حين يُزهر الضوء من رحم العتمة
حين يُزهر الضوء من رحم العتمة
تمهيد
في أحد الأحياء الشعبية القديمة في مصر، حيث تتقارب المنازل كأنها تتشابك تحمي بعضها البعض من الوحدة، وُلد سليم في أسرة متواضعة، أوسط سبعة أبناء. كان البيت صغيرًا، غرفتان بالكاد تكفيان جميع أفراد العائلة، ومع ذلك كان الدفء والمحبة يملأان الفراغ بين الجدران المتشققة.
سليم كان شابًا نحيف القامة، طويل قليلاً، بشرته قمحية من الشمس، وعيونه بنيتان عميقتان تحملان لمحة من الحزن منذ صغره، لكنها متوهجة بالأمل. شعره أسود كثيف وغير مرتب غالبًا، وملابسه باهتة، لكنها نظيفة بعناية كأنه يقول للعالم: "قد أكون فقيرًا، لكن كرامتي باقية".
الحي الشعبي حوله كان مليئًا بالناس: بعضهم مثقف يقرأ الجرائد ويعير الكتب، وبعضهم أمي لكنه حكيم بطريقته. جميعهم يعرفون بعضهم البعض، وتشاركوا الضحكات والأحزان في الأزقة الضيقة.
بيت الطيبة الصامتة
والده كان حدادًا، صوته خشن من كثرة العمل، لكنه يلين عند النظر إلى أولاده بابتسامة نادرة.
أما والدته، فكانت دعاؤها لا ينقطع، ويديها لا تعرفان الكسل.
على الرغم من الفقر، تعلم سليم من والديه أن الكرامة لا تُشترى، وأن الحب والتضامن هما ما يجعل الحياة قابلة للتحمل.

مصباح الشارع… والاختبار الصامت
مع انقطاع الكهرباء المتكرر في الحي، اعتاد سليم الخروج إلى الشارع، يجلس تحت مصباح وحيد يبعث ضوءًا خافتًا على كتبه. البرد يلسع يديه، الصفحات ترتجف بين أصابعه، لكن عزيمته لا تهتز.
سمع مرة همسًا ساخرًا من أحد المارة:
"الدراسة لا تطعم خبزًا."
ابتسم في سره وقال:
"الرد سيكون من الزمن."
ليالي طويلة أمضاها سليم يدرس، يجمع بين العمل في متجر صغير ودروس المدرسة، وكل خطوة كانت صعبة، لكنها أقرب لتحقيق الحلم.

لحظة الانكسار
في السنة الأخيرة، مرض والده فجأة، وأصبح عبء العائلة أكبر على كتفيه. عمل نهارًا ودرس ليلًا، وكاد التعب يثنيه. جلس على الدرج في حيه القديم، رأسه بين يديه، ضوء المصباح الخافت يسلط ظلاله الطويلة عليه.
جاءت أمه وجلست بجانبه، وضعت يدها على رأسه وقالت:
"إذا أطفأت حلمك بيدك، فلن يشعله أحد."
كانت كلماتها شرارة أشعلت إصراره من جديد.

يوم التحوّل
اجتمع أهل الحي أمام البيت الضيق يوم إعلان النتائج. وعندما أُعلن اسم سليم في المرتبة الأولى، لم يصرخ فرحًا، بل وقف صامتًا، وكأن الصدمة أكبر من الفرحة. والده بكى بصمت، وأمه احتضنته بكل حب.
نال منحة دراسية، ومضى إلى الجامعة حاملًا قلبه المثقل بالأمل والإرادة، مدركًا أن العلم هو الطريق الوحيد لتغيير مصيره.

ازدهار الضوء
مرت السنوات، وتخرج سليم مهندسًا متفوقًا. عاد إلى حيّه، ليس ليتفاخر، بل ليمنح ما تلقّاه من دعم. رمم المدرسة القديمة، وافتتح مركزًا تعليميًا مجانيًا لأبناء الحي، ليصبح مصباح الشارع رمزًا للأمل لا الظلام.
وقف أمام الأطفال وقال:
"الظلام ليس قدرًا… إنه اختبار لعين تبحث عن الضوء."

خاتمة
هذه القصة ليست عن النجاح وحده، بل عن الصبر، الإصرار، والإيمان بالقدرة على صنع المصير. في الأزقة الضيقة، حيث يظن البعض أن الأحلام تختنق، قد يولد إنسان واحد يكفي ليُزهر الضوء من رحم العتمة.