ثمن المقارنة... حين تضيع النعمة من بين يديك

image about ثمن المقارنة... حين تضيع النعمة من بين يديك
image about ثمن المقارنة... حين تضيع النعمة من بين يديك

 

كانت “سلمى” تعيش مع زوجها “أحمد” في بيت بسيط، لا ينقصه الكثير، لكنه لم يكن كما كانت تتخيل. منذ الأيام الأولى للزواج، بدأت تقارن حياتها بحياة صديقاتها، ترى هذه تسافر، وتلك تعيش في منزل فاخر، وأخرى يحيطها زوجها بالهدايا باستمرار. أما هي، فكانت ترى أن حياتها عادية جدًا، بل أقل مما تستحق.

أحمد كان رجلًا بسيطًا، يعمل بجد طوال اليوم ليؤمّن احتياجات البيت. لم يكن غنيًا، لكنه كان صادقًا ومحبًا. كان يعود كل مساء متعبًا، يحمل معه بعض الحلوى أحيانًا، أو يسألها إن كانت تحتاج شيئًا. لكنها لم تكن ترى كل هذا، كانت ترى فقط ما ينقصها.

بدأت سلمى تُكثر من الشكوى، تقارن، تنتقد، وتُشعر أحمد دائمًا بأنه مقصر. “لماذا لا نعيش مثل الناس؟”، “لماذا لا تسافر بي؟”، “لماذا لا تشتري لي كذا؟”... كلماتها كانت كالسكاكين، تجرح قلبه كل يوم دون أن تشعر.

مع مرور الوقت، بدأ أحمد يتغير. لم يعد يبتسم كما كان، صار صامتًا أغلب الوقت، يهرب من الحديث حتى لا يسمع انتقادات جديدة. الحب الذي كان بينهما بدأ يبهت، والدفء في البيت تحول إلى برود ثقيل.

لم تكتفِ سلمى بذلك، بل بدأت تشتكي لأهلها وصديقاتها، تُظهر نفسها كضحية، وتُصوّر أحمد كزوج فاشل. نصحوها بالضغط عليه أكثر، وبأن “الرجل لا يأتي إلا بالقوة”. فزادت من قسوتها دون أن تدرك أنها تهدم بيتها بيدها.

وفي يوم، عاد أحمد إلى البيت ليجدها غاضبة كعادتها. دار بينهما نقاش حاد، انتهى بكلمات قاسية لم تُقال من قبل. قال لها بهدوء حزين: “أنا تعبت... حاولت أرضيك بكل طاقتي، لكنك لا ترين إلا ما ليس عندي.”

كانت تلك الليلة فاصلة. بدأ أحمد يبتعد أكثر، يقضي وقتًا أطول خارج المنزل، ولم يعد يحاول كما كان. شعرت سلمى لأول مرة أن هناك شيئًا يتغير فعلاً، لكن بعد فوات الأوان.

مرت الشهور، وازدادت الفجوة بينهما. حتى جاء اليوم الذي أخبرها فيه أحمد أنه لم يعد قادرًا على الاستمرار في هذا الجو، وأنه يريد الانفصال.

هنا فقط، انهارت سلمى. جلست تفكر في كل ما حدث، وتذكرت مواقف صغيرة لم تكن تُعطيها قيمة: ابتسامته، تعبه من أجلها، اهتمامه البسيط. أدركت أنها كانت تملك شيئًا جميلًا، لكنها لم تره.

بعد الطلاق، عاشت سلمى مع شعور ثقيل من الندم. لم يكن الفقر هو المشكلة، بل عدم الرضا. فقدت زوجًا كان يحبها بصدق، بسبب مقارنات وأفكار لم تجلب لها سوى الخسارة.

تعلمت سلمى درسًا قاسيًا: أن الرضا ليس فيما نملك، بل في نظرتنا لما نملك. وأن البيت لا يُهدم بالفقر، بل يُهدم بكثرة الشكوى وقلة التقدير.

لكن هذا الدرس، جاء متأخرًا.