رواية: على ناصية الغدّارين

رواية: على ناصية الغدّارين

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

إليكم الفصل الثاني من رواية "على ناصية الغدّارين".

في هذا الفصل، يبدأ "المحرك" الحقيقي للأحداث في الدوران. عودة "مجدي" ليست مجرد زيارة، بل هي الحدث الذي سيقلب موازين الحارة، وسنرى كيف يرى كل من "سيد" و"نوسة" هذا التغيير المفاجئ من زاويته الخاصة.


image about رواية: على ناصية الغدّارين

الجزء الأول: العيش والملح

الفصل الثاني: عودة الابن الضال

مرت ثلاثة أيام على الشجار المعتاد بين سيد ونوسة، عادت بعدها الحياة لروتينها الرمادي الممل. لكن، في ظهيرة يوم ثلاثاء قائظ، حدث شيء كسر رتابة "حارة المنقدى" كما يكسر حجر زجاج نافذة.

كان سيد يقف أمام "الميكروباص" الخاص به، وقد شمر عن ساعديه، ووجهه ملطخ بالشحم الأسود، يحاول يائساً إصلاح "ريداتير" السيارة الذي بدأ يسرب المياه. العرق يتصبب من جبينه، ويمتزج بالشحم، فيرسم خطوطاً سوداء على وجهه الطيب.

فجأة، تغير إيقاع الضوضاء في الحارة. اختفت أصوات الباعة الجائلين، وتوقف الأطفال عن اللعب بالكرة، وساد صمت غريب مشوب بالفضول، لم يقطعه إلا صوت محرك سيارة قوي، ناعم، وغريب على آذان الحارة التي اعتادت "كركرة" السيارات القديمة.

رفع سيد رأسه من تحت غطاء المحرك، ومسح عينيه بظهر يده المتسخة.

رأى منظراً سريالياً لا ينتمي لهذا المكان. سيارة سوداء فارهة، ضخمة، من نوع (BMW) حديثة الطراز، تلمع تحت الشمس كأنها مرآة، تحاول أن تشق طريقها بصعوبة في الحارة الضيقة المليئة بالحفر والمطبات. إطاراتها العريضة تدوس على القمامة المتناثرة وكأنها تهين فقر المكان.

توقفت السيارة السوداء تماماً أمام ورشة "الأسطى بكر" الميكانيكي، على بعد أمتار قليلة من سيد.

تجمع أهل الحارة على الأرصفة، يتهامسون، العيون متعلقة بالباب الذي يُفتح ببطء.

نزل من السيارة شاب في أوائل الثلاثينات. طويل القامة، ممتلئ الجسم قليلاً في دلالة على "العز". يرتدي قميصاً أبيض ناصعاً مفتوح الزرار الأول، وبنطلون جينز أزرق غامق من ماركة عالمية، وفي قدمه حذاء رياضي أبيض ثمنه قد يساوي دخل سيد في شهرين. كانت رائحة عطره النفاذ والغالي تسبقه بخطوات.

خلع الشاب نظارته الشمسية السوداء، ونظر حوله في الحارة نظرة فاحصة، مزيج من الحنين والتعالي. ثم وقعت عيناه على سيد الملطخ بالشحم. ابتسامة واسعة، بيضاء بشكل مبالغ فيه، ارتسمت على وجهه.

صاح الشاب بصوت جهوري: "سيد! يا واد يا سيد!"

 

تجمد سيد في مكانه. هذا الصوت.. هذه النبرة.. هو يعرفها جيداً، لكن الشكل مختلف تماماً. دقق النظر، وفجأة، لمعت عيناه بالدهشة والفرحة الحقيقية.

ترك سيد المفك من يده، وجرى نحو الشاب فاتحاً ذراعيه، غير عابئ بملابسه المتسخة:

— "مجدي؟ مش معقول! مجدي (الفهلوي)؟ عاش من شافك يا صاحبي!"

احتضن مجدي صديقه القديم، لكنه احتضان حذر، يحرص فيه ألا يلامس الشحم قميصه الأبيض الثمين. ربت على ظهر سيد بقوة مصطنعة:

— "واحشني يا سيد، واحشني يا ابن حتتي! إيه يا عم الغيبة دي كلها؟"

تراجع سيد للخلف خطوة، يتأمل صديقه من رأسه لقدميه بذهول وإعجاب صادق، خالي من أي ذرة حسد:

— "بسم الله ما شاء الله.. إيه العز ده يا مجدي؟ الصلاة على النبي، بقيت بيه قد الدنيا. أنا قولت مين الباشا اللي تايه في حارتنا ده، مكنتش أعرف إنه ابننا."

