حكايات روني /الفصل الخامس : أول الأصدقاء.
حكايات روني /الفصل الخامس : أول الأصدقاء.
إذا لم تقرأ الفصول السابقة، أنصحك بالبدء من الفصل الأول، لأن كل موقف في طفولة روني سيعود ليصنع شخصيته لاحقًا
كان روني يظن أن المدرسة مكانًا يتعلم فيه الأطفال الحروف...
لكنه لم يكن يعلم...
أنها ستكون أول مكان يتعلم فيه كيف يرى الناس أنفسهم...
وكيف يرون غيرهم. ...
في الليلة التي سبقت أول يوم دراسي...
لم يستطع النوم بسهولة.
كان يفتح حقيبته...
ثم يغلقها.
ثم يعود فيفتحها مرة أخرى.
يتأكد أن الكراسات في مكانها.
وأن المقلمة لم ينسَها.
وأن القلمين الرصاص ما زالا داخلها.
كانت حقيبته زرقاء...
عليها رسمة لبطل كرتوني أحبّه كثيرًا.
لم تكن أغلى حقيبة في المحل...
لكنها كانت أجمل حقيبة رآها بعينيه.
لأن والده هو من اشتراها.
كان قد ظل يدور بين المحلات طويلًا...
يسأل عن الأسعار.
ثم عاد يحملها وهو يبتسم.
وقال له يومها:
"إيه رأيك يا بطل؟"
احتضنها روني دون أن يجيب.
ولم يكن يعلم...
أن بعض الآباء يشترون ما يطلبه أبناؤهم...
بينما كان أبوه...
يشتري ما يستطيع. ...
في الصباح...
ارتدى ملابسه الجديدة.
وقف أمام المرآة أكثر من مرة.
ثم خرج يمسك بيد والده.
كان الطريق إلى المدرسة مليئًا بالأطفال.
كل واحد يمسك يد أبيه أو أمه.
وكأن الجميع...
خائفون من العالم نفسه.
وعند بوابة المدرسة...
انحنى والده قليلًا.
عدل ياقة قميصه.
وربت على كتفه.
ثم قال وهو يبتسم:
"خليك مؤدب... وعايزك تبقى شاطر."
هز روني رأسه.
وحاول أن يبدو شجاعًا.
لكن أصابعه...
كانت ما تزال متشبثة بيد أبيه.
تركها ببطء...
ودخل. ...
كان الفصل يعج بالأصوات.
الأطفال يجرون بين المقاعد.
كل واحد يحاول أن يختار مكانًا يعجبه.
هذا يريد أن يجلس بجوار ابن عمه.
وذاك سبق الجميع إلى أول مقعد.
وآخر يبكي لأنه لا يريد الجلوس وحده.
أما روني...
فظل واقفًا عند الباب.
يحمل حقيبته على ظهره.
وينظر إلى المقاعد...
وكأنها كلها لا تعرفه.
لم يعرف أين يجلس.
ولا كيف يختار مكانًا...
في عالمٍ لم يختره أحد فيه بعد.
ظل واقفًا للحظات...
حتى وقعت عيناه على طفل...
يجلس وحده في آخر الفصل.
لم يكن يتكلم.
ولم يكن ينظر إلى أحد.
كان يضم حقيبته إلى صدره...
وكأنه يخاف أن يأخذها أحد منه.
اقترب روني ببطء.
ثم قال بصوت خافت:
"هو المكان فاضي؟"
رفع الطفل رأسه.
هز رأسه بالإيجاب.
ثم عاد ينظر إلى الأرض.
جلس روني بجواره.
ساد الصمت بينهما.
لكن الغريب...
أن الصمت لم يكن ثقيلًا.
كان يشبه صمت طفلين...
يبحث كلٌ منهما عن شخص يطمئنه. ...
بعد دقائق...
دخلت المعلمة.
ساد الهدوء.
كانت تُدعى...
الأستاذة هويدة.
كان في صوتها شيء...
يشبه صوت الأمهات.
لا هو مرتفع...
ولا ضعيف.
ابتسمت وهي تنظر إلى الأطفال.
وقالت:
"صباح الخير يا حبايبي."
ولأول مرة منذ دخل المدرسة...
شعر روني...
أن الخوف بدأ يترك مكانه ببطء.
لم يكن يعلم...
أن هذه السيدة...
ستكون أول أمٍ أخرى في حياته.
كما لم يكن يعلم...
أن الطفل الجالس إلى جواره...
سيصبح بعد سنوات...
واحدًا من أجمل ذكريات طفولته.
ثم ابتسمت وهي تنظر إلى الأطفال.
وقالت:
"يلا يا حبايبي... كل واحد يقول اسمه... وبابا بيشتغل إيه."
وقف أول طفل.
قال بثقة:
"أنا أحمد... وبابا دكتور."
ثم وقف آخر.
"بابا مهندس."
وثالث...
"بابا مستشار."
كانت الأستاذة تبتسم لكل طفل...
أما روني...
فكان ينتظر دوره في صمت.
حتى نادت اسمه.
وقف.
وقال بصوت خافت:
"أنا روني."
ثم سكت.
ابتسمت الأستاذة وسألته:
"وبابا بيشتغل إيه يا روني؟"
ظل ينظر إليها للحظات.
