
في عزلتي: رحلة لاكتشاف الأصوات التي بداخلي
في عزلتي: رحلة لاكتشاف الأصوات التي بداخلي
تمهيد: الضجيج الذي أصبح هويتنا
لم أعد أعرف نفسي من دون ضجيج. أصبحت الأصوات الخارجية جزءًا من نسيج وعيي، بل وتفكيري. الموسيقى في سماعات الأذن كانت تحجب صرير أفكاري المتعبة، وصخب وسائل التواصل الاجتماعي كان يملأ فراغًا لا أعرف حتى أنه موجود. كنت أعتقد أنني "منتج" و"متصل" و"حيوي"، ولكن في أعماقي، كان هناك إحساس غامض بالاغتراب عن ذاتي. كأنني أستمع إلى محطة راديو مليئة بالتشويش، وأحاول جاهدًا أن أسمع أغنية أحبها، لكنني لا أتذكر اسمها. كان القرار أخيرًا هو إطفاء الراديو كله، والاستماع إلى ما بداخلي، مهما كان.

الفصل الأول: الاستعداد للرحلة - الوداع المؤقت للعالم
لم تكن العزلة التي خططت لها هروبًا، بل كانت رحلة استكشاف. حددت عطلة نهاية الأسبوع، وأخبرت المقربين أنني سأكون "غير متاح". كان تحضيري نفسيًا أكثر منه ماديًا. حضرت كتبًا متربة على الرف等待 أن يتم قراءتها، وأخفيت شاحن الهاتف في درج بعيد، وأعددت قهوتي المفضلة. كانت اللحظة التي سبقت بدء التجربة أشبه بالوقوف على حافة منصة الغوص، خائفًا ومتحمسًا في آن واحد. ماذا سأجد هناك في الأعماق؟ هل سأجد كنوزًا أم وحوشًا؟ كان السؤال الأكبر: هل سأتحمل ما سأجده؟
الفصل الثاني: اليوم الأول - معركة الفراغ والملل
استيقظت في صباح اليوم الأول وفق روتيني المعتاد، لكن يدي تمتد تلقائيًا إلى المكان الفارغ حيث كان هاتفي ينام. كان الشعور أشبه بفقدان عضو من جسدي. جلست على مائدة المطبخ، والقهوة بين يدي، والصمت يلف الغرفة كضباب كثيف. لم أكن أعلم أن الصمت له وزن، وزن ثقيل يضغط على الأذنين وعلى الصدر.
بدأ عقلي، المحروم من مشتتاته المعتادة، في إطلاق العنان لنفسه. تدفقت سيل من الأفكار العشوائية: ماذا سأتناول على الغداء؟ هل نسيت الرد على بريد إلكتروني عملاء الأسبوع الماضي؟ ذلك التعليق المحرج الذي قلته قبل عشر سنوات؟! كان العقل يصرخ طالبًا التحفيز، أي تحفيز. حاولت القراءة، لكنني كنت أقرأ السطر نفسه مرارًا وتكرارًا دون استيعاب. حاولت الجلوس فقط لأتنفس، لكنني شعرت بالملل القاتل. كانت هذه الساعات الأولى هي الأصعب، كانت معركة بين الإرادة القديمة الراغبة في الترفيه عن نفسها بأي ثمن، والإرادة الجديدة التي تريد الصمود والاستكشاف. ذهبت إلى النوم في ذلك اليوم وأنا أشعر بإرهاق غريب، ليس إرهاق الجسد، بل إرهاق النفس من مواجهة نفسها.
الفصل الثالث: اليوم الثاني - الاستسلام والبدايات الخجولة
استيقظت في اليوم الثاني وأنا أشعر بوهن غريب. لم تكن هناك حافزية للقفز من السرير. جلست على حافة السرير وأغمضت عينيّ لبعض الوقت. ثم حدث شيء مثير للاهتمام. لأنني لم أعد أقاتل الشعور، لأنني استسلمت لحالة "لا شيء لأفعله"، بدأ التوتر يغادر جسدي.
خرجت إلى الشرفة وصحبتي كوب من الشاي. ولأول مرة، لم آخذه لأتصفح الهاتف، بل أخذته لأشاهده هو. لاحظت لون الماء وهو يتحول إلى اللون الكهرماني الجميل مع نقع الشاي. شممت رائحته العطرة بعمق. سمعت حفيف أوراق الشجر في النسيم، وغرد عصفور على بعد – لم يكن مجرد صوت، بل كان لحنًا له بداية ووسط ونهاية. لاحظت كيف تتحرك الغيوم ببطء وتغير شكلها.
