متقلب الود لا يُؤتمن… العلاقات التي ترهق القلب

متقلب الود لا يُؤتمن… العلاقات التي ترهق القلب

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

متقلب الود لا يُؤتمن… العلاقات التي ترهق القلب

image about متقلب الود لا يُؤتمن… العلاقات التي ترهق القلب

في كثير من العلاقات،
لا نصل إلى لحظة الانفجار،
ولا يحدث الخلاف الصريح الذي يبرر البعد.
كل ما هناك أن الصمت يطول،
والكلمات تُؤجَّل،


حتى نجد أنفسنا غرباء عن أشخاص كانوا يومًا قريبين.
في هذه المساحات الرمادية،
حيث لا شيء واضحًا تمامًا،
يظهر متقلب الود.
كان قريبًا حين يشاء،
وبعيدًا دون تمهيد.
يأتي باهتمام دافئ،
كأن العالم لا يتسع لغيرها،


ثم يختفي فجأة،
ويعود بعد غياب طويل
وكأن شيئًا لم يكن.
في البداية، بدت الأمور بسيطة.
فسّرت تصرفاته على أنها ضغوط،
أيام ثقيلة،
أو مزاج متعب.
كانت تؤمن أن الناس لا تكون على حال واحدة دائمًا،
وأن الصبر جزء من أي علاقة ناضجة.
حين يمنحها قربه،
تشعر بالراحة.
حديثه خفيف،
وجوده مطمئن،
وتضحك دون سبب واضح.


لكن حين يبتعد،
يبدأ القلق.
تراجع كلماتها،
وتحسب نبرتها،
وتسأل نفسها أسئلة لم تعتدها.
هل اقتربت أكثر من اللازم؟
هل قالت ما لا يجب؟
هل أخطأت دون أن تشعر؟
لم يكن قاسيًا،
ولا فظًا،
ولا متعمدًا للأذى.
كان فقط متقلبًا.


ومتقلب الود لا يجرح بوضوح،
لكنه يربك،
ويستنزف،
ويترك أثرًا طويلًا لا يُرى بسهولة.
في يومٍ،
يعاملها باهتمام صادق،
وفي آخر،
كأن وجودها عبء ثقيل.
لا شجار،
ولا مصارحة،
فقط تغيّر مفاجئ في النبرة،
وبرود لا تفسير له.
ومع مرور الوقت،
لم تعد تنتظر حضوره،
بل أصبحت تترقّب غيابه.
وهنا، بدأت الحقيقة تتضح.
أن العلاقة لم تعد مساحة أمان،
بل مساحة توتر صامت.
أن القرب أصبح مشروطًا،
والحديث محسوبًا،
والراحة مؤجلة إلى أجل غير معلوم.


في هذا النوع من العلاقات،
يتحول الإنسان إلى نسخة أكثر حذرًا من نفسه.
يخفف حضوره،
يقلل طلباته،
ويحاول أن يكون أقل عبئًا.
حتى يكتشف، متأخرًا،
أنه الوحيد الذي يبذل هذا الجهد.
الود الحقيقي لا يحتاج تفسيرًا مستمرًا.
ولا يضعك في حالة استعداد دائم.
هو واضح دون سؤال،
وثابت دون طلب،
ويمنح الطمأنينة بدل القلق.


ومع التجربة،
تتسع الصورة.
فالأمر لا يقتصر على علاقة واحدة.
يتكرر المشهد بين صديقة وصديقتها،
حين تكون قريبة اليوم وبعيدة غدًا بلا سبب.
يتكرر بين أخ وأخيه،
وبين زميلين كانا يومًا سندًا لبعضهما.
متقلب الود لا يتغير بتغير الأشخاص،
بل يكرر النمط نفسه.
يقترب حين يحتاج،
ويبتعد حين يمل،
دون اعتبار للأثر الذي يتركه خلفه.
وهنا تأتي لحظة الإدراك.
أن التقلب ليس ظرفًا عابرًا،
ولا مرحلة مؤقتة،
بل طبع متأصل.
وأن من لا يثبت في ودّه،
لا يُبنى عليه.
لم يكن البعد خسارة،
بل نجاة.
فالاستمرار مع شخص متقلب
يعني العيش في حالة ترقّب دائمة،
وتبرير لا ينتهي،
واستهلاك صامت للمشاعر.
العلاقات لا تُقاس بالبدايات الجميلة،
ولا بالكلمات اللطيفة،
بل بالثبات وقت الفتور،
وبالحضور حين لا يكون هناك ما يُكسب.


الود الذي يُمنح ويُسحب،
لا يُؤتمن عليه.
لأن الأمان لا يأتي متقطعًا،
ولا يُقدَّم حسب المزاج.
والقرب الحقيقي لا يتركك في حيرة،
ولا يجعلك تشك في قيمتك.
وهكذا،
تنتهي بعض العلاقات بهدوء.
دون عتاب،
دون ضجيج،
لكن بدروس واضحة.
أهمها أن متقلب الود،
مهما بدا لطيفًا في لحظاته الجيدة،
لا يصلح أن يكون سندًا في الحياة.

في العلاقات الإنسانية، لا يكون الخطر دائمًا في الخلافات الصريحة أو الكلمات القاسية، بل في ذلك النوع من العلاقات التي يسودها الغموض وتقلب المشاعر. فمتقلب الود لا يمنح الآخر فرصة حقيقية للشعور بالأمان، لأنه يجعل القرب والبعد مرهونين بالمزاج لا بالالتزام. ومع الوقت، يجد الطرف الآخر نفسه في حالة من الترقب المستمر، يحلل التصرفات، ويبرر الغياب، ويبحث عن أسباب غير موجودة. هذا النوع من العلاقات يستهلك الطاقة النفسية بصمت، ويخلق شعورًا دائمًا بعدم الاستقرار، وكأن الإنسان يسير على أرض غير ثابتة. ولهذا، فإن الود الحقيقي لا يكون متقلبًا، بل واضحًا ومستمرًا، لأن العلاقات التي تُبنى على الثبات فقط هي القادرة على الاستمرار دون أن تُرهق أصحابها أو تفقدهم شعورهم بالقيمة.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
SOFIA تقييم 4.97 من 5. حقق

$0.28

هذا الإسبوع
المقالات

34

متابعهم

91

متابعهم

96

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.