم يربط أسفل ورشته بدكاكين الخان القديمة.
أعدّ حسـن صندوقاً خشبياً ضخماً، طلاه بالقطران والتراب ليبدو أثرياً ومتهالكاً. ملأه بسلاسل نحاسية مكسورة وحجارة ثقيلة ليعطي نفس وزن الذهب، ووضعه في منتصف الورشة. أما الصندوق الأصلي المدفون، فاستخرجه بحذر؛ ولم يكن فيه ذهبٌ أو جواهر كما زعمت الشائعة، بل كان يحوي وثائق تاريخية وأوراق ملكية أصلية تثبت أن معظم أراضي ودكاكين خليل هي أملاك مغتصبة من الأوقاف وأهالي الحارة!
مع انتصاف الليل، كسر خليل باب الورشة بضربات متتالية. اقتحم المكان ورجاله يصرخون بفرعنة. وقف حسن بثبات في المنتصف، وناوش خليل بكلمات مستفزة ليزيد من عمى بصره ولهفته.
دفع خليل حسن بقسوة ليقع أرضاً، وهجم على الصندوق المزين بالتراب كالمجنون. رفع ساطوره وضرب القفل الضخم ضربة مدوية أطارت الشرار في الهواء.
فتح الغطاء بلهفة وحرص.. ليتجمد الدم في عروقه وتتسع حدقتاه في ذهول قاتل! حجارة، وركام، وخردة نحاس لا قيمة لها!
وفي نفس لحظة الذهول والصدمة، صرخت صفارات الشرطة في الأزقة. كان حسن قد اتفق مع أحد شباب الحارة الأوفياء ليتسلل عبر الممرات السرية ويبلغ السلطات. حاصرت القوات كل منافذ الخان، وأُلقي القبض على خليل ورجاله متلبسين باقتحام الدكان والاعتداء على الأهالي.
قبل أن يُسحب خليل مكبلاً بالحديد، اقترب منه حسن بثبات، ونظر في عينيه المكسورتين وقال بوضوح:
"الذهب يذهب يا خليل، والدم يلوث صاحبه إلى الأبد.. أما سر الحارة الحقيقي، فلا يدركه إلا الجدعان!"
انتهى الكابوس العاصف، وعاد البخور الزكي يعطر أزقة خان الخليلي، بعدما أثبت حسن أن الحكمة والجدعنة هما الثروة الحقيقية التي تحمي الأهل والديار.