حكايات روني /الفصل الثامن : لأنها اختارت أبي .

حكايات روني /الفصل الثامن : لأنها اختارت أبي .

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

حكايات روني /الفصل الثامن : لأنها اختارت أبي.

 

إذا كانت هذه أول مرة تقرأ فيها "حكايات روني"، فمن الأفضل أن تبدأ من الفصل الأول، لأن كل فصل يبني ما قبله، وستكتشف أن التفاصيل الصغيرة التي مررت بها هي التي تصنع التحول الكبير في شخصية روني .

 

 

...

تنهدت أمي...

وكأنها فتحت بابًا ظل مغلقًا سنوات.

ثم قالت:

"لازم الأول تعرف...

أنا كنت عايشة إزاي."

...

ولدت في بيتٍ مكنش ينقصه شيء.

جدك كان رجلًا عسكريًا.

هيبته تسبق اسمه.

وكان كل اللي يعرفه...

يعرف إن كلمته واحدة.

بيتنا كان واسع.

وكل حاجة فيه كانت متوفرة.

مكنتش أعرف يعني إيه آخر الشهر.

ولا يعني إيه حد يعد الفلوس قبل ما يشتري حاجة.

...

وكان فيه شاب...

ناس كتير كانت شايفاه مناسب ليا.

لبسه شيك.

وشغله كبير.

ومعاه فلوس.

حتى أنا...

افتكرت وقتها إنه الشخص المناسب.

لكن جدك رفض.

من غير ما يفكر كتير.

ولما سألته ليه...

قالي:

"الولد ده...

هيعرف يفرحك يوم.

لكن مش هيعرف يشيلك عمر."

وقتها...

زعلت منه.

لأني كنت شايفة اللي الناس شايفاه.

أما هو...

فكان شايف حاجة تانية.

...

بعدها بفترة...

وأنا راجعة من المدرسة.

كنت لابسة جزمة جديدة.

كنت فرحانة بيها جدًا.

وكل البنات كانوا يبصولها.

وأنا ماشية...

انكسر كعب الجزمة فجأة.

واختل توازني.

وقعت على الأرض.

ولفيت رجلي...

ومقدرتش أقف.

الناس اتجمعت.

كل واحد يبص.

وكل واحد يقول كلمة.

لكن محدش قرب.

...

وفي اللحظة دي...

كان شاب ماشي في الشارع.

وشكله باين عليه التعب.

شايل هموم الدنيا فوق كتفه.

وقف أول ما شافني.

وجري ناحيتي.

من غير ما يعرف أنا مين.

ولا أبويا مين.

ولا حتى اسمي.

كل اللي شافه...

إن بنت وقعت...

ومحتاجة حد يساعدها.

...

سندني.

وأوقف تاكسي.

وأخدني أقرب مستشفى.

ولما الدكتور طلب فلوس الكشف...

مد إيده في جيبه.

طلع جنيه واحد.

وبصله ثواني...

كأنه كان آخر حاجة يملكها.

ثم حطه في إيد الدكتور...

من غير ما يتردد.

وبعد ما اطمن إني بقيت بخير...

مشي.

من غير ما يستنى كلمة شكر.

ولا حتى يعرف اسمي.

...

لما جدك وصل...

وسمع اللي حصل.

فضل يسأل عن الشاب.

لكن محدش كان يعرفه.

كأنه ظهر...

عشان يعمل خير...

واختفى.

...

عدت أيام.

ولما رجلي خفت...

قال جدك:

"يلا نتمشى شوية."

روحنا جنينة قريبة.

وقعدنا على مقعد.

وبعد شوية...

قال:

"نفسي في كوباية شاي."

كان فيه شاب عامل نصبة شاي صغيرة.

راح طلب منه.

وأول ما الشاب لف...

بصيت في وشه.

وقولت بسرعة:

"يا بابا...

ده هو.

ده الشاب...

اللي وداني المستشفى."

رفع جدك رأسه...

وبصله كويس.

وبعد ما شرب الشاي...

شكره.

وقال له:

"تشرفنا عندنا يوم."

ابتسم الشاب في هدوء.

وقال:

"ده شرف ليا يا أفندم."

ومن اليوم ده...

بدأت الحكاية...

اللي غيرت حياتي كلها.

 

 

 

 

ظللت أنظر إليها في صمت.

لم أكن أتخيل...

أن وراء سؤالٍ صغير...

كل هذه الذكريات.

ابتسمت ابتسامةً خفيفة...

ثم قالت:

"بعد ما جدك عزمه عندنا...

افتكرت إن الموضوع انتهى."

"دخل...

وقعد معانا.

أكل من الأكل اللي عملته ستك.

وكان هادئًا جدًا.

لا بيتكلم كتير...

ولا بيحاول يلفت نظر حد."

...

"لكن جدك...