عدت إلى الداخل و التقطت أحد الكتب. هذه المرة، غصت في صفحاته. لم أقرأه، عشته. كنت أتذوق كل جملة، أتخيل المشاهد، وأربط الأفكار بحياتي. اكتشفت أن القراءة ليست عملية بصرية فحسب، بل هي رحلة عاطفية وفكرية عندما نمنحها الوقت والمساحة. كتبت في مفكرة قديمة بعض الأفكار التي خطرت ببالي، دون أن أحكم عليها أو أحررها. كانت مجرد تيار من الوعي يتدفق على الورق.
الفصل الرابع: اليوم الثالث والأخير - اللقاء مع الذات الحقيقية
بحلول اليوم الثالث، لم أعد أشعر أنني "أقضي وقتًا"، بل كنت "أعيشه". أصبح الصمت ليس فراغًا يجب ملؤه، بل هو مساحة مقدسة للوجود. وفي هذه المساحة، بدأت الأصوات الحقيقية تعلو.
لم تكن هذه الأصوات مخيفة كما تخيلت. كانت أصواتًا مألوفة، لكنها كانت مهمشة لفترة طويلة.
· همسة الخوف: اعترفت لنفسي أخيرًا بأنني خائفة من الخطوة المهنية الكبيرة التي أتخذها قريبًا. سمحت لهذا الخوف بأن يكون موجودًا، دون أن أحاول قمعه أو إنكاره. وبمجرد الاعتراف به، بدا وكأنه أصبح أقل إرهابًا.
· صوت الإبداع المدفون: فجأة، بينما كنت أحدق في السقف، جاءتني فكرة مشروع إبداعي كنت أؤجله لسنوات. لم تكن الفكرة غامضة، بل كانت مفصلة وواضحة، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة الهادئة لتخرج إلى النور.
· ذاكرة الشفاء: تذكرت موقفًا مؤلمًا من الماضي. لكن بدلاً من أن أتشنج كالعادة، نظرت إليه من مسافة. لاحظت أن جميع الأطراف، بما فيهم أنا، كانوا يتصرفون من خلال جراحهمهم وضعفهم. غمرني شعور غريب بالغفران والتعاطف مع نفسي الصغيرة في ذلك الوقت.
· صوت البساطة: أدركت كم كانت سعادتي في أبسط الأشياء: دفء الشمس على بشرتي، مذاق قطعة شوكولاتة غنية، الراحة بعد إنجاز مهمة بسيطة مثل ترتيب المكتب. لقد نسيت كيف أستمتع بهذه الهدايا الصغيرة.
الفصل الخامس: العودة إلى العالم - بعيون جديدة
عندما حان وقت إنهاء التجربة، لم أشعر بالحماس للعودة إلى هاتفي كما توقعت. في الحقيقة، شعرت ببعض الحزن لإنهاء هذه المساحة المقدسة. أشعلت هاتفي، وتدفقت الإشعارات. لكن شيئًا ما كان مختلفًا.
لم أعد ذلك الشخص الذي يلهث وراء كل رنة. كنت أكثر هدوءًا، وأكثر انتقائية فيما سأمنحه انتباهي. نظرت إلى شاشة الهاتف وكأنني أنظر إلى آلة صاخبة، واخترت بعناية ما سأتفاعل معه. لقد أصبح لديّ معيار جديد للقيمة: هل هذا الشيء يضيف لوجودي أم يسرق منه؟
خاتمة: الدعوة إلى اللقاء الداخلي
لم تكن عزلتي هروبًا من العالم، بل كانت غوصًا عميقًا لأعود منه بمخزون هواء نقي يمكنني أن أتنفسه في صخب الحياة اليومية. علمتني أن الصمت ليس صمتًا أبدًا؛ إنه مليء بالحكمة، بالإبداع، بالمخاوف التي تنتظر أن نطمئنها، وبالأحلام التي تنتظر الإذن بالظهور.
العالم لن يصمت أبدًا، وهذا ليس مطلوبًا. المطلوب هو أن نخلق لأنفسنا جيوبًا من الهدوء، ولو لدقائق معدودة في اليوم، لنغلق الأبواب ونتنفس، ونسأل أنفسنا: "كيف حالك حقًا؟". هذه الرحلة إلى الداخل ليست ترفًا، إنها ضرورة أساسية لإنسان هذا العصر. إنها الرحلة الوحيدة التي ستعيدك إلى بيتك الحقيقي، إلى نفسك