حكايات روني / الفصل السابع : حين ظننت أن أبي لايكفي..
حكايات روني / الفصل السابع : حين ظننت أن أبي لايكفي..
إذا كانت هذه أول مرة تقرأ فيها "حكايات روني"، فمن الأفضل أن تبدأ من الفصل الأول، لأن كل فصل يبني ما قبله، وستكتشف أن التفاصيل الصغيرة التي مررت بها هي التي تصنع التحول الكبير في شخصية روني.
ربما يسأل القارئ... بعد كل هذه الفصول... أين كانت أم روني؟
والحقيقة...
أنها كانت موجودة طوال الوقت.
لكن بعض الأشخاص... لا يصنعون الضجيج.
بل يصنعون الحياة.
كانت هي أول من يستيقظ في البيت.
تُعد الطعام.
وتجهز ملابس المدرسة.
وتوقظ الجميع بابتسامةٍ تخفي خلفها تعبًا لا يراه أحد.
وكانت آخر من ينام...
بعد أن تطمئن...
أن كل من في البيت...
قد نام بخير.
لم تكن أكثر شخصٍ يتحدث.
لكنها كانت أكثر من يسمع.
ولم تكن أكثر من يُعطي النصائح.
لكنها كانت أكثر من يمنح الطمأنينة.
كان روني يظن...
أن وجودها أمرٌ طبيعي.
كما يظن الأطفال...
أن الشمس ستشرق كل صباح.
ولا يدركون قيمة النور...
إلا إذا غاب. ...
ولدت أمي في بيتٍ يختلف كثيرًا عن بيتنا.
كان أبوهارجلًا عسكريًا...
يؤمن بالنظام...
والالتزام...
والكلمة التي لا تُقال مرتين.
وكان بيتهم أوسع...
وحياتهم أكثر راحة.
ولم تكن تعرف يومًا...
كيف يبدو القلق من آخر الشهر.
ثم جاء اليوم...
الذي أخبرها فيه والدها...
أن هناك رجلًا اختاره لخطبتها.
لم يكن صاحب مال.
ولا صاحب منصب.
كان مجرد شخص.
ورغم ذلك...
لم تعترض.
ليس لأنها لا تملك رأيًا.
بل لأنها كانت تثق... أن والدها... لن يختار لها إلا رجلًا...
يأتمنه على عمرها كله.
ولم تكن تعلم...
أن ذلك القرار...
سيجعل طفلًا صغيرًا...
بعد سنوات...
يجلس أمامها...
ليسألها السؤال...
الذي لم تتوقعه يومًا.
كانت أمي...
أكثر إنسان يعرف متى أكون بخير.
ومتى أبتسم…
كانت تعرف من طريقة غلق الباب...
إن كان يومي جميلًا.
ومن طريقة خلعي لحقيبتي...
إن كان شيءٌ ما يؤلمني.
لم تكن تحتاج أن أسألها.
وكأن قلبها...
كان يسمع ما لا أقوله. ...
منذ يوم فريق المدرسة...
لم أعد كما كنت.
كنت أعود إلى البيت...
أضع حقيبتي في ركن الغرفة...
ثم أجلس صامتًا.
لم أعد أحكي لها عن يومي.
ولا عن محمد.
ولا حتى عن الكورة.
لاحظت ذلك...
لكنها لم تسألني مباشرة.
كانت تنتظر...
حتى أتكلم أنا. ...
وفي مساءٍ هادئ...
كانت تجلس تخيط زرًا سقط من قميصي المدرسي.
جلست بجوارها.
أراقب يديها... وهما تتحركان في هدوء.
ثم قلت فجأة:
"هو ينفع أسألك سؤال؟"
رفعت رأسها...
وابتسمت.
وقالت: "طبعًا يا حبيبي."
ترددت قليلًا.
ثم خرج السؤال...
الذي ظل يدور في رأسي منذ سنوات.
"هو... جدو وافق يجوزك لبابا ليه؟"
توقفت الإبرة بين أصابعها.
ونظرت إليّ طويلًا.
كأنها لم تتوقع...
أن يسأل طفل في مثل عمري...
مثل هذا السؤال.
ثم ابتسمت ابتسامةً هادئة.
وقالت:
"إيه اللي خلاك تسأل السؤال ده؟"
خفضت رأسي...
وأخذت أرسم بإصبعي خطوطًا على الأرض.
ثم قلت بصوتٍ خافت:
عشان...
جدو راجل مهم...
وخالو شيك...
وبابا...
عامل في مصنع.
ساد الصمت.
لم تغضب.
ولم تعاتبني.
بل اقتربت مني...
وربتت على كتفي.
وقالت بهدوء:
"تعالى... أحكيلك حكاية... يمكن بعدها تعرف الإجابة."
يتبع….
