عمرو بن العاص: داهية العرب وفاتح مصر
عمرو بن العاص: داهية العرب وفاتح مصر

عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي، أبو عبد الله (أو أبو محمد)، أحد أبرز الصحابة رضي الله عنه، ومن أعظم القادة العسكريين والسياسيين في التاريخ الإسلامي المبكر. يُلقَّب بـ"داهية العرب" لشدة ذكائه وحضور بديهته وحسن تدبيره، وهو فاتح مصر، مؤسس مدينة الفسطاط، وأول والٍ مسلم عليها. عاش حياة طويلة مليئة بالتحولات، من عدو شرس للإسلام إلى مجاهد مخلص وإداري حاذق.
نسبه ونشأته
وُلد في مكة المكرمة حوالي عام 45-47 قبل الهجرة (575-577م تقريبًا)، في بيت سادة قريش من بني سهم، وكان والده العاص بن وائل من أشد أعداء الإسلام، وأمه سلمى بنت حرملة (أو النابغة بنت خزيمة حسب بعض الروايات). نشأ في بيئة ثرية ومترفة، تعلم القراءة والكتابة والشعر، واشتهر بالفروسية والشجاعة والكرم. عمل في التجارة ثم الجزارة لفترة بسبب ضائقة مالية أصابت أباه، ثم عاد إلى التجارة وتزوج ربطة بنت منبه السهمية، وأنجب منها عبد الله بن عمرو بن العاص، الذي اشتهر بحفظه للحديث.
كان عمرو من دهاة قريش، يُعرف بحدة الذهن وسعة الحيلة، وكان من أبرز معارضي النبي ﷺ في البداية، شارك في غزوات ضد المسلمين مثل أحد.
إسلامه
تأخر إسلامه حتى عام 8 هـ (629-630م)، بعد صلح الحديبية. ذهب إلى النجاشي في الحبشة مع خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة، فأسلم هناك على يد النجاشي الذي كان قد أسلم سرًا. ثم قدم إلى المدينة المنورة، فبايع النبي ﷺ، وفرح النبي ﷺ بإسلامه وقال: «إن مكة قد ألقت إلينا أفلاذ كبدها». شارك بعد إسلامه في غزوة ذات السلاسل، وأرسله النبي ﷺ سفيرًا إلى عُمان لدعوة ملوكها إلى الإسلام فنجح.
دوره في عهد الخلفاء الراشدين
- عهد أبي بكر: شارك في حروب الردة، وكان من فرسانها.
- عهد عمر بن الخطاب: شارك في فتح الشام، قاد إحدى الجيوش الأربعة في معارك أجنادين واليرموك وفحل، وساهم في فتح فلسطين وبيت المقدس. كان أول فتح له في الإسلام بيت المقدس حسب بعض الروايات.
- فتح مصر: في عام 18-20 هـ (639-641م)، أصر عمرو على فتح مصر رغم تردد عمر في البداية بسبب قلة العدد. انطلق بجيش صغير (حوالي 4000 مقاتل)، فتح العريش والفرما وبلبيس، ثم حاصر حصن بابليون (قرب القاهرة الحالية) حصارًا طويلًا. وصل المدد من عمر بقيادة الزبير بن العوام، فسقط الحصن، ثم فتح الإسكندرية عام 20 هـ أو 21 هـ. أسس مدينة الفسطاط (أول عاصمة إسلامية في مصر)، وبنى فيها جامع عمرو بن العاص (أقدم مسجد في أفريقيا). عُيّن واليًا على مصر، ونظم الإدارة والضرائب بحكمة، وأعطى الأقباط حرية دينية وعهدًا بحماية كنائسهم، وفرض الجزية الخفيفة (ديناران على البالغين).
في عهد عثمان ومعاوية
عُزل ثم أُعيد في عهد عثمان. في عهد علي رضي الله عنه، انحاز إلى معاوية في الفتنة، وساهم في معركة صفين بالتحكيم الشهير (رفع المصاحف على الرماح). أصبح واليًا على مصر في عهد معاوية، وظل حتى وفاته.
وفاته وإرثه
توفي في الفسطاط عام 43 هـ (664م) عن عمر يناهز 88-90 سنة. روي أنه بكى عند الموت خوفًا من الله، وقال: «اللهم لا برئ فأعتذر ولا عزيز فأنتصر»، وكان يردد «لا إله إلا الله» حتى فارق الحياة.
ترك إرثًا عظيمًا:
- فتح مصر وشمال أفريقيا الشرقي، مما مهد للفتوحات اللاحقة.
- بناء الفسطاط وجامعها، مركز إسلامي هام.
- إدارة حكيمة جمعت بين القوة والعدل، ومعاملة طيبة لأهل الذمة.
- شهادات النبي ﷺ والخلفاء في ذكائه وقدرته.
رحم الله عمرو بن العاص، فقد تحول من عدو إلى مجاهد فاتح، وكان داهية في الحرب والسياسة، وساهم في انتشار الإسلام في أرض الكنانة وما بعدها.