الجزء التاني من رواية *مدينة لا تنام*
**الجزء الثاني** من رواية **مدينة لا تنام**:
---

**الجزء الثاني: المحطة**
الساعة كانت 9:42 مساءً، وآدم واقف قدام باب الشقة، إيده على المقبض، قلبه بيدق أسرع من عقارب الساعة اللي قدامه. أمه في المطبخ، صوت المواعين بيخبط في بعض. لحظة واحدة بس… لو سألته رايح فين، كل حاجة ممكن تبوظ.
فتح الباب بهدوء وخرج. قفله بالراحة، كأنه بيحاول ما يصحيش البيت كله، مش بس أمه.
الهواء برا كان بارد على غير العادة. الشارع مش زحمة، بس مش فاضي. الناس ماشية عادي… عربيات معدية… بس هو حاسس إنه لوحده في عالم تاني. كل وش يعدي جنبه كان يشك فيه. كل عربية تبطّأ جنبه كانت تخليه يشد أعصابه.
ركب ميكروباص، قعد جنب الشباك، عينه على انعكاس الزجاج. مش على الطريق… على اللي وراه.
مرة… اتنين… تلاتة.
نفس العربية السودة.
مش قريب قوي، مش بعيد قوي. بس موجودة.
بلع ريقه. الرسالة كانت صح.
نزل قبل المحطة بشارعين. ماحبش يوصل لحد الباب وهو راكب مواصلة. مشي على رجليه، صوته خطوته واضح في الشارع الهادي. المحلات مقفولة، إعلانات قديمة بتتهز في الهوا، ولمبة عمود نور بتطفي وتولع كأنها بتتنفس.
وأخيرًا شافها.
**محطة الرمل القديمة.**
الحديد مكسورة من ناحية، السور متاكل من الصدأ. الساعة الكبيرة فوق المدخل واقفة عند 2:17… نفس وقت الحريق اللي حصل من سنين، زي ما الناس كانت بتقول.
وقف قدامها لحظة.
“ارجع.”
صوت جواه بيقوله كده.
بس رجليه اتحركت لقدام.
دخل.
ريحة تراب، حديد، ورطوبة. صوت الهوا وهو بيعدي بين العربيات القديمة المتروكة عاملة زي همس. نور القمر داخل من فتحات في السقف المكسور، عامل بقع نور على الأرض.
“كنت فاكر إنك مش هتيجي.”
الصوت جه من الضلمة.
آدم لف بسرعة.
“مين هناك؟!”
راجل خرج خطوة للنور. في الخمسينات تقريبًا، لابس جاكيت غامق وكاب، دقنه خفيفة بيضا. عينيه مش غريبة… فيها حاجة مألوفة بطريقة تضايق.
“اقرب.”
“لا. قول اللي عندك من مكانك.”
الراجل ابتسم ابتسامة صغيرة. “عندك نفس طباعه.”
قلب آدم وقع.
“تعرف أبويا؟”
الراجل سكت لحظة، بص حواليه، بعدين قال بصوت واطي:
“أبوك ما سافرش… أبوك اختفى.”
“اختفى إزاي يعني؟”
“لأنه كان شغال في حاجة ناس كتير ما كانوش عايزينها تتكشف.”
قبل ما يكمل…
نور فجأة ضرب في وشهم.
كشافات عربية.
نفس العربية السودة دخلت من البوابة المكسورة بسرعة، وقفت عرض قدامهم. بابين اتفتحوا، نزل رجلين ضخام، لابسين لبس غامق.
الراجل شد آدم من دراعه.
“اجري!”
“هم مين؟!”
“لو مسكوك… مش هتعرف الحقيقة أبدًا!”
جروا بين العربيات القديمة. صوت خطوات تقيلة وراهم. صوت حد بيزعق:
“امسكوه!”
آدم كان بيجري وهو مش شايف قدامه غير النور المتكسر والضل. نفسه بيقطع، صدره بيولع، بس خوفه كان أسرع من تعبه.
دخلوا مبنى جانبي نصه واقع. طلعوا سُلّم حديد بيصرّ مع كل خطوة.
فوق… مافيش طريق تاني.
سطح.
مسدود.
آدم لف للراجل، أنفاسه متقطعة:
“دلوقتي هنعمل إيه؟!”
الراجل بصله بثبات، وطلع حاجة من جيبه… فلاشة صغيرة.
حطها في إيده.
“دي السبب اللي خلا أبوك يختفي.”
“فيها إيه؟”
“الحقيقة.”
صوت باب السطح بيتفتح بعنف.
الراجل همس بسرعة:
“متثقش في حد… حتى اللي يقولك إنه بيساعدك.”
الرجلين طلعوا.
وفي اللحظة دي… الراجل زق آدم ناحية سور منخفض في الناحية التانية من السطح.
“انط!”
“إيه؟!”
“انط دلوقتي!!”
آدم بص وراه… وبص قدامه… واختار.
وقفز.
---