كان بيراقبه."

كيف يأكل.

وكيف يتكلم.

وكيف يرد على أي سؤال.

حتى وهو بيشرب الشاي...

كان بيحط الكوباية في مكانها بهدوء.

وكأنه متربي...

على احترام كل شيء.

...

وبعد ما مشي...

ناداني جدك.

وقال:

إيه رأيك فيه؟

استغربت.

وقلت:

مين؟

قال:

الشاب.

قلت له:

شاب محترم...

وربنا يكرمه.

ابتسم...

وقال:

وأنا كمان...

نفسي أكرمه.

بإنه يبقى جوزك.

...

افتكرت إنه بيهزر.

وضحكت.

لكنه كان بيتكلم بجد.

قولتله:

يا بابا...

إنت بتهزر؟

أنا؟

أتجوز واحد شغال على نصبة شاي؟

ده حتى معرفش ساكن فين.

ولا معاه إيه.

ولا يقدر يفتح بيت إزاي.

...

فضل ساكت...

يبصلي.

ثم قال جملة...

عمري ما نسيتها.

قال:

"يا بنتي...

أنا شوفت رجال كتير.

وشوفت أصحاب مناصب.

وشوفت أصحاب فلوس.

لكن قليل...

لما تلاقي راجل."

...

قلت له:

بس الناس هتقول إيه؟

ابتسم.

وقال:

"الناس...

مش هيعيشوا مكانك."

...

قلت:

بس هو فقير.

رد بهدوء:

"الفقر...

ربنا بيغيره.

إنما الأصل...

محدش يقدر يغيره."

...

وسكت لحظة...

ثم قال:

"الشاب ده...

صرف آخر جنيه معاه...

على بنت ميعرفهاش.

ولو كان بيعمل ده عشان مصلحة...

كان استنى يشوف أنا مين.

إنما هو مشي...

قبل ما حد يشكره.

أنا مطمن...

إن الراجل اللي يعمل كده...

عمره ما هيبيعك."

...

وبعد أيام...

وافق أبوك ييجي يقابل جدك.

وأول ما دخل البيت...

كان لابس أحسن هدوم عنده.

رغم إنها كانت بسيطة جدًا.

لكن كانت نضيفة...

ومكوية بعناية.

دخل...

وسلم على جدك.

وبصله في عينه.

من غير خوف.

ولا غرور.

...

سأله جدك:

"إنت شغال إيه؟"

قال:

"بشتغل أي شغل بالحلال."

قال:

"ودلوقتي؟"

ابتسم أبوك...

وقال في هدوء:

"سيبت الشغل...

وبدور على غيره.

ورزقي على الله."

...

كنت مستنية...

إنه يخبي الحقيقة.

أو يكبر نفسه.

لكنه قال كل حاجة...

زي ما هي.

...

سأله جدك:

"ولو اتجوزت...

هتفتح بيت بإيه؟"

ابتسم أبوك.

وقال:

قدمت علي شغلانة في مصنع وان شاء الله ربنا يكرم 

...

وسكت شوية...

ثم كمل:

"يمكن معنديش فلوس كتير...

لكن أوعد حضرتك...

إن بنتك...

ولا يوم...

هتنام وهي خايفة مني.

ولا هتمد إيدها لحد...

وأنا عايش."

...

تقول أمي:

"لأول مرة...

شفت جدك...

يسكت."

كان رجلًا عسكريًا...

يقرأ الرجال...

قبل أن يسمع كلامهم.

وحين خرج أبوك...

نظر إليّ.

وقال:

"خلاص يا بنتي...

أنا اخترت."

...

ابتسمت أمي...

ونظرت إليّ.

ثم قالت:

"وقتها...

كنت شايفة إني نازلة من مستوى...

لكن بعد الجواز...

اكتشفت...

إني كنت طالعة...

لأعلى مكان ممكن تعيش فيه أي ست."

 

 

سكتت قليلًا...

ثم قالت وهي تنظر إلى باب الشقة...

كأنها ترى أبي يدخل منه الآن:

"مكنتش كل يوم ألاقي أكل غالي...

لكن كل يوم...

كنت ألاقي راجل...

أشرف من اليوم اللي قبله."

 

 

 

ابتسمت أمي…

وقالت:

"عارف يا روني…

أنا كنت فاكرة إن الحياة الحلوة…

هي البيت الكبير.

واللبس الغالي.

والفسح الكتير.

لكن بعد ما اتجوزت أبوك…

اكتشفت إن الحياة الحلوة…

هي راجل."

 

 

"عمري ما شوفته رجع من الشغل…

ورمى همه علينا.

كان يدخل البيت…

يبتسم…

حتى في الأيام…

اللي مكنش معاه فيها غير تمن العيش."

"ولو كان معاه آخر جنيه…

وكان البيت محتاجه…

كان يصرفه…

وهو فرحان.

