الجزء 4(يوميات مدرسية) خريطة ميس فاطمة ....

مرت الأيام سلسلة على علياء وأسرتها الصغيرة لا يعكر صفو الايام شيئا إلا المدرس الجديد ... لقد كان اليوم الأول للأستاذ حامد مدرس الحساب والمواد الاجتماعية ... كان ضيفا ثقيلا على علياء وجارتها نهى ... كان يمتلك كشكول كبير يحتوي على كافة دروس الحساب والمواد الاجتماعية ... انه الكشكول الذي يحوي كافة الأسئلة والاجابات النموذجية ....ولهذا فإن علياء ملزمة بحفظ كل الأسئلة والاجابات داخل الكشكول وهي لن تجهد نفسها في نقل الأسئلة أو الاجابات فهو يكتب السؤال والإجابة في كل كراسة على حدى ... فقد خصص لها كراسة ولنهى كراسة ...
حفظ الكراسة صم …..
أستاذ حامد : هذه يا علياء كراستك الخاصة. سأكتب لك الأسئلة والاجابات الخاصة بالدرس الاول في المواد الاجتماعية ... أما الكراسة الخضراء الأخرى فإنها خاصة بنهى سأكتب لها نفس الاسئلة والاجابات ... المهم هنا أن تصموا كل درس من خلال الأسئلة والاجابات الملخصة حتى لا يتراكم عليكم أي درس.
... علياء : حاضر يا أستاذ... سأحفظ الدرس كما كتبته ولكن ألا يوجد طريقة أخرى غير الحفظ حتى أذاكر بها ...
أستاذ حامد: الحفظ سهل جدا ... فقد لخصت لكم الاجابات في مجموعة بنود ... تستطيعون أن تصموها عن ظهر قلب ...
نهى : الاجابات سهلة جدا فعلا... شكرا يا أستاذ حامد
انتهى الدرس على خير ... لكن علياء ليست بخير ... فإنها لا تفهم الاجابات وتشعر أنها لا تفهم شرح الأستاذ ... ولهذا قالت علياء لنهى وهي محبطة: هل يعجبك شرح الاستاذ
قالت نهى : أستاذ حامد ممتاز في طريقة شرحه
علياء : لكن أنا لا زلت لا أفهم يا نهى والحفظ سيكون صعب جدا ... ربنا يستر
نهى : أنا فهمت الشرح وأرى أن الاجابات ملخصة ، ويمكننا حفظها بسرعة ..
علياء :كنت أتمنى أن أفهم مثلك
نهى : لا تخافي يا علياء ... احفظي الدرس ولنرى ماذا سيحدث في المرة القادمة
مر اليوم ثقيلا على علياء فإنها تحاول جاهدة أن تفهم المدرس وتفكر في كيفية التخلص من هذا الحمل الثقيل ... وماذا تقول لوالديها ... وهم يثقون في هذا المعلم ثقة كبيرة لأنه كان يدرس لشقيقتها الكبرى في المرخلة الابتدائية ، وكانت تمدح في مهارته وقدرته المتميزة على إيصال المعلومة ودعم التلاميذ على حفظ الدروس ...
ظلت علياء تفكر في الأمر مما جعلها تبدو حزينة فسألتها ماما : هل حدث شيء ما يا علياء اليوم ؟
علياء : لا أعرف يا أمي ماذا أقول لك ، ولكن أنا لا أستطيع فهم الشرح من أستاذ حامد ...
ماما سامية :,كيف هذا ؟ إنه مدرس ممتاز كما يصفه التلاميذ ..
علياء : لكن هو يا أمي يريدنا أن نصم الإجابات بطريقته النموذجية المكتوبة …….وأنا لم أفهم شيء حتى أحفظ ... ربما يكون فهمي بطيء ... سأرى المرة القادمة ....
ماما : عليك أن تستذكري الدروس جيدا ، وتحفظي ثم بعد ذلك نصدر حكمنا عليه...
علياء : عندك حق يا امي ..
الحساب أصبح سهلاً…….
