لقاء مابعد الفراق

لقاء مابعد الفراق

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

"لقاء ما بعد الفراق" 

للكاتب/ مصطفى سلامه. 

العنوان الجزء الأول: “رائحة البدايات”

 

image about لقاء مابعد الفراق

كانت جدران مدرسة "سانت جوزيف" العتيقة تفوح برائحة الطلاء النظيف، وأصوات ضحكات الأطفال تمتزج برنين الأجراس التي تعلن عن بداية عام دراسي جديد.

 وسط هذا الزحام الملون بالقمصان البيضاء المكوية بعناية، كان "آدم" يقف متسمراً في مكانه، يقبض بيديه الصغيرتين على حمالات حقيبته الجديدة التي اشتراها والده بجهد جهيد.

image about لقاء مابعد الفراق

شعر "آدم" بأنه غريب، ليس بسبب ملابسه، بل بسبب تلك الهالة التي تحيط بالمكان؛ لغات لا يتقنها جيداً بعد، وسيارات فارهة تصطف أمام البوابة، وأطفال يتحدثون عن عطلاتهم في بلاد لم يسمع عنها إلا في التلفاز. كان والده قد همس في أذنه قبل أن يرحل: “يا آدم، عيشنا كله دفعناه هنا عشان تكون أحسن واحد.. ارفع راسي.”

 تلك الجملة كانت ثقيلة جداً على كتفي طفل في السادسة من عمره.

 

image about لقاء مابعد الفراق

دخل الفصل وجلس في المقعد الأخير، يحاول أن يختبئ من نظرات الفضول، حتى اقتحمت سكونه طفلة بشعر كستنائي منسدل، وابتسامة واسعة لا تعرف الخجل. وضعت حقيبتها الملونة فوق المقعد المجاور له دون استئذان، وقالت بصوت مبهج:

 “أنا ليلى.. وأنت؟”

ارتبك آدم، تلعثم قليلاً وهو ينظر إلى حذائها اللامع الذي يعكس ضوء الشمس، ثم أجاب بصوت خافت:

 “آدم..”

ضحكت ليلى بخفة وهي تخرج علبة ألوان باهظة الثمن من حقيبتها، وقالت:

 “اسمك جميل يا آدم! بس ليه قاعد لوحدك ووشك زعلان كدة؟ أنت مش بتحب الشوكولاتة؟”

image about لقاء مابعد الفراق

وقبل أن ينتظر إجابته، كانت قد وضعت في يده قطعة شوكولاتة صغيرة مغلفة بورق ذهبي. في تلك اللحظة، لم تكن الشوكولاتة هي ما أذاب الجليد في قلب آدم الصغير، بل كانت تلك النظرة الصافية في عيني ليلى، التي لم ترَ في "آدم" طفلاً من طبقة مختلفة، بل رأت فيه صديقاً سيمشي معها طريقاً طويلاً.. طريقاً سيبدأ بضحكة في مدرسة لغات، وينتهي بعد سنوات طويلة بلقاء لم يكن أي منهما يتخيله.

 

"لقاء ما بعد الفراق" 

للكاتب/ مصطفى سلامه. 

الجزء الثاني: “كيمياء الصداقة”

 

في الصف الخامس الابتدائي، لم تعد ليلى مجرد زميلة لآدم، بل أصبحت "صوته" الذي يتحدث به أمام الجميع. كان آدم يمتلك ذكاءً متقداً، خاصة في حصص الرياضيات والعلوم، لكنه كان يخشى رفع يده للمشاركة، خوفاً من أن تخونه مخارج الحروف أو يظهر ارتباكه.

في إحدى حصص "الساينس" (Science)، وقف المعلم أمام السبورة يطرح مسألة معقدة لم يستطع أحد حلها. 

كان آدم قد انتهى من حلها في مسودة كراسته في ثوانٍ، لكنه ظل صامتاً ينظر للأرض. 

شعرت ليلى به، فلكزته بكوعها وهي تهمس:

 “آدم، أنا عارفة إنك حلتها.. ارفع إيدك يا بطل.”

  هزة رأس خفيفة بالنفي كانت رده: “مش عايز يا ليلى.. خايف أغلط.”

بذكائها المعهود، لم تنتظر ليلى. رفعت يدها هي وقالت بصوت واثق:

 “مستر، آدم حل المسألة بطريقة عبقرية، ممكن يشرحها لنا؟”

ارتبك آدم بشدة، لكن نظرة ليلى المشجعة كانت بمثابة "طوق نجاة". قام ببطء، وبدأ يشرح المسألة بسلاسة أذهلت الجميع. 

في تلك اللحظة، شعر آدم لأول مرة أنه ليس "أقل" من أحد، وأن عقله هو سلاحه الحقيقي.

بعد الحصة، وبينما كانا يجلسان في "الفسحة"، أخرجت ليلى ساندوتشاتها الفاخرة كالعادة، بينما أخرج آدم ساندوتشاً بسيطاً ملفوفاً بورق منزلي. لاحظت ليلى ملامح السرحان في عينيه، فقالت بمرح وهي تخطف نصف ساندوتشه:

 “تعرف يا آدم؟ أنت هتبقى مهندس كبير أوي في المستقبل، وأنا اللي هبني معاك أول عمارة!”

ابتسم آدم بمرارة خفيفة لم تلحظها ليلى، وقال بصوت حالم:

 “يا ريت يا ليلى.. المهم نفضل مع بعض دايمًا وما نفترقش.”

لكن القدر كان يخبئ لهما اختباراً قاسياً؛ ففي الوقت الذي كانت فيه ليلى تحلم بالمستقبل، كان والد آدم يمر بأزمة مالية طاحنة جعلته يقف ليلاً أمام باب غرفته، ينظر إلى ابنه المتفوق بحسرة، وهو يعلم أن هذا العام سيكون الأخير لآدم في عالم "اللغات" والرفاهية، وأن رحلة العودة إلى "المدرسة الشعبية" قد بدأت تقترب.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
مصطفى سلامه تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

0

مقالات مشابة
-