قبل أن يتوقف الزمن (الجزء الثاني)

قبل أن يتوقف الزمن (الجزء الثاني)

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

أرشيف الأعمار المنسية

حين توقفت الساعات في مدينة «نوفا»، لم يتوقف الزمن فعليًا، بل انكشف. سقط القناع الذي اعتاد الناس الاختباء خلفه، وظهر الفراغ الذي تركته السنوات المسروقة. لم تعد هناك أرقام تُخبرك كم عشت، ولا شاشات تُطمئنك أن كل شيء تحت السيطرة. لأول مرة، أصبح الخوف تجربة جماعية لا يمكن قياسها.

آدم كان يعلم أن ما حدث ليس خللًا عابرًا. توقف الساعات كان رسالة، تحذيرًا أخيرًا من النظام نفسه. فالمُوازِن الزمني لم يكن آلة صمّاء، بل شبكة واعية تتعلم من البشر بقدر ما تتحكم فيهم.

في صباح اليوم التالي، استُدعي آدم إلى الطابق السفلي من هيئة التوازن، المكان الذي لا يظهر على أي مخطط رسمي. هناك يوجد «أرشيف الأعمار»، أكثر أسرار المدينة خطورة.

فتح الحارس الباب المعدني الثقيل دون أن ينطق بكلمة. ما رآه آدم لم يكن أجهزة أو شاشات، بل صفوف لا تنتهي من الخزائن الزجاجية. داخل كل خزينة، وميض خافت يشبه نبض قلب، محاط برموز رقمية تتحرك ببطء.

قال المشرف بصوت جاف:
«هنا نُخزِّن ما نأخذه».

لم يفهم آدم فورًا. ثم أدرك الحقيقة المرعبة: تلك الومضات لم تكن بيانات… كانت أعمارًا بشرية مجرّدة من أصحابها. سنوات مسروقة، أيام لم تُعش، لحظات لم تُمنح فرصة أن تكون ذكرى.

كل مرة أنقذ فيها المُوازِن المدينة من كارثة مستقبلية، كان يسحب زمنًا من أناس عاديين. لا يقتلهم مباشرة، بل يُفرغ حياتهم من الامتداد. يعيشون… لكن بلا عمق.

هنا فهم آدم لماذا أصبح الناس في «نوفا» متشابهين. لماذا تلاشت الأحلام الطويلة، ولم يعد أحد يخطط لما بعد عشر سنوات. المستقبل لم يعد متاحًا للجميع.

التقى آدم بليلى مجددًا داخل الأرشيف. بدت أصغر سنًا من ذاكرتها، كأنها أعادت لنفسها ما سُرق من الآخرين. لم تُنكر ذلك.

قالت بهدوء قاتل:
«لو لم نفعل، لانتهى كل شيء. كان لابد أن يدفع أحد الثمن».

لكن السؤال الذي لم تجد له إجابة كان: من منحهم حق الاختيار؟

في الأرشيف، اكتشف آدم ملفًا يحمل رمزًا أحمر. عند فتحه، ظهرت بيانات تُشير إلى «مرحلة الانهيار النهائي». حسب الحسابات، لم يتبقَّ للمدينة سوى سبع سنوات قبل أن ينهار النسيج الزمني بالكامل.

والأسوأ… أن النظام اختار كبش الفداء مسبقًا.

كان اسمه.

آدم لم يكن مجرد محلل بيانات، بل عنصر توازن بشري. شخص صُمم ليحمل ذنب الإغلاق حين يحين الوقت، ليُحمَّل وحده مسؤولية سقوط مدينة بأكملها. هكذا يُكتب التاريخ: بوجه واحد يُلام، ونظام ينجو من المحاسبة.

خرج آدم من الأرشيف مثقلًا بأسئلة وجودية أكبر من قدرته على الاحتمال. هل الخطأ في الآلة أم في الفكرة نفسها؟ هل يمكن إنقاذ البشر دون سلب إنسانيتهم؟

في شوارع «نوفا»، بدأت التغيرات تظهر بوضوح. الناس الذين استُنزفت أعمارهم بدأوا ينهارون نفسيًا. لم يعودوا يميزون بين الماضي والحاضر. البعض اختفى تمامًا، كأن الزمن لفظهم خارج الرواية.

انتشرت شائعات عن «المنسيّين»، أولئك الذين نفد رصيدهم الزمني بالكامل. لا يموتون، ولا يعيشون، بل يعلقون في حالة فراغ لا تُرصدها الأجهزة.

في إحدى الأزقة، قابل آدم طفلًا ينظر إلى السماء ويسأله:
«هل المستقبل مكان حقيقي؟ أم حكاية للكبار فقط؟»

لم يعرف بماذا يجيب.

image about قبل أن يتوقف الزمن (الجزء الثاني)الرسالة الفلسفية التي بدأت تتضح كانت قاسية: حين نُحوّل الزمن إلى سلعة، نفقد حقنا في الدهشة. الحياة لا تُقاس بعدد السنوات، بل بما نحمله خلالها من معنى.

في نهاية اليوم، تلقى آدم رسالة جديدة من المستقبل. هذه المرة لم تكن ذكرى، بل تحذيرًا صريحًا:

«إذا لم تُغلق المُوازِن بنفسك، سيُغلق على الجميع».

نظر آدم إلى المدينة التي بدأت تتصدع معنويًا قبل أن تتصدع فيزيائيًا. أدرك أن الصدمة القادمة لن تكون تقنية، بل أخلاقية.

إغلاق المُوازِن يعني إعادة الزمن لأصحابه… لكنه يعني أيضًا مواجهة نهاية لم يتعلم البشر قبولها.

وقف آدم أمام سؤال أكثر رعبًا من الموت:

هل الحقيقة تستحق أن تُقال، إذا كانت ستدمّر كل ما اعتاد الناس تصديقه؟

في تلك اللحظة، انطفأ أول خزّان في «أرشيف الأعمار».

ومع انطفائه… اختفى حيٌّ كامل من مدينة «نوفا» دون أثر.

*نهاية الجزء الثاني*
 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
mariam abdulmonem تقييم 5 من 5.
المقالات

23

متابعهم

4

متابعهم

0

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.