ضحك مجدي ضحكة عالية، وهو يعدل ياقة قميصه، ويحرص على إظهار الساعة الذهبية الضخمة في معصمه:

— "الرزق يحب الخفية يا صاحبي. ربنا كرمنا آخر كرم. السفرية بتاعة الغردقة دي كانت وش السعد، فتحت شركة استيراد وتصدير، والدنيا لعبت معايا."

كان يكذب، وسيد يعرف في قرارة نفسه أن مجدي كان دائماً "فهلوي" ومغامر، لكن طيبة قلبه جعلته يصدق القشرة الخارجية البراقة.

قال مجدي بصوت عالٍ ليسمعه المتجمهرون:

— "النهاردة المشاريب كلها على حسابي عند المعلم حسن! الحارة كلها تشرب حاجة ساقعة احتفالاً برجوعي!"

هتف بعض الشباب، بينما نظر كبار السن بريبة لهذا الثراء المفاجئ. "من أين لك هذا؟" كان السؤال الذي يدور في عيونهم، لكن بريق المال كان أعمى من أن يُقاوم.

سحب مجدي سيد من ذراعه:

— "سيبك من الميكروباص الخردة ده دلوقتي. تعال نقعد على القهوة، واحشني الكلام معاك، وعايزك في موضوع مهم."


في الطابق الثالث، كانت "نوسة" تقف في الشرفة، مختبئة خلف ملاءة منشورة، تراقب المشهد كله منذ اللحظة التي دخلت فيها السيارة السوداء.

كانت عيناها الكحيلتان متسعتين على آخرهما، وفمها مفتوح قليلاً بدهشة.

لقد عرفته فوراً، رغم التغيير الجذري. إنه "مجدي"، جارهم القديم الذي كان نحيلاً وجائعاً مثلهم تماماً قبل خمس سنوات، والذي كان يرتدي ملابس مستعملة ويشارك سيد في "ساندوتش الفول".

راقبت كيف نزل من السيارة بثقة، كيف تلمع ساعته في الشمس، كيف تبدو ملابسه نظيفة ومكوية، وكيف ينظر له أهل الحارة بانبهار.

ثم نقلت بصرها إلى زوجها "سيد". رأته ملطخاً بالشحم، بملابس رثة، شعره أشعث، يقف بانحناءة بسيطة أمام مجدي، كأنه الخادم أمام سيده، رغم أنهما في نفس العمر.

شعرت نوسة بمرارة تتصاعد في حلقها كالعلقم. المقارنة كانت مؤلمة وقاسية.

همست لنفسها وهي تعتصر حرف الحديد في سور الشرفة:

"شوف الدنيا.. واحد راكب عربية بتمن العمارة دي كلها، وواحد مش عارف يصلح حتة ميكروباص عشان يجيب تمن العشا. وإحنا إيه اللي ينقصنا عنك يا سي مجدي؟ ليه الفقر مكتوب علينا إحنا بس؟"

لم تكن تشعر بالسعادة لعودة ابن الحارة، بل شعرت بغيرة حارقة، وبسؤال خطير بدأ ينمو في عقلها: إذا كان مجدي قدر يوصل.. ليه سيد مقدرش؟ وإذا سيد مقدرش.. هل أنا المفروض أفضل مربوطة في ساقه كده طول العمر؟

عندما سحب مجدي سيد نحو المقهى، رفعت نوسة رأسها ونظرت للسماء بضيق، ثم دخلت الشقة وهي تصفق باب الشرفة خلفها بعنف، وكأنها تغلق الباب على حياتها القديمة التي بدأت تكرها أكثر من أي وقت مضى.


هل نستمر إلى الفصل الثالث: "الشيطان يدخل البيت" (حيث يقدم مجدي عرضه لسيد، ويبدأ في دخول حياتهم)؟

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
hamdy hossain mohamed soliman تقييم 5 من 5.
المقالات

5

متابعهم

4

متابعهم

4

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.