الفصل الرابع: الظل الذي عاد

الفصل الرابع: الظل الذي عاد

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الظل الذي عاد

لم يستطع يوسف أن ينام تلك الليلة. ظل مستلقيًا على سريره يحدق في سقف الغرفة، بينما كانت صورة الفتاة الغامضة لا تفارق ذهنه. كلما أغمض عينيه تذكّر ابتسامتها الهادئة واختفاءها المفاجئ كما لو أنها لم تكن موجودة من الأساس. حاول أن يقنع نفسه أن ما حدث مجرد وهم سببه الإرهاق أو خيال لعب به ضوء القمر، لكن شيئًا في داخله كان يرفض هذا التفسير.

مع اقتراب منتصف الليل، نهض من فراشه وفتح النافذة. كان القمر ما يزال معلقًا في السماء، يضيء الطريق الطويل الممتد بين الجبال. الهواء البارد تسلل إلى الغرفة وحمل معه شعورًا غريبًا، كأن الليل يخفي شيئًا لا يريد أن يُكشف.

قرر يوسف أن يخرج مرة أخرى إلى نفس المكان الذي رأى فيه الفتاة. ارتدى معطفه سريعًا وخرج من المنزل، بينما كانت الشوارع شبه خالية. خطواته كانت تتردد في صمت الليل، وكلما اقترب من الطريق الجبلي عاد إليه ذلك الشعور الغامض.

وصل أخيرًا إلى المكان. نفس الصخور، نفس الأشجار، ونفس ضوء القمر الفضي الذي يغمر كل شيء. وقف يوسف هناك لعدة دقائق، ينظر حوله، كأنه ينتظر أن يحدث شيء.

وفجأة…

سمع صوت خطوات خفيفة خلفه.

التفت بسرعة، وقلبه يخفق بقوة. لم يكن يتوقع أن يرى أحدًا، لكنه تجمد في مكانه عندما لمح ظلًا يتحرك بين الأشجار.

اقترب الظل ببطء، حتى خرجت الفتاة نفسها من بين الظلال.

كانت تقف أمامه كما رآها في الليلة السابقة تمامًا. شعرها الأسود الطويل يتحرك مع نسيم الليل، وعيناها الهادئتان تنظران إليه وكأنهما تعرفانه منذ زمن بعيد.

قال يوسف بصوت متردد:

“أنتِ… أنتِ حقيقية إذًا؟”

ابتسمت الفتاة ابتسامة خفيفة، لكنها لم تجب فورًا. تقدمت خطوة نحوه ثم قالت بهدوء:

“أنا حقيقية بقدر ما أنت حقيقي.”

ارتبك يوسف من جوابها الغامض. لم يفهم ماذا تقصد، لكن فضوله كان أقوى من خوفه.

“من أنتِ؟ ولماذا تختفين هكذا؟”

صمتت للحظة، ثم نظرت إلى القمر قبل أن تعود بعينيها إليه.

“لأن بعض القصص لا يجب أن تُروى بسهولة.”

كلماتها جعلت يوسف يشعر بقشعريرة تسري في جسده. كان واضحًا أن هذه الفتاة تخفي سرًا كبيرًا.

قبل أن يسأل سؤالًا آخر، قالت فجأة:

“يوسف… هل تؤمن أن بعض الأماكن تحتفظ بذكريات من عاشوا فيها؟”

اتسعت عينا يوسف بدهشة.

“كيف عرفتِ اسمي؟”

لكنها لم تجب. بدلاً من ذلك، أشارت بيدها نحو طريق ضيق بين الأشجار لم يكن يوسف قد لاحظه من قبل.

“هناك شيء أريد أن أريك إياه.”

تردد يوسف للحظة. كان الطريق مظلمًا، والهدوء المحيط بالمكان يجعله أكثر رهبة. ومع ذلك، شعر أن هذه اللحظة قد تغيّر حياته كلها.

أخذ نفسًا عميقًا وقال:

“حسنًا… سأذهب معك.”

ابتسمت الفتاة مرة أخرى، ثم بدأت تسير في الطريق الضيق بينما تبعها يوسف.

كلما تقدما أكثر، كان الظلام يزداد كثافة، وأصوات الليل تصبح أوضح. فجأة توقفَت الفتاة أمام بناء قديم نصفه متهدم، يبدو كأنه مهجور منذ سنوات طويلة.

وقف يوسف مذهولًا وهو ينظر إلى المكان.

“ما هذا؟”

قالت الفتاة بصوت منخفض:

“هذا… هو المكان الذي بدأت فيه القصة.”

نظر يوسف إليها بقلق.

“أي قصة؟”

لكن الفتاة لم تجب.

بل اكتفت بالنظر إلى الباب الخشبي القديم الذي كان نصف مفتوح، وكأن شيئًا ما في الداخل ينتظرهم منذ زمن طويل.

وفي تلك اللحظة، شعر يوسف بأن دخوله إلى هذا المكان قد يكشف أسرارًا لم يكن مستعدًا لمعرفتها أبدًا.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
samah تقييم 5 من 5.
المقالات

2

متابعهم

3

متابعهم

20

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.