​بقلم حمدي سليمان رواية: على ناصية الغدّارين الجزء الاول

​بقلم حمدي سليمان رواية: على ناصية الغدّارين الجزء الاول

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about ​بقلم حمدي سليمان رواية: على ناصية الغدّارين الجزء الاول

رواية: على ناصية الغدّارين

الجزء الأول: العيش والملح

الفصل الأول: روتين الحارة

في "حارة المنقدى"، الصباح لا يأتي بهدوء، بل يقتحم البيوت اقتحاماً. قبل أن تبزغ الشمس، تستيقظ الحارة على سيمفونية مزعجة ومألوفة: صوت "الكلاكسات" البعيدة من الشارع الرئيسي، نداء بائع الأنابيب الذي يطرق على الأسطوانات بمفتاح حديدي، وصراخ الأمهات اللاتي يوقظن أطفالهن للمدارس. الرائحة هنا مزيج ثابت لا يتغير؛ رائحة زيت قلي الطعمية النفاذة، مختلطة برطوبة الجدران القديمة المتآكلة، وعوادم السيارات التي تتسلل من النوافذ المفتوحة.

في شقة صغيرة بالطابق الثالث، فتح "سيد" عينيه على هذا الضجيج المعتاد. لم يكن بحاجة لمنبه؛ فإيقاع الحارة هو ساعته البيولوجية. تململ في فراشه الضيق، ونظر إلى زوجته "نوسة" النائمة بجواره. كانت غارقة في النوم، وخصلات شعرها الأسود الكثيف تغطي نصف وجهها الجميل. تنهد سيد بعمق. حتى وهي نائمة، كان بين حاجبيها تلك العقدة الصغيرة التي لا تفارقها، وكأنها في عراك دائم مع الدنيا.

انسحب سيد من الفراش بخفة لكي لا يوقظها، فهو يعرف أن "صبحية" نوسة ليست سهلة. دخل الحمام الضيق، غسل وجهه بماء الصنبور الفاتر، وارتدى بنطاله الجينز الباهت وقميصاً مكواة يده واضحة عليه. نظر في المرآة المكسورة الحواف، رأى وجهاً مصرياً أصيلاً؛ بشرة لوحتها شمس الشقاء، وعينين طيبتين يملؤهما الرضا رغم التعب، وشارباً كثيفاً يمنحه بعض الهيبة.

قال لنفسه بصوت مسموع وهو يمشط شعره: “يا فتاح يا عليم، يا رزاق يا كريم. استرها معانا النهاردة يا رب.”

نزل السلالم المتآكلة بسرعة، ملقياً تحية الصباح على الجيران الذين فتحوا أبواب شققهم للتهوية.

— "صباحك نادي يا أسطى سيد." قالتها "أم كريم" بائعة الخضار وهي ترش المياه أمام دكانها الصغير أسفل العمارة.

ابتسم سيد ورد التحية: “صباح الورد يا حاجة. ادعيلنا.”

وصل إلى "أكل عيشه"؛ سيارة ميكروباص (تويوتا) قديمة موديل الثمانينات، بيضاء اللون، لكن الزمن والخدوش منحاها لوناً رمادياً مائلاً للأصفرار. كانت هذه السيارة هي كل ما يملكه في الدنيا، شريكته في الشقاء، وأحياناً، بيته الثاني.

بدأ الطقوس اليومية المعتادة؛ فتح غطاء المحرك، فحص الزيت والماء، ثم ركب خلف عجلة القيادة. أدار المفتاح، فأصدر المحرك صوتاً كأنه يسعل بشدة، ارتجت السيارة كلها، لكنها لم تعمل.

ضرب سيد بيده على المقود بضيق مكتوم: “مش وقته يا ست هانم، مش وقته خالص.”

حاول مرة، وثانية، وثالثة. وأخيراً، دار المحرك بصوت جهوري أيقظ ما تبقى من نائمين في الحارة. تنفس سيد الصعداء، وبدأ يومه الطويل في شوارع القاهرة التي لا ترحم، يجمع الجنيه فوق الجنيه، والركاب يصعدون ويهبطون، كلٌ يحمل همه على كتفه.

في العاشرة صباحاً، استيقظت "نوسة".

لم تستيقظ على صوت المنبه، بل على شعور بالاختناق من حرارة الجو في الشقة التي لا يدخلها هواء نظيف. جلست على السرير، ونظرت حولها بضيق. الأثاث المتواضع الذي اشتروه بالتقسيط، الجدران التي بدأ طلاؤها يتقشر، السقف المنخفض الذي تشعر أنه سيطبق على صدرها.

