ظلّ في آخر الممر

ظلّ في آخر الممر

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

  ظلّ في آخر الممر

 

 

 

 

image about ظلّ في آخر الممر

 

 

 

 

 

 

لم أكن أؤمن بالقصص التي يتناقلها الناس عن البيوت القديمة. كنت أظن أن كل ما يُحكى عنها مجرد خيال أو مبالغة، حتى انتقلنا إلى ذلك المنزل في نهاية الصيف.

كان البيت يقع في أطراف القرية، بعيدًا عن الجيران، تحيط به أشجار طويلة تحجب ضوء الشمس حتى في الظهيرة. من الخارج بدا عاديًا، لكنه كان يحمل إحساسًا غريبًا… كأن الجدران نفسها تراقبك.

في أول ليلة، سمعت صوت خطوات في الطابق العلوي. ظننت أنه أبي، لكنه كان نائمًا بجانبي في الغرفة المجاورة. حاولت إقناع نفسي بأن الصوت مجرد تمدد خشب بسبب البرودة، لكن الخطوات كانت منتظمة… بطيئة… وكأن أحدهم يتمشى ذهابًا وإيابًا.

في اليوم التالي، صعدت لأتفقد الطابق العلوي. كان هناك ممر طويل ينتهي بباب خشبي قديم. الغريب أن الباب لم يكن يُفتح بالكامل، كأن شيئًا من الداخل يمنعه. سألت أمي عنه، فقالت إن المالك السابق أخبرهم ألا يستخدموا تلك الغرفة لأنها "غير آمنة".

ضحكت وقتها. غير آمنة؟ من ماذا؟

في الليلة الثالثة، استيقظت على صوت همس. لم يكن واضحًا، لكنه كان قريبًا جدًا من أذني. فتحت عيني ببطء… الغرفة مظلمة… لكنني شعرت بأن هناك شخصًا يقف عند طرف سريري.

حبست أنفاسي.

لم أتحرك. لم أصرخ.

ثم سمعت الخطوات مرة أخرى، تتجه نحو الباب… وتختفي.

في الصباح، وجدت باب غرفتي مفتوحًا، رغم أنني متأكد أنني أغلقته قبل النوم.

بدأ الفضول يقتلني. في المساء، حين نام الجميع، حملت مصباحًا صغيرًا وصعدت إلى الممر. كان الهواء هناك أبرد من بقية البيت. كل خطوة كنت أخطوها تصدر صدى خفيفًا.

وصلت إلى الباب في نهاية الممر.

دفعت الباب بقوة أكبر هذه المرة… فتح ببطء، مصدِرًا صريرًا مزعجًا.

الغرفة كانت فارغة… تقريبًا.

في الزاوية، وجدت مرآة كبيرة مغطاة بقماش أبيض. اقتربت ببطء وسحبت القماش.

انعكس وجهي في المرآة… لكن ليس كما هو.

كان وجهي شاحبًا… وعيناي سوداوتين بالكامل. ابتسم الانعكاس… بينما كنت أنا جامدًا بلا حركة.

تراجعت بسرعة، فسقط المصباح من يدي وانطفأ.

في الظلام، سمعت صوتًا خلفي.

“لماذا فتحت الباب؟”

تجمد الدم في عروقي.

لم يكن هناك أحد في الغرفة. لكن الصوت كان واضحًا… عميقًا… وغاضبًا.

ركضت نحو الممر، لكن الممر لم يكن كما تركته. أصبح أطول… أطول بكثير. الجدران بدت وكأنها تتحرك ببطء، تضيق حولي.

سمعت الخطوات خلفي.

لم أجرؤ على الالتفات.

كلما ركضت، شعرت بأن الأرض تبتلع قدمي، كأن البيت لا يريدني أن أهرب.

ثم شعرت بيد باردة تمسك كتفي.

صرخت.

استيقظت في سريري… أتنفس بسرعة.

كان مجرد حلم… أليس كذلك؟

لكن حين نظرت نحو باب غرفتي… كان مفتوحًا.

وفي نهاية الممر… رأيت ظلًا طويلًا يقف بصمت.

لم يتحرك.

لم يقترب.

فقط كان هناك.

منذ تلك الليلة، لم أعد أصعد إلى الطابق العلوي. أخبرت والديّ أننا يجب أن نغادر، لكنهم لم يصدقوني. قالوا إنني أتخيل الأمور.

لكنهم لم يسمعوا الهمس كل ليلة.

لم يروا انعكاس المرآة يبتسم وحده.

لم يشعروا باليد الباردة تمسك أكتافهم في الظلام.

بعد أسبوع، اختفى أبي.

قالوا إنه خرج في الصباح ولم يعد. بحثوا عنه في كل مكان، لكن دون جدوى.

في تلك الليلة، صعدتُ مرة أخرى.

كان عليّ أن أعرف.

الممر كان أقصر هذه المرة… كأنه ينتظرني.

فتحت الباب دون مقاومة.

المرآة كانت في مكانها.

اقتربت ببطء… نظرت إلى انعكاسي.

لم أكن وحدي.

كان أبي يقف خلفي في المرآة… وجهه شاحب… عيناه سوداوتان.

لكن عندما التفتّ… لم يكن هناك أحد.

عاد الصوت يهمس:

“واحد آخر… وبنكتمل.”

تجمدت.

ثم أدركت الحقيقة.

البيت لا يريد إخافتنا فقط…

إنه يجمعنا.

كل من ينام فيه يصبح جزءًا منه.

كل من يسمع الهمس… يُختار.

الآن أنا أجلس في غرفتي، أكتب هذه الكلمات.

الخطوات بدأت من جديد.

أسمعها تقترب من بابي.

أعلم أنني لن أستطيع الهرب هذه المرة.

إذا قرأتَ هذه القصة… فلا تقترب من البيوت ذات الممرات الطويلة.

ولا تثق في المرايا القديمة.

لأن بعض الانعكاسات…

ليست لك

   

 

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
NOUFEL BO تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.