ثم هز رأسه.
وقال بخجل:
"معرفش."
ساد الفصل هدوء قصير.
لكن الأستاذة هويدة ابتسمت...
وربتت على كتفه.
وقالت بحنان:
"ولا يهمك..
. اسأله النهارده...
وتقولّي بكرة."
جلس مكانه.
لكن السؤال...
لم يجلس معه.
ظل يطارده حتى انتهى اليوم. ...
دق جرس الفسحة.
بدأ الأطفال يخرجون ما في حقائبهم.
علب طعام ملونة.
وساندويتشات بانيه.
وبرجر.
وعصائر بألوان مختلفة.
ونظر روني إلى حقيبته.
أخرج ساندويتش الجبنة...
وزجاجة المياه التي ملأتها له أمه قبل أن يخرج.
ثم رفع رأسه.
فرأى أطفالًا يحملون زجاجات مياه بأشكال لم يرها من قبل.
وشنطًا أكبر.
ومقالم تمتلئ بالألوان.
وقبل أن يخفض عينيه...
التفت إلى محمد.
فوجده يخرج ساندويتش جبنة...
وزجاجة مياه عادية تشبه زجاجته تمامًا.
ابتسم روني.
فابتسم محمد.
ولأول مرة...
شعر كل واحد منهما...
أنه وجد شخصًا يشبهه. ...
وفي المساء...
جلس روني بجوار والده.
ظل ينظر إليه للحظات.
ثم سأله ببراءة:
"بابا... إنت بتشتغل إيه؟"
ابتسم الأب.
وكأنه تعجب من السؤال.
ثم قال في هدوء:
"أنا عامل في مصنع يا روني."
هز روني رأسه.
ثم سأل بسرعة:
"يعني إيه عامل؟"
ابتسم الأب أكثر.
وقال:
"يعني بروح كل يوم أشتغل بإيدي... وربنا بيرزقنا."
لم يشعر الأب بأي حرج وهو يقولها.
أما روني...
فشعر براحة.
لأنه أخيرًا عرف الإجابة. ...
في صباح اليوم التالي...
وقف أمام الأستاذة هويدة.
وقال بابتسامة صغيرة:
"بابا... عامل في مصنع."
ابتسمت المعلمة.
وقالت:
"ربنا يباركله."
ثم أكملت الحصة.
لكن روني...
لاحظ بعض الأطفال ينظرون إليه...
ثم ينظرون إلى بعضهم.
ولم يفهم السبب. ...
مرت الأيام.
وصار محمد أقرب صديق إليه.
كان والد محمد...
يعمل في محل أحذية.
يقف طوال اليوم...
ليبيع أحذية ليست له.
وكان محمد...
يشبه روني كثيرًا.
في هدوئه.
وفي خجله.
وفي بساطة كل شيء يملكه. ...
وفي إحدى الفسحات...
تجمع ثلاثة أولاد حول محمد.
كانوا يسخرون منه.
ثم بدأ أحدهم يدفعه.
تراجع محمد إلى الخلف.
وأخفض رأسه.
وقف روني مكانه للحظة.
كان خائفًا.
لكنه لم يحتمل أن يرى صديقه وحده.
تقدم.
وأبعد يد الولد عن محمد.
وقال بصوت مرتجف:
"سيبه."
نظر إليه الأولاد.
ثم تحول الدفع إليه.
وانتهى الأمر بمشادة صغيرة...
فرّقها أحد المدرسين. ...
في صباح اليوم التالي...
استدعاه أحد المدرسين خارج الفصل.
لم يسأله ماذا حدث.
ولم يسمع منه.
أمسك يده...
وضربه عدة ضربات بالعصا.
كان والد أحد الأولاد...
قد جاء إلى المدرسة في الصباح.
وروى الحكاية...
كما رآها هو.
أما رواية روني..
. فلم يسأل عنها أحد.
عاد روني إلى البيت...
دخل غرفته...
وأغلق الباب بهدوء.
ثم جلس على الأرض...
وبكى.
لم يكن يبكي من ألم العصا.
كان يبكي...
لأنه شعر...
أنه لا يملك ظهرًا يحميه.
تذكر صديقه...
كيف جاء والده إلى المدرسة...
فتكلم.
ودافع عنه.
أما هو...
فكان يخاف...
أن يذهب والده.
ليس لأنه لا يحبه.
بل لأنه تذكر...
ذلك اليوم...
حين سخر أحدهم من ملابس أبيه...
واكتفى أبوه بالابتسام.
خاف...
أن يضحكوا عليه مرةً أخرى.
وخاف أكثر...
أن يضحكوا على أبيه.
فابتلع الحكاية...
كما ابتلع أبوه الكلام من قبل
. ... وفي تلك الليلة...
نام روني...
وهو يشعر للمرة الأولى...
أن العالم خارج البيت...
ليس عادلًا.
وأن بعض الأطفال...
يحميهم آباؤهم.
أما هو...
فقرر أن يحمي والده...
من كلمةٍ...
قد تؤلمه.
لكن الطفل...
لم يكن يعلم...
أنه وهو يحاول حماية أبيه...
كان يترك قلبه الصغير...
بلا حماية.
يتبع..
