الفصل السابع: ظل الحقيقة
ظل الحقيقه
لم يكن الليل هادئًا كما ظنت "ليلى"…
رغم أن القمر كان مكتملًا، يضيء السماء بنوره الفضي، إلا أن قلبها كان مظلمًا على غير عادته. وقفت أمام نافذتها، تحدق في الشارع الخالي، وكأنها تنتظر شيئًا لا تعرفه.
منذ تلك الليلة، وكلمات "آدم" لا تفارق عقلها:
“مش كل حاجة باينة قدامك تبقى حقيقة…”
كانت جملة بسيطة، لكنها زرعت بداخلها شكًا لم تستطع التخلص منه.
مع أول ضوء للصباح، استيقظت على صوت إشعار هاتفها.
مدّت يدها بتكاسل، لكنها انتفضت عندما رأت رسالة من رقم مجهول.
لم تحتوي الرسالة على كلمات… فقط موقع.
ترددت لثوانٍ، قلبها ينبض بسرعة، وعقلها يصرخ: متروحيش!
لكن فضولها… كان أقوى.
ارتدت ملابسها على عجل، وخرجت دون أن تخبر أحدًا، وكأن شيئًا خفيًا يدفعها نحو ذلك المكان.
كان المبنى يقع في طرف مهجور من المدينة، تحيط به أشجار يابسة وصمت ثقيل.
توقفت أمامه للحظة، تتأمل جدرانه المتشققة ونوافذه المحطمة.
"إيه اللي جابني هنا؟" همست لنفسها.
لكنها دخلت.
كل خطوة كانت تصدر صدىً في المكان الخالي، وكل زاوية كانت تحمل رهبة غريبة.
شعرت وكأن العيون تراقبها، رغم أنها كانت وحدها.
“كنت متأكدة إنك هتيجي…”
تجمدت في مكانها.
الصوت… مألوف.
استدارت ببطء، وقلبها يكاد يقفز من صدرها.
كان "آدم".
لكن ملامحه لم تكن كما تعرفها…
كانت أكثر جدية… وأكثر غموضًا.
“آدم؟ إيه اللي بيحصل؟ وليه المكان ده؟”
اقترب خطوة، ثم قال بهدوء غريب:
“علشان الحقيقة… مش دايمًا ينفع تتقال في النور.”
شعرت ليلى بالارتباك، والغضب بدأ يتسلل إلى صوتها:
“بلاش ألغاز! أنا مش فاهمة حاجة!”
نظر إليها للحظة، وكأنه يقاوم شيئًا داخله، ثم أخرج ورقة قديمة من جيبه.
“دي… لازم تشوفيها.”
تناولتها بيد مرتعشة.
كانت الورقة مهترئة، وكأنها احتُفظ بها لسنوات طويلة.
بدأت عيناها تقرأ الكلمات ببطء…
ومع كل سطر… كانت ملامحها تتغير.
الصدمة… الخوف… عدم التصديق.
“لا… ده مستحيل…”
رفعت عينيها إليه، وصوتها يرتجف:
“إنت كنت عارف؟!”
أومأ برأسه:
“آه… من زمان.”
رجعت خطوة للخلف، وكأن الأرض لم تعد ثابتة.
“ليه؟! ليه ما قولتليش؟!”
صمت للحظة، ثم قال:
“كنت مستني الوقت المناسب… وكنت خايف.”
“خايف من إيه؟!”
نظر في عينيها مباشرة:
“من رد فعلك… ومن إني أخسرك.”
ساد صمت ثقيل بينهما.
كانت ليلى تشعر أن عالمها يتفكك أمامها.
كل الذكريات… كل التفاصيل… أصبحت فجأة محل شك.
“يعني… كل اللي عشته كان كذبة؟”
هز رأسه بسرعة:
“لا… مش كله. في حاجات كانت حقيقية… أهمها أنا.”
نظرت له طويلًا…
كانت تريد أن تصدقه… لكن قلبها لم يعد يعرف من يثق به.
وفجأة…
دوّى صوت باب يُغلق بعنف.
التفت الاثنان في نفس اللحظة.
خطوات بطيئة… تقترب من الظلام.
شخص يظهر تدريجيًا من بين الظلال.
قلب ليلى بدأ يخفق بجنون.
“الموضوع كبر أوي… مش كده؟”
الصوت كان صادمًا.
شهقت ليلى، ووضعت يدها على فمها:
“إنت…؟!”
لم تستطع إكمال الكلمة.
الشخص الذي أمامها… كان آخر شخص تتوقع أن تراه هنا.
نظر آدم إليه بحدة، وقال:
“كنت عارف إنك هتظهر.”
ابتسم الغريب ابتسامة باردة:
“وطبعًا ما حبيتش تقول لها كل حاجة… صح؟”
نظرت ليلى بينهما، والدموع تلمع في عينيها.
“حد يفهمني! إيه اللي بيحصل؟!”
لكن لم يجبها أحد.
فقط الصمت… والتوتر… ونظرات مليئة بالأسرار.
وفي تلك اللحظة…
أدركت ليلى أن الحقيقة لم تظهر بالكامل بعد…
وأن ما عرفته حتى الآن… ليس إلا البداية.
بداية طريق مليء بالخداع…
والألم…
وربما… الخيانة.