الفصل الخامس.. همسات ف الظلام
الفصل الخامس: همسات في الظلام
لم يكن الصمت هذه المرة عاديًا… كان ثقيلاً، خانقًا، كأنه يضغط على صدر يوسف ويمنعه من التنفس. وقف في نفس المكان الذي اختفت فيه الفتاة، وعيناه تجولان في الفراغ وكأنهما تبحثان عن أي تفسير لما حدث. حاول أن يقنع نفسه أنها ربما غادرت بسرعة دون أن يلاحظ، أو أنه سرح للحظة… لكن داخله كان يرفض ذلك تمامًا.
كانت هناك… هو متأكد.
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم تقدم خطوة للأمام، ثم أخرى. الأرض تحت قدميه كانت صلبة، جافة، لا تحمل أي أثر. انحنى قليلًا، يمرر يده فوق التراب، وكأنه ينتظر أن يشعر بشيء… بأي دليل. لكن لا شيء.
"أنا مش بتخيل…" قالها بصوت منخفض، لكنه لم يكن مقتنعًا حتى بكلماته.
فجأة، مرّ نسيم بارد بجانبه، جعل جسده يقشعر. رفع رأسه بسرعة، ينظر حوله، وفي تلك اللحظة سمعها…
“يوسف…”
كان الصوت ضعيفًا، لكنه واضح… واضح لدرجة أنه شعر وكأن أحدًا يهمس مباشرة في أذنه.
تجمد في مكانه.
"مين؟!" قالها بسرعة، وهو يستدير للخلف.
لكن لم يكن هناك أحد.
بدأ قلبه ينبض بعنف، وصوته الداخلي يصرخ به أن يهرب، أن يبتعد فورًا عن هذا المكان، لكنه لم يتحرك. كان هناك شيء يشده… فضول؟ أم خوف؟ لم يعد يفرق.
"إنتِ فين؟!" نادى مرة أخرى، وصوته هذه المرة خرج مرتعشًا.
لم تأتِ إجابة، لكن بدلًا من ذلك، بدأ يسمع صوت خطوات… خفيفة، بطيئة، تقترب.
نظر يمينًا… لا شيء.
نظر يسارًا… لا شيء.
لكن الصوت كان يقترب.
ثم… توقف فجأة.
سكون تام.
وفي لحظة خاطفة، شعر بيد باردة تمسك ذراعه.
شهق يوسف بقوة، وقفز للخلف، وعيناه تتسعان من الرعب. نظر إلى ذراعه بسرعة… لا شيء. لا أثر لأي يد، لا أحد حوله.
"إيه اللي بيحصل؟!" صرخ، وصوته ارتد في الفراغ بشكل مخيف.
بدأ يتراجع للخلف، خطوة وراء الأخرى، دون أن يبعد عينيه عن الظلام أمامه. كان يشعر أن هناك من يراقبه… يقترب منه دون أن يُرى.
حاول أن يخرج هاتفه بسرعة، وفعلاً أخرجه، لكنه عندما ضغط على زر التشغيل… لم يعمل.
"لا… مش وقته!" قالها بانفعال، وهو يضغط عليه مرارًا، لكن الشاشة ظلت سوداء.
وفي نفس اللحظة، عاد الصوت…
“إنت جيت… متأخر.”
هذه المرة كان أوضح… وأقرب.
شعر يوسف بأنفاسه تختنق. هذا الصوت… صوتها.
"أنا هنا! إظهري!" قالها بصوت عالٍ، وكأنه يتحدى خوفه.
لكن بدلًا من أن تظهر، زاد الظلام حوله عمقًا، وكأن الضوء نفسه بدأ يختفي.
ثم سمع شيئًا مختلفًا…
أنفاس.
ليست أنفاسه… بل أنفاس شخص آخر، قريبة جدًا.
التفت بسرعة، لكن لا أحد.
بدأ يركض.
لم يفكر، لم يتردد، فقط ركض بأقصى سرعة، وكأن حياته تعتمد على ذلك. كان يسمع خطوات خلفه… أو ربما يتخيل؟ لم يعد يعرف.
وبينما هو يركض، لمح شيئًا يلمع على الأرض.
توقف فجأة، رغم أن كل شيء داخله كان يصرخ أن يستمر.
انحنى ببطء، وعيناه مثبتتان على ذلك الشيء.
كانت سلسلة… فضية، يتدلى منها شكل قمر صغير.
نفس السلسلة التي كانت ترتديها الفتاة.
مد يده بتردد، ولمسها.
كانت باردة… باردة بشكل غير طبيعي، كأنها خرجت للتو من الجليد.
وفي اللحظة التي لامست فيها أصابعه السلسلة…
انفجرت صورة في ذهنه.
رأى الفتاة.
كانت تركض، أنفاسها متقطعة، وعيناها مليئتان بالخوف. كانت تنظر خلفها باستمرار، وكأن شيئًا يطاردها… شيئًا لا يريد أن يُرى.
"سيبيني!" صرخت، لكن صوتها بدا بعيدًا، وكأنه يأتي من عالم آخر.
ثم… سقطت.
واختفى كل شيء.
فتح يوسف عينيه فجأة، وهو يلهث بشدة، ويده لا تزال تمسك بالسلسلة.
"دي… كانت ذكرى؟!" قالها وهو ينظر إليها بذهول.
في نفس اللحظة، عاد هاتفه للعمل فجأة، وأضاء الكشاف.
سلط الضوء أمامه ببطء…
ليتجمد في مكانه.
آثار أقدام.
واضحة.
تبدأ من أمامه مباشرة… وتمتد إلى داخل الظلام.
لكن الغريب… أنها كانت لقدمين حافيتين.
وقف يوسف للحظة، ينظر إلى الآثار، ثم إلى السلسلة في يده.
الخوف كان لا يزال يملأه، لكنه هذه المرة لم يكن وحده… كان هناك شيء آخر.
إصرار.
"في حاجة حصلت هنا…" قالها بصوت منخفض، “وأنا لازم أعرفها.”
تردد لثوانٍ، ثم بدأ يتحرك.
خطوة… وراء خطوة… يتبع آثار الأقدام.
كان كل شيء حوله صامتًا، حتى الرياح توقفت، وكأن العالم نفسه يحبس أنفاسه.
وفجأة… لمح شيئًا بين الظلال.
شكل… يقف بعيدًا.
توقف مكانه، ورفع الكشاف نحوه.
لكن قبل أن يصل الضوء إليه…
اختفى.
"استني!" صرخ يوسف، وبدأ يركض نحوه.
لكن كلما اقترب… كان الشكل يبتعد.
حتى توقف فجأة.
لأنه سمع نفس الصوت مرة أخرى… لكن هذه المرة خلفه مباشرة:
“متكملش…”
تجمد.
لم يجرؤ على الالتفات.
لكن الصوت أكمل:
“لو كملت… مش هترجع.”
أغلق يوسف عينيه للحظة، وقلبه يخفق بعنف.
ثم فتحهما ببطء… وقال:
“حتى لو… لازم أعرف.”
واستدار ببطء نحو الظلام… مستعدًا لمواجهة ما ينتظره، مهما كان.