في المرة التالية كان درس الحساب ... ولم تكن المسألة معقدة كثيرا فقد خصص أستاذ حامد الدرس لمراجعة أساسيات بسيطة …… وقد اختصر عليهم الطريق في فهم المسائل ... وقد تفاعلا كلا من علياء ، ونهى مع طريقته في شرح المنهج ، وشعروا أن له أسلوب متميز في شرح المسائل ... وقد شعرت علياء بالراحة لأول مرة …… حيث رأت أن مادة الحساب ليست بالتعقيد الذي كانت تراه فيما قبل ... وعلى ذلك يبدو أن أستاذ حامد ممتاز فقط في الحساب لكنه لا يجيد فك عقدة علياء في المواد الاجتماعية ................. قالت علياء في نفسها : ماذا أفعل في المواد الاجتماعية… وكيف أواجه الأستاذ حامد بإني لا أفهم شرحه……. ؟
في صباح اليوم التالي ذهبت علياء للمدرسة وقد كان الاختبار الحقيقي في حصة الحساب عندما شعرت أنها ترى المسائل بشكل آخر …… وتستطيع أن ترفع يدها لتجيب عن الاسئلة التي توجهها المدرسة لهم ... وتحولت حصة الحساب من عبيء ثقيل إلى شيء يسير ... ولكنها لازالت تحمل عبيء المواد الاجتماعية وكيفية حفظ البلاد والعواصم وكيف تعرف شكل البلد ... ولماذا تقف متعثرة أمام كل هذا…..
طنط فاطمة ……
انتهى اليوم الدراسي على خير …….. وعادت علياء إلى المنزل مع والدتها ... وفي طريق العودة صارحت علياء أمها بما يدور داخلها من أفكار ، وقد صادفا جارتهم فاطمة أثناء صعودهم المنزل ... وقد كانت فاطمة تحب علياء وتهتم لأمرها ... لاحظت فاطمة أن علياء حزينة بعض الشيء ... فسألتها عن سبب الحزن ..
قالت علياء بحماس : هل تعرفين يا طنط فاطمة اني في سنة ستة ابتدائي ... يعني أنا شهادة .. ، واختبارات اخر العام اقتربت وانا مرعوبة ..
ضحكت فاطمة قائلة : مرعوبة ... مرة واحدة هكذا يا لولو ...
علياء بحزن : يا طنط أنا اتكلم بجدية .. لا أهزر ...
فاطمة : حبيبتي ... تعالي يا عمري ... تعالي .. لا تصعدي البيت وأنت حزينة هكذا ... من فضلك طنط سامية .. علياء ستجلس معنا اليوم ... هل تسمحي لي بأن آخذها ..
ماما : المهم هو رأيها ... ما رأيك يا علياء ؟ هل تذهبين مع فاطمة ..
علياء : نعم يا أمي .. سأذهب معها ونتكلم ساعة ثم آتي لكم ...
ماما : اتفقنا ... وانا سأترككم معا ... لا تتأخري يا علياء ...
فاطمة : أعدك .. علياء لن تتأخر عليكم ..
علياء : حاضر يا أمي لن أتأخر
دخلت علياء إلى منزل جيرانها حيث تسكن فاطمة مع والدتها وشقيقتها الكبيرة ...
فاطمة : أولا ... خذي يا علياء الشيكولاتة التي تحبيها ..
علياء : شكرا يا طنط ... لا أريد الآن ...
فاطمة : هيا يا علياء احكي لي عما يضايقك ... أنا أختك الكبيرة .. أنا مثل هنا أختك ….
علياء : طبعا يا طنط .. لكن أنا عندي مشكلة كبيرة …… ، ولا أعرف كيف أشرحها لبابا ….
فاطمة : ما هي المشكلة حبيبتي ...
علياء : أنا عقلي به شيء خطأ ….
فاطمة : كيف هذا ...
علياء باكية : أنا أرى اني لا أفهم المدرس الخصوصي الجديد…..
فاطمة : هل ترين كل المواد صعبة …
علياء :لا .. لا أنا فهمت منه الحساب ….. ولكن لا أفهم المواد الاجتماعية أبدا …… وكل اصحابي يفهموها ماعدا أنا عقلي فيه شيء ..
فاطمة ضاحكة : لا تقولي هذا ... أنت عقلك تمام ، ولكن ربما إنك تحتاجي شرح بطريقة أخرى .. أنا أرى إنك بخير ..
علياء : أنت تقولين ذلك لأنك تحبيني...
فاطمة : هل معك كتاب المواد الاجتماعية يا علياء ... أنا سأشرح لك لأثبت إنك تفهمي كل شيء ، ولكن طريقة المدرسين معك خطأ...
علياء : حقيقي يا طنط فاطمة .. هل تتحملين بطء فهمي وتكررين لي الشرح إذا لم أفهم ..
فاطمة : التكرار يفيد الشطار ..
علياء وهي تبتسم: لا يا طنط .. هم يقولون أن التكرار يعلم الحمار ...
فاطمة ضاحكة : اخيرا ابتسمت ... لا يا علياء . التكرار يعلم الشطار ... وسترين ...
فاطمة : هيا افتحي الكتاب على الدرس الأول ... تعالي هنا ... اجلسي على السفرة .. أين خريطتك ؟.
