صدى الأمل: حين تُزهر الروح من شقوق الصخر

صدى الأمل: حين تُزهر الروح من شقوق الصخر

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

صدى الأمل: حين تُزهر الروح من شقوق الصخر

في بلدةٍ نائيةٍ تحفُّها الجبال الشاهقة، عاش شابٌ يُدعى "إياد". لم يكن إياد كبقية أقرانه؛ فقد وُلد بقلبٍ يفيض بالشغف، وعقلٍ يسابق الزمن، إلا أن جسده كان يئن تحت وطأة إصابةٍ في ساقه جعلته رفيقاً دائماً للعكاز الخشبي منذ طفولته. كانت نظرات الشفقة في عيون من حوله تطعنه أكثر من الألم الجسدي، لكنه كان يخفي وراء صمته طموحاً يطاول عنان السماء.

فصل الانكسار

كان حلم إياد الأكبر هو الوصول إلى قمة "الجبل الأشم"، تلك القمة التي يقال إن من يصل إليها يرى العالم بمنظورٍ مختلف، حيث تذوب التفاصيل الصغيرة وتتجلى عظمة الكون. كان الجميع يسخرون من هذا الحلم؛ فكيف لمن يعجز عن السير بخطىً ثابتة في السهل أن يتحدى وعورة الجبل؟

بلغ إحباط إياد ذروته عندما تقدم لطلب منحة دراسية في الهندسة المعمارية، رغبةً منه في بناء جسورٍ تربط القرى المعزولة، لكن قوبل طلبه بالرفض بحجة أن "الميدان يتطلب جسداً معافى". في تلك الليلة، جلس إياد في غرفته المظلمة، ونظر إلى عكازه بمرارة، وشعر ولأول مرة أن الحلم قد انطفأ.

بارقة الضياء

بينما كان إياد يتصفح كتبه القديمة، وقعت عيناه على عبارةٍ كان جده قد كتبها بخط يده على هامش كتاب: "إن الجبال لا تُهزم بالقوة البدنية، بل بروحٍ تأبى الانحناء، فالعين ترى القمة، والقلب هو من يخطو الخطوات."

image about صدى الأمل: حين تُزهر الروح من شقوق الصخر

تلك الكلمات كانت بمثابة الشرارة التي أشعلت الفتيل مجدداً. قرر إياد أن يتوقف عن انتظار القبول من الآخرين، وأن يبدأ في صياغة واقعه بنفسه. بدأ يتدرب يومياً، ليس على الجري، بل على "الصمود". تعلم كيف يوزع ثقله بذكاء، وكيف يحول عكازه من أداة إعاقة إلى "ذراعٍ ثالثة" تمنحه توازناً لا يملكه الأصحاء.

رحلة الصعود

في فجر يومٍ ربيعي، حزم إياد أمتعته البسيطة، وقرر صعود الجبل الأشم سراً. كانت الرحلة مضنية؛ الصخور حادة، والهواء يزداد برودة، والعقبات تزداد تعقيداً. سقط إياد مراراً، وتخضبت يداه بالدماء، وفي كل مرة كان صوت الرفض في المنحة، ونظرات الشفقة القديمة، تتردد في أذنيه، فتدفعه للنهوض بقوةٍ أكبر.

بعد ساعاتٍ من المعاناة، وصل إياد إلى منتصف الجبل، حيث وجد مجموعة من المتسلقين المحترفين قد تعثروا بسبب انهيارٍ صخري بسيط سدَّ الممر الضيق. كانوا يمتلكون المعدات، لكنهم افتقروا إلى الحيلة والصبر. بفضل خبرته في التعامل مع التضاريس الصعبة بـ "عكازه"، استطاع إياد أن يجد مساراً بديلاً بين الشقوق لم يلحظه أحد، وقادهم بهدوء وثبات حتى تجاوزوا المحنة.

معانقة القمة

وعندما مالت الشمس نحو الغروب، كان إياد يقف على القمة. لم يكن المشهد مجرد لوحة فنية للأفق الممتد، بل كان انتصاراً للروح على المادة. هناك، في تلك اللحظة، أدرك أن عكازه لم يكن قيداً، بل كان المعلم الذي علمه الصبر والدقة.

لم تنتهِ القصة هنا؛ فقد انتشرت قصة "المتسلق ذي العكاز" في كل مكان. تلك المجموعة التي ساعدها كانت تضم مهندساً كبيراً أعجب بذكاء إياد في قراءة تضاريس الأرض وتعامله مع الأزمات. عاد إياد إلى بلدته، ليس كشابٍ يبحث عن شفقة، بل كبطلٍ ملهم. حصل على المنحة التي أرادها، ليس تقديراً لظرفه، بل إعجاباً بكفاءته وقوة إرادته.

العبرة المستفادة

إن قصة إياد تذكرنا بأن العوائق الحقيقية ليست تلك التي نولد بها، بل هي تلك التي نصنعها في مخيلتنا. إن النجاح ليس وصولاً سهلاً إلى القمة، بل هو الإصرار على الصعود رغم الجراح.

الدرس المستخلص: لا تسمح لظروفك أن تملي عليك حدودك، فالنور لا يدخل الغرفة إلا من خلال الشقوق، والنجاح لا يذوق حلاوته إلا من تجرع مرارة الصبر.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Nancy Ghoname تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.