حكايات روني | الفصل الرابع: بيتٌ لا يشبه الأحلام
حكايات روني / الفصل الرابع: بيتٌ لا يشبه الأحلام
إذا لم تقرأ الفصول السابقة، أنصحك بالبدء من الفصل الأول، لأن كل موقف في طفولة روني سيعود ليصنع شخصيته لاحقًا
كان روني كل ما يروح بيت جده لأبيه،
يحس إنه راجع سنين لورا.
الطريق نفسه كان ضيق...
والبيوت قديمة...
والحي كله هادي بطريقة تخلي أي طفل يزهق.
ولأول مرة...
بدأ يقارن.
كان بيت جده لأمه في وسط البلد.
كل حاجة حواليه.
محلات...
عربيات...
ناس داخلة وناس خارجة.
أما هنا...
بيت قديم...
شارع مكسور...
باب خشب صوته أعلى من أي كلام.
وقف روني قدام الباب...
وسأل نفسه لأول مرة:
"هي الناس دي عايشة كده ليه؟"
كانت دي مش فكرته...
دي كانت الفكرة اللي بدأت تتزرع فيه بعد ما شاف خاله،
وبعد ما بقى شايف إن الشياكة هي اللي بتخلي الناس تبصلك.
دخل البيت.
ريحة الخشب القديم...
ريحة السجاد...
ريحة الشاي بالنعناع...
كل حاجة بسيطة.
لكن الغريب...
إنه أول ما دخل...
جري على حضن جدته.
كان فيه حاجة في حضنها تخليه ينسى كل اللي كان بيفكر فيه من بره.
ابتسمت وهي تمسح على شعره.
وقالت: "تعالى يا نور عين تيتة..."
الكلمة دي كانت كفاية.
كل المقارنات اختفت للحظة.
كان جده قاعد في الركن المعتاد.
مصحف مفتوح...
ونظارة قديمة...
ولحيته البيضاء منورة وشه بطريقة غريبة.
كل ما يخلص صفحة...
يرفع عينه...
يبص لروني...
ويبتسم. من غير سؤال.
من غير محاضرة.
من غير أوامر.
وجوده نفسه كان يدي إحساس إن الدنيا أهدى.
أذن العشاء...
قال الجد:
"يلا يا روني... هنروح المسجد."
أمسك الطفل إيده.
وكان كل مرة يمشي معاه يحس إن الناس كلها تعرف جده.
كل واحد يقابله يقول:
"السلام عليكم يا حاج."
"ربنا يباركلك."
"ادعيلنا."
وروني كان مستغرب...
جده لا معاه عربية.
ولا لابس لبس غالي.
ولا ريحته برفان أجنبي.
أمال...
ليه الناس بتحبه بالشكل ده؟
دخلوا المسجد.
كان روني بيحب المسجد...
بس النهارده حس بحاجة مختلفة.
شاف ناس بسيطة جدًا.
عامل...
ميكانيكي...
رجل هدومه فيها تراب...
لكن أول ما وقفوا في الصلاة...
كلهم بقوا واقفين جنب بعض.
مفيش حد أحسن من حد.
مفيش شيك...
ولا فقير.
كلهم صف واحد.
ولأول مرة...
بدأ يحس إن فيه مكان...
الشكل فيه ملوش قيمة.
بعد الصلاة...
قعد جده يحرك السبحة في هدوء.
وقال من غير ما يبصله:
"عارف يا روني... ربنا بيبص للقلوب... مش للهدوم."
الجملة عدت عادية...
لكنها خبطت في حاجة جواه.
هو لسه من يومين...
كان معجب بخاله لأنه أشيك واحد في المنطقة.
ودلوقتي...
جده بيقوله إن ربنا أصلًا مش بيبص للحاجات دي.
مين فيهم صح؟
في طريق العودة...
مرّا على كشك خشبي صغير يعرفه الجد.
وقف وقال للبائع:
"هات اتنين ملبن."
أعطى واحدة لروني...
وأخذ الثانية لنفسه.
ضحك روني وقال:
"إشمعنى الملبن يا جدو؟"
ضحك الجد حتى ظهرت تجاعيد وجهه كلها.
ثم قال وهو يشير إلى فمه:
"عشان معنديش سنان يا روني... كلها وقعت."
انفجر روني من الضحك.
فأكمل الجد: "
وعارف كمان ليه بجيب ملبن؟
عشان عارف إن نفسك في حاجة حلوة...
وحبيت أجيب حاجة أقدر أشاركك فيها."
ساد الصمت للحظة.
نظر روني إلى قطعة الملبن في يده...
ثم إلى جده.
لم تكن قطعة حلوى...
كانت أول مرة يفهم أن الحب...
قد يكون في أبسط الأشياء.
ومن يومها...
صار للملبن طعم مختلف.
لم يعد مجرد حلوى.
صار طعم جده.
كلما مر روني على كشك ورأى الملبن...
اشترى قطعتين.
واحدة له...
وواحدة يحتفظ بها.
ينتظر حتى يذهب إلى بيت جده...
ثم يمدها إليه وهو يبتسم:
"دي ليك يا جدو."
فيضحك الجد...
وكأن الحفيد أعطاه الدنيا كلها
رجعوا البيت.
كانت جدته مجهزة العشا.
أكل بسيط...
جبنة قديمة...
عيش سخن...
وكوباية شاي.
الغريب...
إن روني أكل وهو مبسوط.
يمكن أكتر من أكلة غالية أكلها قبل كده.
وهو راجع مع والده...
بص من شباك العربية القديمة.
كان شايف بيت جده بيبعد.
وفجأة...
افتكر بيت خاله...
ثم افتكر المسجد...
ثم افتكر هدوم خاله...
ولحية جده...
عاد روني تلك الليلة يحمل عالمين في قلبه.
عالم يقول له:
"خليك شيك... علشان الناس تشوفك."
وعالم آخر يهمس له:
"خليك نضيف من جوا... علشان ربنا يشوفك."
ولم يكن الطفل يعرف...
أي العالمين سيختار.
لكنه كان يخطو...
لأول مرة...
نحو المعركة التي ستصنع عمره كله.
يتبع…