قامت بكسل، ووقفت أمام مرآة الدولاب الطويلة. تأملت نفسها. كانت تعرف أنها جميلة؛ قوام ملفوف، وعيون كحيلة واسعة، وجمال "بلدي" يخطف الأنظار في الحارة. لكنها كانت تشعر أن هذا الجمال "مدفون بالحياة" هنا.

كلمت نفسها بمرارة وهي ترفع شعرها: “وبعدين يا نوسة؟ هتفضلي محبوسة في العشة دي لحد إمتى؟ ده اللي زيك عايشين في سرايات، مش في حارة المنقدى.”

خرجت إلى الشرفة الضيقة لتنشر بعض الملابس. نظرت للأسفل؛ الشارع مزدحم، الأطفال يلعبون في التراب، والنساء يثرثرن من الشرفات المقابلة بأصوات عالية. شعرت بالغربة وسط أهلها وجيرانها. هي لا تشبههم، أو هكذا أقنعت نفسها. هي تستحق الأفضل، تستحق سيارة مكيفة بدلاً من "التوك توك"، وشقة في منطقة هادئة بدلاً من هذا الضجيج.

عاد سيد في المساء، منهكاً، ورائحة العرق وعادم السيارات تلتصق بملابسه. صعد السلم ببطء، يحمل في يده كيساً أسود فيه بعض الفاكهة، وكيس "كشري" للعشاء. كان يحلم بحمام دافئ وكلمة طيبة تنسيه تعب اليوم.

فتح الباب، وجد نوسة جالسة أمام التلفزيون، تشاهد مسلسلاً تركياً يصور قصوراً فخمة وحياة باذخة. لم تلتفت إليه عندما دخل.

— “مساء الخير يا نوسة. عاملة إيه النهاردة؟”

ردت ببرود دون أن ترفع عينيها عن الشاشة: “أهو.. عايشة. هكون عاملة إيه يعني في الحر والخنقة دي؟”

وضع سيد الأكياس على الطاولة الصغيرة، وحاول أن يبتسم: “جبتلك المانجا اللي بتحبيها.. وجبت كشري من عند (أبو طارق) عشان منتعشاش جبنة زي كل يوم.”

نظرت نوسة لأكياس الكشري باحتقار: “كشري؟ هو ده آخرك يا سيد؟ الناس بتتعشى مشاوي، وإحنا مقضيينها كشري وفول.”

جلس سيد على الكرسي المقابل لها، ومسح عرقه بكم قميصه، وقال بنبرة هادئة يحاول فيها امتصاص غضبها المعتاد:

— “يا بنت الناس، قولي الحمد لله. إحنا أحسن من غيرنا كتير. الشغلانة مريحة اليومين دول، والميكروباص عايز طقم كاوتش جديد، والقرش اللي جاي على قد اللي رايح. الصبر.”

انفجرت نوسة، وكأنها كانت تنتظر هذه الكلمة:

— “الصبر؟ أنا صبرت كتير يا سيد! بقالي تلات سنين متجوزاك مشوفتش يوم عدل. كل يوم نفس الموال، نفس الفقر، نفس الحارة المقرفة دي. أنا زهقت! أنا مش أقل من البنات اللي بيلبسوا وبيتفسحوا ويعيشوا سنهم.”

نظر لها سيد بعتاب، ولمع في عينيه حزن عميق:

— “أنا مقصر معاكي في إيه بس؟ أنا بشتغل من النجمة لحد الليل عشان أوفرلك اللقمة الحلال. الحلال صعب يا نوسة، بس بيدوم.”

وقفت نوسة بعصبية ودخلت الغرفة وهي تتمتم: “الحلال.. الحلال.. اشبع بيه. الحلال ده مش هيعيشنا عيشة كريمة.”

بقي سيد وحيداً في الصالة، ينظر لأكياس الكشري الباردة. شعر أن المسافة بينه وبين زوجته تتسع كل يوم، كشرخ في جدار يهدد بانهيار البيت كله. كان يظن أن الحب والصبر يكفيان، لكنه بدأ يدرك أن في قلب نوسة جوعاً لا يشبعه "العيش الحاف".

أكل لقمة واحدة، ثم ترك الأكل وقام ليقف في الشرفة. نظر للحارة التي بدأت تهدأ قليلاً. أشعل سيجارة رخيصة، ونفث الدخان مهموماً، لا يدري أن هذا الروتين الممل، وهذا الفقر الذي يشتكي منه، سيصبح قريباً "الزمن الجميل" الذي سيبكي عليه، قبل أن تدق الخيانة بابه.

هل أعجبك الفصل الأول؟ هل نستمر إلى الفصل الثاني: "عودة الابن الضال" (ظهور مجدي)؟

اكتب في التعليقات سبحان الله لكي نكمل باقي الرواية

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
hamdy hossain mohamed soliman تقييم 5 من 5.
المقالات

5

متابعهم

4

متابعهم

4

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.