وعمره ما حسسني…

إنه عمل معايا جميل."

 

 

 

سكتت لحظة…

ثم ضحكت وهي تتذكر.

وقالت:

"عارف أول عيد جواز لينا؟

مكنش معاه يجيبلي هدية.

رجع البيت…

وفي إيده وردة واحدة.

كان قطفها من جنينة…

ولفها في ورقة بيضا.

وقالي:

سامحيني…

لما ربنا يوسعها…

هجيبلك الورد كله.

فضلت الوردة دي…

أغلى عندي…

من أي دهب."

ثم قالت:

"وفي مرة…

كنت تعبانة جدًا.

والدكتور كتبلي علاج.

رجع من الشغل…

وعرفت بعدين…

إنه رجع البيت ماشي.

لأنه دفع أجرة المواصلات…

واشترى العلاج."

تنهدت…

وأكملت:

"أنا عمري ما طلبت منه حاجة…

وقال لا…

ولو مقدرش يجيبها…

كان يموت نفسه لحد مايجيبها."

ثم اقتربت مني…

وأمسكت يدي.

وقالت:

"إنت شايف إيد أبوك؟

الإيد دي…

يمكن مش ناعمة.

لكنها عمرها…

ما وجعتني.

ولا خوفتني.

ولا خانتني.

ودي عند أي ست…

تساوي الدنيا كلها."

نظرت إلى الأرض.

لم أتكلم.

لأول مرة…

شعرت بالخجل.

تذكرت كل مرة…

قارنت فيها بين أبي وخالي.

وتذكرت…

أنني كنت أقيس الرجال…

بما يملكون.

بينما أمي…

كانت تقيسهم…

بما يمنحون.

 

 

 

سكتت أمي.

وسكتُّ أنا.

لكن داخلي…

لم يكن ساكتًا.

بدأت المشاهد…

ترجع واحدًا وراء الآخر.

يوم ضحك أحدهم…

وقال أمام الجميع:

“إنت مبهدل زي أبوك.”

ويوم وقفت في الفصل…

لا أعرف ماذا أقول…

حين سألتنا ميس هويدة عن عمل آبائنا.

ويوم عاد أبي من عمله…

فسألته:

“إنت بتشتغل إيه؟”

ويوم حلمت أنا ومحمد…

أن نكون في فريق المدرسة.

ثم اكتشفنا…

أن الموهبة وحدها لا تكفي.

وأن أبناء المدير…

وأبناء المدرسين…

كانوا أقرب إلى الفريق منا.

ويوم دافعت عن محمد…

ثم وقفت وحدي…

أتلقى العقاب.

كنت وقتها…

لا أبكي من الضرب.

كنت أبكي…

لأنني شعرت أن والد صديقي…

استطاع أن يحمي ابنه.

أما أبي…

فكنت أظنه رجلًا بسيطًا…

لن يستطيع أن يأتي…

ولن يستطيع أن يعترض…

ولن يستطيع أن يعيد لي حقي.

لم يقل لي أحد يومًا…

أن أخجل من أبي.

لكن الحياة…

كانت تقولها بطرقٍ كثيرة.

مرةً في ضحكة.

ومرةً في نظرة.

ومرةً في مقارنة.

حتى بدأت…

دون أن أشعر…

أفقد إحساس الفخر به.

ثم نظرت إلى أمي.

وتذكرت كل كلمة قالتها.

وفجأة…

شعرت بالخجل.

ليس من أبي…

بل من نفسي.

كيف رأيت ملابسه…

ولم أرَ قلبه؟

كيف رأيت مهنته…

ولم أرَ رجولته؟

وكيف صدقت الناس…

قبل أن أعرف الحقيقة؟

وفي تلك اللحظة…

سمعت صوت مفتاح الباب.

عاد أبي…

كما يعود كل ليلة.

بنفس القميص البسيط.

ونفس اليدين…

اللتين أنهكهما العمل.

فتح الباب…

وابتسم.

وقال كعادته:

“عامل إيه يا بطل؟”

رفعت رأسي.

نظرت إليه طويلًا.

ثم جريت…

وارتميت في حضنه.

ضمَّني وهو يضحك.

وقال:

“مالك يا ابني؟”

لم أستطع أن أجيبه.

لأنني…

لأول مرة…

لم أكن أحتضن عاملًا في مصنع.

كنت أحتضن…

الرجل…

الذي لم تهزمه الحياة.

لكنها…

كادت تهزمه…

في عيني أنا.

وفي تلك الليلة…

عاد أبي إلى البيت…

كما اعتاد أن يعود كل يوم.

أما أنا…

فعدت…

إلى أبي ..

 

يتبع…

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمد جمال تقييم 4.88 من 5.
المقالات

6

متابعهم

3

متابعهم

1

مقالات مشابة
-