همسات تحت القمر الأسود

همسات تحت القمر الأسود

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

همسات تحت القمر الأسود

image about همسات تحت القمر الأسود

كانت قرية "وادي السكون" هادئة طوال العام، إلا في الليالي التي يختفي فيها القمر خلف الغيوم، وتغرق السماء في سوادٍ عميق. في تلك الليالي، كان أهل القرية يغلقون أبوابهم بإحكام، ويمنعون أطفالهم من الاقتراب من الغابة.

لم يكن أحد يذكر السبب بصراحة، لكن الجميع يعرف القصة.

قبل خمسين سنة، ظهرت في أطراف الغابة كوخٌ حجري قديم لم يكن موجودًا من قبل. قال الرعاة إنهم رأوا دخانًا يتصاعد من مدخنته رغم أنهم لم يروا أحدًا يدخل أو يخرج. ثم بدأت الحوادث.

أصوات همسٍ ليلي. ظلال تمر بين الأشجار. حيوانات تعود مذعورة وكأنها رأت شيئًا لا يُحتمل.

ثم اختفى طفل.

ومنذ ذلك اليوم، انتشرت كلمة واحدة بين السكان: السحرة.

مرت السنوات، وأصبحت القصة مجرد تحذير يُروى للأطفال… حتى اختفى سامي.

كان سامي في العاشرة من عمره، شجاعًا أكثر من اللازم. خرج ليلًا متحديًا أصدقاءه ليقترب من الغابة. لم يعد.

اجتمع أهل القرية في ساحة المسجد، يتبادلون النظرات القلقة. لكن لم يجرؤ أحد على دخول الغابة بعد غروب الشمس.

إلا ياسر.

كان شابًا في السابعة عشرة، لا يؤمن بالخرافات. قال للجميع:
"لو كان هناك سحرة فعلًا، لما بقوا مختبئين كل هذه السنين."

حمل مصباحًا قديمًا وسكينًا صغيرًا للحماية، وتوجه نحو الغابة مع حلول الظلام.

كلما تعمق، شعر أن الهواء يبرد أكثر. الأشجار بدت أطول، وأغصانها ملتوية كأنها أيدٍ تحاول الإمساك به. سمع صوت غصن ينكسر خلفه… التفت بسرعة، لكن لا شيء.

ثم رآه.

الكوخ الحجري.

كان واقفًا بين الأشجار، كأنه نبت من الأرض. نافذته الوحيدة ينبعث منها ضوء خافت أخضر اللون.

اقترب ببطء، وقلبه ينبض بقوة.

عند الباب، وجد رموزًا محفورة لا تشبه أي لغة يعرفها. مد يده ودفع الباب… فانفتح بصوتٍ عميق.

في الداخل، كان الهواء ثقيلاً برائحة أعشاب محترقة. وعلى طاولة خشبية قديمة، وُضع كتاب ضخم مفتوح، صفحاته صفراء تتوهج بخفة.

وفجأة… انغلق الباب خلفه بقوة.

استدار بسرعة، فوجد ثلاث شخصيات ترتدي عباءات سوداء تقف في زوايا الغرفة. لم يستطع رؤية وجوههم، لكن عيونهم كانت تلمع بلونٍ باهت.

تجمد في مكانه.

أحدهم رفع يده ببطء، وبدأ يتمتم بكلمات غير مفهومة. بدأت الصفحات في الكتاب تتقلب وحدها، والضوء الأخضر يزداد قوة.

صرخ ياسر:
"أين سامي؟!"

توقف الهمس فجأة.

ثم جاءه الصوت… لكن ليس من أحد السحرة.

بل من خلفه مباشرة.

"أنا هنا…"

استدار ببطء.

كان سامي واقفًا في زاوية الغرفة، لكن عينيه لم تكونا طبيعيتين. كانتا فارغتين، بلا بريق. وعلى جبينه نفس الرموز المحفورة على الباب.

قال بصوتٍ خافت:
"لقد علّموني أشياء كثيرة…"

بدأت الأرض تهتز، والجدران كأنها تنبض. شعر ياسر بقوة تسحبه نحو الكتاب. حاول المقاومة، لكن قدميه تحركتا وحدهما.

همس أحد السحرة:
"كل قرية تحتاج حارسًا…"

وفجأة، انطفأ الضوء.

في صباح اليوم التالي، دخل بعض الرجال الغابة بحثًا عن ياسر. لم يجدوا سوى الكوخ… مهجورًا، بلا أثر لأحد.

لكن على الطاولة، وُجد كتاب مغلق بإحكام.

وعلى الغلاف، ظهر اسم جديد محفور بخطٍ عميق:

ياسر.

ومنذ ذلك اليوم، أصبح أهل القرية يسمعون همسين بدل همسٍ واحد… في الليالي التي يختفي فيها القمر.

ويقول البعض إنهم رأوا ظلين يقفان عند نافذة الكوخ، يراقبان القرية بصمت… ينتظران من يجرؤ على الاقتراب. 🌒

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
NOUFEL BO تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

1

متابعهم

2

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.