علياء : خريطة ... وهل الخريطة مهمة ..
فاطمة : مهمة جدا جدا وبدون الخريطة لن نفهم أي شيء .. أنا سأخضر لك الخرائط حالا ... لا تقلقي ... ها هو الكتاب ..
علياء : شكرا جدا يا طنط
فاطمة : حبيبتي .. أنا عندي نسخة زيادة .. خذيها معك .. الآن .. انظري على الخريطة ... أين تقع مصر ... هل تستطيعي رؤيتها ..
علياء : لا يا طنط .. تلك هي المشكلة .. انا لا اعرف أين هي مصر …..
فاطمة : لا تنزعجي ... بهدوء .. .. انظري الى الخريطة هل تلاحظين هذين الأذنين .. أنه البحر الاحمر ومصر تقع على شاطيء البحر الأحمر هذا ... إنها هذا المستطيل الغير مكتمل هنا .. البحر الأحمر ف الجزء الشرقي من مصر.... الشرق يكون يمينا والغرب يسارا ... هل تفهمين الآن ؟
علياء : نعم ... أنا أعرف الشرق والغرب ... وأعرف أيضا شكل المستطيل….
فاطمة : هل تلاحظين هذا الخط المتعرج في أعلى .. هل ترينه .. انه البحر المتوسط في الشمال اي اعلى مصر هنا … ومصر تقع أيضا على البحر المتوسط … وهل ترين هذا المثلث الصغير جدا …
علياء : نعم يا طنط .. أراه جيدا .. ما هذا ؟
فاطمة : إنها تونس … .. لاحظي انها صعيرة المساحة مثل المثلث الصغير …. وهنا ناحية البحر الأحمر في الشرق مربع كبير متسع …. انها السعودية .. وماذا قلنا عن البحر الأحمر .. هل تذكرين ؟
علياء : ماذا قلنا … ماذا تقصدين ؟
فاطمة : هل نسيتي حبيبتي … قلنا أن له أذنين … ها هما … هذين الأذنين توضح لك شكله …
علياء: نعم يا طنط فاطمة … أراه جيدا وعرفت شكله … وأستطيع معرفته جيدا الآن ..
فاطمة : هايل يا علياء …. برافو….
ابتسمت علياء ابتسامة خجولة، وأخذت تحدق في الخريطة ….. وكأنها تراها بعين جديدة. لم تعد الخطوط والألوان مربكة كما كانت منذ دقائق، بل بدأت تتحول في ذهنها إلى أماكن حقيقية، وبحار وحدود ومسافات يمكن فهمها.
أشارت بإصبعها الصغير قائلة بدهشة صادقة:
— إذن… هذه هي مصر؟ هنا مكاننا؟
هزّت فاطمة رأسها مبتسمة، وقالت برفق:
— نعم يا علياء، وكل بلد في العالم لها مكانها وحكايتها…… وما دام الإنسان يفهم الخريطة ….. فلن يضيع منه الطريق.
شعرت علياء بدفء يسري في قلبها ، وكأن بابا كان مغلقا داخل عقلها قد فتح فجأة……. لم يكن عقلها ضعيفا كما كانت تظن ، ولم تكن عاجزة عن الفهم، لكنها كانت تحتاج فقط إلى من يشرح لها بهدوء، ويمنحها الثقة بدل الخوف.
طلبت من فاطمة أن تعيد الشرح مرة أخرى، ثم مرة ثالثة، وكانت في كل مرة تفهم أكثر….. وتبتسم أكثر،….. حتى بدأت تسأل بنفسها وتحدد الأماكن دون تردد…….. عندها ضحكت فاطمة وقالت: أرأيت؟ أنت ذكية يا علياء ، ولكنك ظلمت نفسك.
عادت علياء إلى منزلها وهي تمسك الخريطة بحرص……. وكأنها كنز ثمين…
جلست في غرفتها تعيد النظر فيها وحدها،…….. وتكرر ما تعلمته…… فشعرت لأول مرة أن مادة المواد الاجتماعية لم تعد عدوا مخيفا، بل صارت لعبة ذهنية ممتعة.
في الأيام التالية…… بدأت درجاتها تتحسن…… وازدادت ثقتها بنفسها….. ولم تعد تخجل من السؤال أو التكرار.
أدركت علياء أن الفهم لا يولد دفعة واحدة…… بل ينمو بالصبر والمحاولة ……… وأن كلمة طيبة وشرحا صادقا قد يغيران مصير طفل كامل.
رفعت علياء رأسها إلى السماء ذات مساء……. وابتسمت في سرها…….. وهي تهمس: -- ---- شكرًا لكل من آمن بي حين شككت أنا في نفسي.